العراق .. تفكّك التحالفات والطوائف
إياد الدليمي

يبدو أن غياب قائد فيلق القدس الإيراني في الحرس الثوري، الجنرال قاسم سليماني، والذي كان مكلفا بإدارة الملفين، العراقي والسوري، ترك أثراً بالغاً على الساحة العراقية؛ السياسية منها تحديداً، فقد أظهرت مشاورات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، عقب استقالة عادل عبد المهدي، أن القوى السياسية العراقية وتحالفاتها باتت عرضةً للتفكك أكثر من أي وقت مضى. وبالضرورة ليس غياب سليماني الذي اغتيل بواسطة طائرة أميركية، في يناير/ كانون الثاني الماضي قرب مطار بغداد، السبب الوحيد لهذا التفكك في الساحة السياسية العراقية. ولكن في المجمل يمكن القول إنه السبب الأهم، فقد كان سليماني، بالنسبة للعملية السياسية في العراق وأحزابها وتحالفاتها، بمثابة ضابط الإيقاع الذي يحرص على أن يتوافق الجميع بعيداً عن أي تأثير خارجي أو داخلي آخر، وخصوصا بالنسبة للكتل والقوى السياسية الشيعية.
لم يسبق أن شهد البيت السياسي الشيعي هذا التشرذم الذي عاشه ويعيشه منذ اغتيال سليماني، فالرجل نجح، إلى حد كبير، في جعل هذه القوى السياسية تدور في فلكه، وجعل كثيرا منها لا تخرج عن طوعه، بالقوة أو باللين، فهو أولاً يمثل عمقاً سياسياً ودينياً لكثير منها، كونه بمثابة نائب المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، في العراق، وثانياً يعد سليماني صاحب الفضل في وصول شخصيات وقوى سياسية عديدة ليست شيعية وحسب، وإنما أيضا حتى بعض القوى  السنية، إلى مناصب السلطة والحكومة.
شهدت الجلسة السابقة للبرلمان العراقي الخميس الماضي للتصويت على حكومة محمد توفيق علاوي تجاذباً، ليس بين المكونات العراقية وحسب، وإنما أيضا بين القوى السياسية الشيعية التي تدخل البرلمان أول مرة من دون التوافق على شخصية رئيس الحكومة أو الحكومة التي شكلها، ما أدى إلى فشل الجلسة، وبالتالي فشل المكلف في تمرير حكومته.
كل الحكومات العراقية، منذ حكومة نوري المالكي الأولى عام 2006، كان يتم التوافق عليها خارج البرلمان، بفضل ضابط الإيقاع قاسم سليماني الذي لم يكن تأثيره يقتصر على القوى الشيعية وحسب، وإنما حتى على القوى السياسية السنية، وبدرجة أقل على القوى الكردية، وخصوصا حزب الاتحاد الكردستاني. وبعد مرور نحو شهرين على اغتيال سليماني، لا يبدو أن إيران نجحت في إيجاد بديل له، ليقوم بدور المايسترو في الملف العراقي، فالقائد البديل لفيلق القدس الإيراني، إسماعيل قاآني، ليس العارف ببواطن الأمور في العراق ولا في سورية، فقد عرف عنه أنه مختصٌّ بالشأنين، الأفغاني والباكستاني. والمرشح الآخر الذي بعثته إيران إلى العراق، ليقوم بدور بديل سليماني، اللبناني محمد كوثراني، والذي شوهد في بغداد أخيرا، فشل سريعاً، فالرجل لم يحظ باحترام القوى السياسية الشيعية التي لا ترى فيه الشخص القادر على أن يكون حلقة الوصل بين مختلف تياراتها، ناهيك عن أنه يفتقر للقدرة المالية والعسكرية التي كان يتمتع بها سليماني.
داخلياً، ربما سعت إيران ليكون مقتدى الصدر ضابطاً لإيقاع القوى السياسية الشيعية في العراق، ولكنه سريعاً ما أثبت فشله، فقد ظهر في لقاء تلفزيوني أخيرا مرتبكا وغير مدرك حقائق كثيرة، بل إنه سعى ليعطي لنفسه دوراً أكبر بكثير مما يُراد له، ما أثار حفيظة قوى سياسية شيعية منافسة، وهو ما ظهر جلياً في فشل جلسة تمرير حكومة علاوي في جلسة البرلمان الخميس الماضي، على الرغم من تهديدات الصدر باجتياح المنطقة الخضراء في حال أخفق البرلمان في تمرير الحكومة التي انسحب علاوي لاحقا من تشكيلها.
كما أسهم وضع إيران الداخلي، المربك بفعل العقوبات الاقتصادية وتفشي فيروس كورونا، في أن ترخي قبضتها في العراق، وهو ما أشار إليه مقتدى الصدر. وليس غياب سليماني الفاعل الوحيد لتشتت القوى السياسية الشيعية، فهناك المظاهرات التي انطلقت في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، والتي كانت عاملاً مهماً أربك حسابات العملية السياسية وسدنتها. وقد باتت التحالفات السياسية، وحتى الطائفية، في العراق، على المحك، فلم يعد عراق ما قبل سليماني  وتظاهرات أكتوبر يشبه ما كان قبله، حقيقة، يبدو أن الولايات المتحدة تدركها جيداً، حتى وصل الحال بخبراء ومحللين سياسيين أميركيين إلى الدفع باتجاه أن تقوم واشنطن بعمل أكبر من أجل إطاحة العملية السياسية في العراق، واستبدالها بأخرى أكثر قدرةً على الاستجابة لعراق جديد بعيداً عن النفوذ الإيراني.
السؤال الأهم الآن، من الذي سوف يستفيد من هذا الفراغ الذي تركه سليماني، وأحدثته التظاهرات في المشهد السياسي العراقي، خصوصا في غياب أي دور لشخصياتٍ عديدة كانت تبدو أنها مؤثرة في هذا المشهد، ومنها مقتدى الصدر مثلا. ويبدو أنه بات لزاما على قادة التظاهرات، في ساحات المدن العراقية المختلفة، أن يفرزوا من بينهم كتلاً وتيارات سياسية جامعة، عابرة للمناطقية والطائفية التي وسمت المشهد العراقي ستة عشر عاماً الماضية، قوى سياسية قادرة على أن تلبي حاجة العراقيين، والتطلع إلى تشكيلات سياسية بعيدة عن تأثير القوى والأحزاب الحالية، تمهيداً للدخول في معترك الانتخابات المبكرة التي يفترض أن الحكومة الجديدة ستعمل عليها.
بخلاف ذلك، قد يكون المشهد قاتماً ومفتوحاً على احتمالات سيئة كثيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى