العالم العربي وإشكالية الشرعية
عادل سليمان

عندما ظهرت بوادر هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، في عام 1916، على يد الحلفاء بقيادة بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية، اجتمع ممثلو الدول الثلاث، واتفقوا على خريطةٍ جديدة للعالم العربي، بعد سقوط الدولة العثمانية، صاحبة السيادة على ذلك العالم الذي كان مقسّماً إلى مجموعة من الولايات، وهو الاتفاق الذي عُرف بعد ذلك باتفاق “سايكس – بيكو”، والذي أعاد اتفاق ترتيب الولايات العثمانية وتفكيكها، دولاً قُطرية. واقتسمت بريطانيا وفرنسا النفوذ على تلك الدول، وانتهت الحرب العظمى بانتصار الحلفاء وسقوط الدولة العثمانية.
أُعلن إلغاء الخلافة الإسلامية التي كانت في عهدة الدولة العثمانية، منذ اصطحب السلطان سليم معه، وهو عائدٌ من مصر إلى الأستانة آخر خلفاء الدولة العباسية، محمد المتوكل على الله، الذي كان في القاهرة، ليتخذه المماليك رمزاً لشرعية حكمهم، وقد أعلن تنازله عن الخلافة للسلطان سليم. وهكذا آلت الخلافة الإسلامية إلى الدولة العثمانية التى استمرّت حتى أعلن مصطفى كمال أتاتورك إلغاء الخلافة، وعزل آخر الخلفاء العثمانيين، السلطان عبدالمجيد الثاني، وإعلان الجمهورية التركية في مارس/ آذار 1924.
منذ ذلك الوقت، بدأت تظهر في العالم العربى إشكالية الشرعية، حيث كانت سلطات الحكم  القائمة فى الأقطار (الولايات) العربية، على اختلافها، تستمد شرعيتها من دولة الخلافة العثمانية، وكان الوالي يستمد شرعية حكمه من “الفرمان” الذي يصدره السلطان العثماني بتوليته، بحكم كونه خليفة للمسلمين، وهو ما كانت الشعوب العربية تقبله، باعتباره “طاعةً لولي الأمر”! حتى الولايات التي سقطت تحت الاحتلال البريطاني، أو الفرنسي، أو غيرهما، بشكل مباشر قبل سقوط الدولة العثمانية، بقيت تحت السيادة العثمانية. ولعل من الأمثلة الواضحة لفكرة السيادة، والشرعية، المستمدة من مقام الخلافة الإسلامية فى ذلك الوقت، ما تعرّض له أحمد عرابي في مصر، إبّان حركته عام 1882، عندما أصدر السلطان العثماني (الخليفة) فرماناً أعلن فيه “عصيان” عرابي، فانصرف عنه كثيرون من عامّة الناس.
سقطت الدولة العثمانية، وأُلغيَت الخلافة الإسلامية، وقامت في العالم العربي، بناءً على مشروع “سايكس بيكو”، دول في شكل مملكات وإمارات تحت رعاية دول الاحتلال، وهنا بدأت تظهر إشكالية لم يعرها الاحتلال الاهتمام في بداية الأمر، هي إشكالية “الشرعية”، فمن أين يستمد الحكام الجدد شرعيتهم؟ والحقيقة أن تلك النظم فرضت سلطتها على الشعوب بقوة الأمر الواقع، وبحماية قوة الاحتلال القائمة على الأرض، ولكن الشعوب بدأت تُدرك، بفطرتها، أنها لم تخرُج من عباءة سيادة دولة الخلافة العثمانية، لتحصل على حريتها، وتستعيد إرادتها، ولكن لتسقط تحت أشكالٍ جديدةٍ من السلطة القهرية المفروضة عليها بقوة الاحتلال الأجنبي، وأن نُظم الحكم القائمة ما هي إلا أدوات في يد الاحتلال. ولعل أهم تحرّك في مواجهة تلك الحالة جاء من  مصر متمثلاً بثورة 1919، التي طالبت بإنهاء الاحتلال البريطاني والاستقلال، باعتبار أن ذلك هو المدخل الرئيسي إلى فرض الإرادة الشعبية. وانتهت تلك الثورة بإعلان بريطانيا إنهاء الحماية على مصر، والاعتراف بها دولة مستقلة، مع تحولها مملكة وبقاء الأسرة المالكة، وأيضاً، بقاء الاحتلال البريطاني.
لم يختلف الأمر كثيراً في باقي دول العالم العربي، حتى وقعت الحرب العالمية الثانية، وما أحدثته من تغيير حادّ في موازين القوى العالمية، وبزوغ نجم القطب الأميركي، وبداية أفول نجم الاستعمار القديم (البريطاني والفرنسي). وحتى ذلك الوقت، لم يكن هناك سوى سبع دول عربية تحمل صفة الدول المستقلة سياسياً، مصر وسورية ولبنان والعراق وشرق الأردن واليمن والسعودية، وهي التي أسّست جامعة الدول العربية، في مارس/ آذار عام 1945.
وفي الوقت نفسه، كانت الشعوب العربية تتطلّع إلى الحرية والاستقلال الحقيقي، وبدأت في المنطقة مرحلةٌ جديدة، عُرفت بمرحلة التحرّر الوطني، للخروج من تحت عباءة الاستعمار القديم، بكل صوره وأشكاله، كان أهم سمات تلك المرحلة موجة من الانقلابات العسكرية (الثورية)، قامت بها مجموعات من شباب الضباط، كان أبرزها حركة الضباط الأحرار فى مصر، في يوليو/ تموز 1952، وفي العراق 1958، وفي اليمن 1962، وفي ليبيا 1969، ونجحت تلك الثورات العسكرية في إثارة مشاعر الجماهير التي كانت تتوق إلى الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وشهدت المنطقة العربية تحوّلات حادّةً وصراعاتٍ وحروباً عديدة. سقطت نُظم، وقامت نُظم، وتشكلت محاور وتحالفات، وانقسم العالم العربي إلى دول “تقدمية”، وهي التي نجحت فيها الثورات العسكرية، وأُسقطت النظم الملكية التي كانت قائمة، ودول “رجعية”، وهي التي حافظت على نُظم الحكم الملكية والأميرية القائمة فيها.
كانت المفارقة المثيرة أن النظم التي ادّعت أنها “تقدّمية”، ورفعت شعارات الحرية  والديمقراطية تحولت إلى نُظم حكم شمولية وسلطوية قمعية، لا تسمح بتداول السلطة، وشهد العالم العربي حكاماً تمسّكوا بكراسي الحكم عشرات السنين، ومنهم من تجاوز حكمه الثلاثين والأربعين عاماً، وبلغ بهم الأمر توريث الحكم لأبنائهم.
تعرّض العالم العربي لزلزالٍ عنيف، بدأ بالغزو الأميركي للعراق في عام 2003، وسقوط صدّام حسين ونظامه، ثم جاءت موجة ثورات الربيع العربي في عام 2011، التي أسقطت رؤوس النظم التي تجاوزت عقوداً في السلطة. وعلى الرغم من ذلك، لم تنجح تلك الموجة في اقتلاع تلك النُّظم من جذورها.
وبقي العالم العربي يعاني من الإشكالية نفسها، وهي إشكالية “الشرعية”، بل تفاقم الأمر في حالاتٍ إلى درجة تعدّد الشرعيات وتنازعها، كما في اليمن مثلاً، حيث يعيش الشعب اليمني في ظل سلطة أمر واقع فى العاصمة صنعاء، يمثلها الحوثي، مدعوماً بمليشياته المسلحة، وإيران، وسلطة أمر واقع آخر في العاصمة البديلة عدن في جنوب اليمن، يمثلها المجلس الانتقالى للجنوب، مدعوماً من مليشيات الحزام الأمني ودولة الإمارات، بينما هناك سلطة أخرى تدّعي الشرعية، هي سلطة الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومته، وهو المقيم في الرياض، ويدعمه العناصر المسلحون باسم الجيش اليمني الوطني في بعض مناطق شمال اليمن، والسعودية باعتبارها تقود التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، ثلاث سلطات، كلٌّ منها يدّعي الشرعية.
هناك نماذج فجّة أخرى لتنازع الشرعيات في العالم العربي، في ليبيا والصراع بين سلطة حكومة الوفاق في طرابلس وسلطة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، الذي يقود تنظيماتٍ عسكرية يسمّيها الجيش الوطنى الليبي، ويسيطر على الشرق الليبي، ومناطق واسعة من الجنوب، ويسعى إلى الاستيلاء على العاصمة طرابلس، وإسقاط حكومة الوفاق عسكرياً. وأيضاً النموذج السوري، حيث الصراع ما بين سلطة بشار الأسد في دمشق، مدعوماً بالقواعد الروسية والمليشيات الإيرانية، بينما على الأرض السورية سلطاتٌ عديدةٌ أخرى متمثلةٌ بعناصر المقاومة المسلحة، ومناطق تحت السيطرة التركية، وأخرى تحت السيطرة الأميركية، كذلك توجد مناطق تحت سيطرة ما تسمّى الإدارة الذاتية الكردية.
ويدور الصراع المسلح الدموي في كل تلك الدول بين تلك السلطات المتنازعة على الشرعية، بينما الشعوب مغلولة اليد، تدفع ثمن تلك الصراعات، ولا تمنح الشرعية لأيٍّ منها. وبعيداً عن تلك الأمثلة الفجّة لأزمة الشرعية، لا يختلف الأمر كثيراً في باقي الدول التي لا توجد فيها قوى متعدّدة تتنازع السلطة، حيث تبقى إشكالية شرعية النُّظم الحاكمة التي لا تستمد شرعيتها من إرادة شعبية حقيقية، في إطار دولة مدنية، ديمقراطية، حديثة. ولعل ذلك هو الدافع الحقيقي للحراك الشعبي في دول عربية عديدة، وفي الغضب المكبوت في وجدان شعوب عربية أخرى.
يبقى الأمر المؤكد أن الشعوب العربية ستبقى في حالة النضال السلمي بأشكاله المختلفة، وحتماً ستنتصر، وستفرض شرعيتها في أوطانها في نهاية الأمر، وعلى الرغم من كل ما تواجهه من عقبات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى