الصين واسرائيل علاقة برغماتية تحكمها المنفعة
بقلم د.صالح الشقباوي

استاذ محاضر في جامعة بودواو

كما نعلم فلسفيا أنو الكونفوشوسية تدعوا الى الفضيلة وليس الى الايمان بالالله او اداء عبادات معينة، فهي الاطار الوجداني العام للشعب الصيني وهي قائدة سيكولوجيته التي استند عليها في تطوره، وهي التي تقود مسار التركيبة الاجتماعية للشعب الصيني  مما ساعدها في تعزيز ميكانزمات قيادتها للقيادة العامة الصينية وعززت إيمان الصينيين بالحس الجمعي وقدمت المصلحة العامة على مصلحة الفرد، وعززت الطاعة للحاكم و الاخلاص للشعب والدولة الصينية وساهمت بتكريس أخلاق الطاعة في الثقافة السياسية الصينية وقد اعتمدت عليها الصين كدينامو محرك لبدايات تحديثها عام 1860 علما أن الثورة الماوية عام 1949 والتي أطلقها “ماو” من خلال ثورته الثقافية عام 1966 استهدفت التراث الكنفوشوسي لكنها لم تنجح وفشلت في محو الثقافة الكونفوشوسية التي شكلت قاعدة انطلاق قوية للحضارة الصينية المعاصرة بعد وفاة “ماو” عام 1976 حيث عاد خليفته “هواجيو فينج” انهاء الثورة الثقافية والاعتماد على الكنفوشوسية وتم في الثمانينات من القرن الماضي، احياء تعاليمها وتراثها ورد الاعتبار لها بعد عودة المجتمع الصيني لاستحضارها كمكون أساسي له ولثقافته وهويته.

إن موت “ماو” لم يغير فقط مسار الفلسفة الصينية وعودتها الى منابعها الكنفوشوسية بل غيّر في نهجها الذي غلب عليه الإنحياز لحركات التحرر الثورية حول العالم حيث اعتمدت المنهج البرغماتي في علاقاتها الدولية بعد أن أقرت خطة تطويرية لذاتها تقوم على أربع محاور أهمها كان محور تحديث الجيش الصيني وسلاحه وأدواته التكنولوجية العسكرية بعد أدائه الضعيف في الحرب الفيتنامية لذا بدأت العلاقات السرية الإسرائيلية الصينية تأخذ منحى قويا في التجذر خاصة وأن الصين كانت أبواب الاتحاد السوفييتي وأمريكا موصدة في وجهها مما جعلها تبحث عن بديل سري، كانت إسرائيل التي زودت الصين بالتكنولوجيا الفائقة والتي وازنت بها الصين قواها مع أمريكا في جنوب ووسط آسيا، لكن هذا الموقف الاسرائيلي لم يكن دون ثمن فقد نجحت الصهيونية في خلق جالية صهيونية في الصين، جُندت للدفاع عن المصالح الاسرائيلية ومساندتها لكي يكون هناك جالية على غرار ما في أمريكا وأوروبا حيث كما قلت نجحت الصهيونية في اصطناع تلك الجالية لخدمة المشروع الصهيوني بعد أن تم البحث عن عائلات صينية من أصل يهودي كانت تقيم في منطقة “كايفنج” بمقاطعة “هينان” وتم البحث عن أحفاد تلك العائلات والتواصل معهم وتقديم لهم يد العون والمساعدات المالية المفتوحة مما جعلهم ينظمون أنفسهم بالرغم من قلة عددهم الذي لم يصل الى عدة مئات وأقنعوهم بضرورة العودة الى جذورهم اليهودية القديمة وإعادة تعريف أنفسهم كيهود وصهاينة، حيث تمكن بعض اليهود من احتلال ارفع المناصب في الصين مثل “اسرائيل أبشتاين” و ” سيدني شابيرو” حيث قفزت اليهودية الى احد اهم مكوناتها في الصين بأنها ديانة غير تبشيرية في الصين وأخذت تبشر من خلال منظمة “شاتي اسرائيل” التي نجحت في تهويد الكث ير من الصينيين حتى أصبح عدد اتباعها بالالاف لا سيما بعد قبول اليهود الزواج من الفتيات الصينيات بعد تهويدهن وبذلك نجحت اسرائيل في خلق جيل صيني صهيوني معاصر تزامن ذلك مع انتشار المدارس اليهودية في المراحل التعليمية المختلفة وتشييد معابد يهودية كالمعابد الكنفوشوسية في عدد من المقاطعات حيث نجحت السفارة الاسرائيلية في بكين باجبار الحكومة الصينية على الاعتراف بالجالية اليهودية ووجودها رسميا كما ونجحت اسرائيل في فتح جامعة عبرية في مدينة “شانتو” وبذلك اصبحت اسرائيل ثاني دولة تقيم جامعة لها في الصين بعد روسيا .

اتسمت العلاقة الاسرائيلية-الصينية بالبراغماتية لذا يتبصر ويستشعر الصهاينة بأهميتها خاصة وأنهم يقرأون المستقبل القريب والذي يؤكد أن الصين ستكون زعيمة العالم لذا أسرعت قيادة الصهيونية العالمية ومعها  الرأسمالية اليهودية والماسونية العالمية بربط علاقات منفعية مع الصين لضمان حمايتها ولا سيما أنها ستكون زعيمة للعالم الما بعد غربي  وما بعد كوروني، بعد ان وصلت ديون العالم الى 253 ترليون دولار حيث ان العالم أفلس في ظل قيادة امريكا وهذا ما يجعلني أقول حلما شرقيا جديدا ينادي الحلم الغربي الآفل .

هذه القراءة تجعل من اسرائيل المهرول الاول في العالم نحو الصين وتقديم التكنولوجيا الدقيقة لها وضخ ترليونات الأموال اليهودية في الشركات الصينية الضخمة لان اسرائيل تعي أن الفلسفة الكنفوشوسية تختلف كليا عن فلسفة الحضارة المسيحية التي تقاسمهم دينيا مقولات كثيرة وتؤمن بهم كشعب مختار وأرض موعودة وهذا ما تفتقره الفلسفة الكنفوشوسية لذا نجد أن نتنياهو قد استوعب الدرس بدقة وقام باسراع التقارب بين الحزب الشيوعي الحاكم في الصين وليكوده الصهيوني الذي يتزعمه نتنياهو والذي وصف علاقة بلاده مع الصين (زواج صنع في الجنة) حيث نجحت اسرائيل بجعل الصين اكبر شريك تجاري لها في آسيا وثالث شريك تجاري في العالم حيث وصل حجم التجارة بينهما الى 25 مليار دولار سنويا وادخال الصين تعديلات على طريق الحرير ليمر عبر الكيان الصهيوني كما ان الصين اشترت امتياز استثمار مباني حيفا وأجدود على البحر المتوسط مما جعل القواعد الامريكية الموجودة هناك تحت سمع وابصار التكنولوجيا الصينية المتطورة وهذا ما يقلق الامريكان اللذين قالوا ان اسرائيل تجري وراء الصين دون تفكير وللحديث بقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى