العراق إلى أين؟
خورشيد دلي

لعل أكثر سؤال يُطرح في الفضاء الإعلامي هذه الأيام هو: العراق إلى أين؟

ولعل القاسم المشترك لجميع الإجابات عنه هو أن لا أحد يعرف الوجهة، والتحذير من حرب طائفية داخلية مدمرة، فكيف وصل العراق إلى هذه النقطة الخطرة التي هي أشبه بحافَة الهاوية؟

دون شك، الإجابة الواقعية عن السؤال أعلاه، تتطلب عدم الاكتفاء برؤية المشهد السياسي الحالي، إذ لا بد من العودة إلى الوراء قليلا لفهم العوامل، التي أوصلت هذا المشهد إلى الانسداد السياسي.

في الواقع، يمكن القول إن ثلاثة عوامل أساسية تقف وراء المشهد الحالي:

الأول هو خطاب المظلومية، الذي انتهجته التيارات الولائية لإيران، على حساب بناء دولة وطنية تقوم على الدستور والقانون ومفهوم المواطنة وممارسة الديمقراطية، خلافا للخطاب الطائفي والانتقامي الذي ساد هذه التيارات، خاصة أن هذا الخطاب تحول إلى وسيلة للبقاء في السلطة والاستفادة من مميزاتها، وهو ما أنتج الفساد والإفساد من أوسع أبوابه.

الثاني هو الولايات المتحدة، التي صوّرت غزوها العراق عام 2003 على أنه بداية عهد ديمقراطي! فيما على أرض الواقع والوقت لم تُعطِ الأهمية اللازمة للتحول الديمقراطي، وبناء دولة مؤسسات حقيقية، خاصة أنها تجاهلت مظاهر المليشيات الطائفية المسلحة، التي تكاثرت في العراق، لا سيما في مرحلة ظهور تنظيم “داعش” الإرهابي، وهو ما أدى إلى تقويض سلطة الدولة لصالح حكم المليشيات، التي تعمل لإخضاع العملية السياسية لشروط بقائها في سُدة المشهد السياسي، مما أدى عمليا لزيادة نفوذ إيران في العراق من خلال “الوكلاء”.

الثالث وهو إيران، التي وجدت في نهاية حكم خصمها السابق، صدام حسين، فرصة ذهبية لجعل العراق منطلقا لأجندتها التوسعية في العالم العربي، خاصة أن العراق يحظى بأهمية إقليمية لإيران، لأسباب اقتصادية وسياسية وأمنية وأيديولوجية.. حتى باتت إيران تنظر إلى ما يجري في العراق على أنه شأن داخلي لها!

وعليه راكمت إيران عوامل أمنية واقتصادية وسياسية من أجل بقاء العراق رهن إرادتها.

هذه العوامل الثلاثة تفاعلت مع بعضها خلال العقدين الماضيين، وهي التي تقف وراء وصول العملية السياسية في العراق إلى طريق مسدود، وقد تجلّت مظاهر هذا الانسداد في عدم قدرة الطبقة السياسية الحاكمة على تلمُّس حلول لمشكلات العراق الكثيرة، التي تفاقمت في كل الاتجاهات، وهو ما أدى إلى تفجُّر ثورة شباب تشرين، ومن ثم لجوء مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، إلى انتفاضة في الشارع لوضع نهاية لهذا النظام، على شكل “ثورة إصلاحية” ضد الفساد والظلم، حيث عرف “الصدر” كيف يحرك الشارع عبر خطابات حملت عناوين وطنية، وشعارات تغييرية، وهو ما أدى إلى رعب في صفوف أحزاب الولاء لإيران، خاصة عندما وجدت الحشود الشعبية تقتحم البرلمان والمنطقة الخضراء، فيما بدا مقتدى الصدر كقائد أوركسترا يستطيع تحريك هذه الحشود بتغريدة واحدة، وخلال دقائق معدودة، والثابت هنا أن مقتدى الصدر خيّب آمال من اعتقد أنه بسحبه نوابه من البرلمان سينسحب من الحياة السياسية نهائيا، ويفتح الطريق أمام أحزاب الولاء لإيران لحكم العراق من جديد، قبل أن تكتشف الأخيرة أن “الصدر” رفع سقف التحدي إلى حد رفض الحوار مع هذه الأحزاب، خاصة عندما رد على دعواتها للحوار بقوله: “لم يعد هناك جدوى من الحوار.. لقد جربناه وخبرناه وما أفاد علينا وعلى الوطن إلا الخراب والفساد والتبعية، وبالتالي لا فائدة تُرتجى من ذلك الحوار”.

 

ولعل “الصدر” كان يشير هنا إلى أن الحوار بين هذه الأطراف كان يأخذ غالبا صفة “الصفقات السياسية” على تقاسم السلطة، وليس البحث عن حلول لأزمات العراق الكثيرة.

مقتدى الصدر -المعروف بقدرته على المفاجآت وسرعة التقلبات وتحريك الشارع- رفع شعارات وطنية كبيرة، لعل أهمها حل المليشيات، وحصر السلاح بيد الدولة، ومحاربة الفساد، ومحاسبة الفاسدين، ورفض الضيم والظلم… بات مثل ملك يرسم الخطوات المقبلة انطلاقا من الشارع، خاصة عندما جعل من مطلب حل البرلمان والتوجه إلى انتخابات مبكرة جديدة، مطلبا سياسيا وشعبيا، وهي انتخابات -إنْ جرت- قد يحقق تياره فيها أغلبية مطلقة، ولن ينازعه أحد على تشكيل حكومة جديدة، بما أنه في أوج قوته عبر وقع الأمواج البشرية المحتشدة في الشارع، ولعل ما فعله “الصدر” أثار اهتمام المنطقة والعالم، خاصة أن العراق “ساحة كباش أمريكية-إيرانية”، كما أن ما جرى ويجري أثار مخاوف إيران، التي باتت صحافتها تصف “الصدر” بـ”العدو”، بعدما هتف أنصاره في الساحات: “إيران برا برا”.. وهي هتافات باتت تُلهم الشباب العراقي الذين طالبوا بتحرير العراق من نفوذ إيران وإقامة دولة وطنية..

فهل تتلاحم ثورة تشرين وانتفاضة الصدريين في الشارع؟ وماذا عن مواقف القوى العراقية الوازنة غير الشيعية، لا سيما الأكراد وتحالف الحلبوسي-الخنجر مما يجري؟ وهل ستلتزم إيران أسلوبها الحالي حتى النهاية إزاء ما يقوم به “الصدر”؟.. واستطرادًا، هل ستبقى أمريكا في موقف اللاعب المتفرج؟

أسئلة كثيرة تجعل من سؤال “العراق إلى أين؟” مطروحًا في قادم الأيام، وربما في قادم الأشهر وحتى السنوات، في ضوء العوامل المحلية والخارجية التي تتفاعل وتتداخل على الساحة العراقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى