الطاعون الأميركي

نبيه البرجي
ذاك الشاعر الخليجي الذي سألني «هل تسنى لك أن تمضي ليلة في جهنم؟» لم ينتظر ردي «ألا ترانا عراة في تلك الليلة من ليالي جهنم؟».
لاحظ أن «الذين ترعرعوا في سوق النخاسة، كيف لهم أن يرفعوا رؤوسهم التي لولا الأساطيل لما بقيت، للحظة، في مكانها».
استغرب تفاؤلي، ولو تفاؤل الحد الأدنى، دعاني إلى الاعتذار لأن الأيام المقبلة ربما شهدت حالات أشد هولاً من التبعثر، ومن الكراهية، ومن التبعية، في القارة العربية، «لقد كتبت عن غيبوبة ألف ليلة وليلة، وأنا أعود لأقول إنها ليلة من ليالي جهنم».
الشاعر الخليجي طلب إليّ أن أنقل تحيته إلى أهل سورية، «إلى أهلي في سورية»، «قل لهم إنني أنحني أمامهم بخجل لأنني أشعر بأن يديّ ملطختان بذلك الدم الرائع، أيضاً بذلك الخراب، ما دام أولياء الأمر عندنا قد أنفقوا المليارات لتدمير سورية، حجراً حجراً، من أجل عيني… أولياء أمرهم».
«أتعذب لعذاب السوريين، وأفرح لفرح السوريين، ما حصل معهم لم يحصل مع أي شعب آخر في الدنيا، كل زبانية الجحيم تواطؤوا ضدهم، وحين أقرأ أبحاث المعاهد الدولية حول كميات القنابل التي أرسلت إلى سورية، أسأل ما إذا كان لا يزال هناك مكان للهواء».
بمرارة عاصفة قال «أولئك، بتيجان التنك، الذين حاولوا أن يجعلوا من دمشق هيروشيما العرب، سلام من أقاصي الروح إلى ضفاف بردى»، وسؤال ما إذا كان الياسمين ما زال يزهر في وجوه، وفي بيوت، أهل الشام.
حلمه أن يأتي إلى دمشق و«أقبّل الأرصفة، وأقبّل الجدران، وأقبّل أزهار البكاء، يا دمشق، لقد بكيت طويلاً، وبكيت كثيراً، من أجلك».
أخذ عليّ رهاني على يقظة ما «كيف لهم أن يستيقظوا إذا كان الأميركيون داخل غرف نومهم. هذا لم يحدث في مكان في العالم. ما هذا الطاعون؟ ما هذا الطاعون الأميركي يا صاحبي؟».
لا عجب أن يسندوا رؤوسهم إلى أسوار البيت الأبيض، هذه عادة قديمة، الآن يسندون رؤوسهم إلى حائط المبكى.
كيف لحاكم ينطق بالعربية أن يتحول إلى وصيف لحاخامات القرن؟ ذاك الجنرال (أفرام سنيه) الذي قال: «إذا كان العرب يريدون التحدث إلي، فهذا حذائي»، لا أدري في أي مكان نحن، في أي زمان نحن».
بعد كل الرثاء لأحوالنا (لعلها امتداد للمرثيات السومرية الكبرى)، قال: «دعني أعد إلى قلبي، أنا معك في أن شمساً تنتظرنا عند المفترق، تواصلي يومي مع الناس، بعيني أرى ذلك الزلزال الذي يتشكل في داخلهم، لا بد أن يتفجر عاجلاً لا آجلاً، التاريخ لا يمكن أن يمشي على ظهره إلى ما لا نهاية».
الشاعر الخليجي الذي زار تدمر، ورأى كيف يتدحرج القمر بين الحجارة، «لكأنه قمر قيس وليلى»، سألني عن بادية الشام، البادية التي صرخت، «هي جراح الرمال، يا صاحبي، وقد عرّت الذئاب من ثيابها».
عنده، ما دامت دمشق زينة العرب، وروح العرب، لا خوف من موت الزمن، إنه في مكان ما، «لا بد أن نطرق بابه، ونقول له آن الأوان لكي تمشي مثلما تمشي أزمنة الآخرين».
يستهجن كيف يمكن لأي عربي أن يكون عاشقاً لدونالد ترامب، «قد يكون المرء عاشقاً لهولاكو، قد يكون المرء عاشقاً لدراكولا، هذا الرجل لا مثيل له حتى في الجوراسيك بارك» (حديقة الديناصورات).
«لكن العبودية عادة، حين يعشق الذين يجثمون على أكتافنا القردة، نحن داخل الفجيعة، أرجوك ألا تعتذر لأنك تتفاءل، دعني أتفاءل معك، لم تسقط دمشق، ولن تسقط، ماذا يعني ذلك سوى أن الزمن لم يسقط، ولن يسقط؟».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى