الصين تتقدّم لملء الفراغ والأسد يلعب بالنار
إبراهيم الجبين

لا تزال خيارات الرئيس السوري بشار الأسد أكثر سعة مما يتخيل معارضوه، وقد أحسن استثمار بقع النفوذ المتضاربة من حوله وحول سوريا بما ضمن له البقاء خلال عقدين من الزمن، وهنا لا يقدّم ولا يؤخّر إن كان ذلك الاستثمار أخلاقياً في نظر البعض أو غير وطني في نظر الآخرين. ففي قاموس النظام السوري المهم هو الاستمرار، وهذا ما تحقّق حتى الآن، بقيت المهمة الثانية وهي استعادة السيطرة وبسط سيادة الدولة من جديد، كما كانت عليه الحال قبل العام 2011.

كان الإيرانيون مرحلة، حسب خبراء الأسد الاستراتيجيين، والروس مثلهم، والدور جاء على الصينيين اليوم. وجاءت دلالة زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى دمشق في يوم تنصيب الأسد الذي أعيد انتخابه لولاية رابعة لتؤكد ذلك، فهي لم تكن بلا تنسيق مسبق مع دمشق بالطبع.

الصين تعرف ما تريد من الأسد وسوريا، ومن جانبه هو الأكثر إدراكاً لحاجة بكين لهذا الإصبع الجيوسياسي المتقدم في عمق الشرق. ولا يعني هذا ألّا يقدّم وانغ يي مبادرة لحل الأزمة السورية المتفاقمة منذ عشر سنين، فالصين لاعب دولي كبير، وعضو دائم في مجلس الأمن، ولديها أجندتها الخاصة ورؤيتها لكيفية فض النزاعات حول العالم.
المبادرة الصينية لم تكن لتطرح لولا أن هناك ما سيليها من خطوات، سيكون الأسد مرحّباً بها على الأرض السورية. فروسيا لا تريد المضي في إعادة الإعمار لأسباب قد تتعلّق بالتوقيت الذي يختاره حلفاؤها في المنطقة، عنيت الإسرائيليين على وجه الخصوص. بينما لا تشعر الصين بالقيود ذاتها التي تلتزم بها روسيا. ولهذا تطرح مشروعاً للحل يتجاوز الكثير من العقد ويقوم على مبادئ أربعة، أولها احترام السيادة الوطنية لسوريا، وهذا يصطدم مع كثيرين من حول سوريا، الأتراك على وجه الخصوص، وحتى الإيرانيين، وحزب العمال الكردستاني المدعوم من الولايات المتحدة، وأخيراً إسرائيل التي تقصف المواقع السورية بشكل شبه يومي منذ أعوام.

مربط الفرس في المبدأ الثاني الذي يشدّد على ضرورة تسريع عملية إعادة إعمار البنية التحتية والاقتصاد في سوريا. وهو ما لا يمكن أن يتحقق في ظل العقوبات الأميركية المفروضة على النظام وعلى رأسها قانون قيصر، ولذلك تطالب الصين برفع فوري لجميع العقوبات الأحادية وإجراءات الحصار الاقتصادي. وحصر المساعدات ببوابة الأسد التي تسميها الصين في مبادرتها “الحكومة السورية”. وهي بهذه الصورة تعود للضرب على عصب واشنطن التي تتمسك بفرض العقوبات التي ينص عليها قانون قيصر، وتشمل المتعاونين مع الأسد والداعمين له سواء كانوا أفراداً أو منظمات أو دولاً.

ويشير المبدأ الثالث إلى التأكيد على ضرورة وقف نشاط الجماعات التي لها صلات بالمنظمات الإرهابية العالمية المدرجة على القوائم السوداء للأمم المتحدة؛ وهذا يصب في خانة محاربة داعش والنصرة وأيضاً ومن جديد، حزب العمال الكردستاني.

أما المبدأ الرابع والأخير فيصرّ على أنه لا يمكن تحقيق حل سياسي شامل في سوريا من دون تجاوز الخلافات بين القوى المختلفة، ولكن لا بدّ، حسب المبادرة الصينية، من أن تقود الحكومة السورية تلك العملية.

ماذا تريد الصين وهي تقدّم مبادرتها تحت شعار “التخلي عن وهم تغيير النظام” في سوريا؟ أي أنها تبدأ حركتها هذه انطلاقاً من رفضها لكل قرارات مجلس الأمن التي وافقت عليها سابقاً، وعلى تفاهم الروس مع الأميركيين في جنيف، وهي بذلك تقدّم نفسها كمنافس للمستحوذين على الكعكة السورية والمتحكمين بمصيرها دون استثناء.

قد يفكّر الصينيون كما رأى البعض أن سوريا هي حلقة مهمة بالنسبة إلى مشروع الحزام الصيني وطريق الحرير الجديد، وأنها تريد إكمال حزامها للوصول إلى شواطئ المتوسط، ولكن الطريق إلى سوريا بحد ذاته مليء بالعثرات والتضاريس الوعرة، فهل حسبت الصين حساب ذلك؟ إذ يخطئ من يعتقد أن روسيا والصين حليفتان لا يشغل التنافس على النفوذ بينهما مكانه الحساس، في علاقة لم تستطع الأيديولوجيا القديمة المشتركة أن توثّق عراها في الماضي، ولن تستطيع السوق المفترسة اليوم فعل ذلك.

الإيرانيون لديهم سجادتهم الفارسية التي ينسجونها بعيداً عن الأعين في شرق سوريا، وغربها قريباً من العراق ولبنان، ولذلك لا يكترث الأسد كثيراً بموقفهم من تقاربه مع الصين. لكن روسيا ليست إيران. والأسد يعرف ذلك حقّ المعرفة، وهو يضغط على الروس لاستجرار المزيد من الدعم في لعبة خطرة قد تتسبّب في زعزعة العلاقات المستقرة التي تمكّن من نسجها معهم.

وقد سبق للروس أن عرقلوا مثل هذا التقدّم الصيني في حديقتهم الخلفية في العام 2017 حين أعلنت الصين عن استثمار ملياري دولار في سوريا، وهذا التنافس الصيني الروسي حقيقة وليس من نسج خيال خصوم الدولتين العظميين، ففي الشهر الخامس من هذا العام استضاف وزير خارجية الصين ذاته لقاء لوزراء خارجية دول آسيا الوسطى في مدينة شيان الصينية في اجتماع هو الثاني من نوعه لمناقشة القضايا الجيوسياسية بذريعة الحديث عن الوضع في أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي، ونحن نتحدّث هنا عن عمق مناطق النفوذ الروسي، أي الدول التي كانت تحت هيمنة موسكو، كازاخستان وأوزبكستان وقرغيزستان وتركمانستان وطاجيكستان، ولم تكن روسيا مدعوة إلى هذا الاجتماع.

تدخل الصين دوما من الباب الاقتصادي، ووراء ذلك الباب يكمن المشروع الاستراتيجي الأكبر للتنين الذي لا يزال متربّصا، وقد وعد الوزير الصيني ضيوفه بتنفيذ مشاريع جديدة في تلك البلدان، وزيادة التعاون في مجالات الزراعة والصحة والتعليم والتجارة والطاقة والنقل والآثار. وتعهّد أيضا بمساعدة قرغيزستان على تخفيف ديونها، لكن من المتسبّب بتلك الديون؟ إنها روسيا التي عرقلت مشروع الصين لمدّ خط سكة حديد يربط الصين بأوزبكستان، والتي ترفض مثل هذه المشاريع لأنها ستؤثر على كونها هي الممر التجاري الحصري لتلك المصالح الاقتصادية الكبيرة، وأن أي تغيير في ذلك سيعود بالضرر على الاقتصاد الروسي الذي يعتمد على العمال القادمين من آسيا الوسطى وعلى معاهدات أبرمت مع هذه الدول التي تحاول الصين سلبها إياها.

ولن يطول الوقت قبل أن تردّ روسيا بإجراءات رادعة حيال الصين، سواء في آسيا الوسطى أو في سوريا التي باتت تعتبرها ضمن نطاقها الأوراسي الاقتصادي والأمني.

وفي الوقت الذي يشهد فيه العالم الجديد صعود مفهوم “أقلمة المناطق الجيوسياسية” في نظام ما بعد الليبرالية، حسب تحليل مركز تحليل السياسات الأوروبية الأخير، والذي يعني أن يقوم اللاعبون الكبار في الإقليم ذاته بترتيب مصالحهم مستبعدين الغرباء عنه، يدور صراع خفي ما بين روسيا والصين التي بتقدّمها نحو سوريا تكون قد وطِئت بقوّة هذه المرّة على ذيل الدب الروسي الذي يخيّل إليها أنه في سبات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى