العراق.. عام آخر بلون الدم
عبد اللطيف السعدون

“الحكومة التي تقتل أبناء شعبها ليست بحكومة، السلطة الآن للشعب”.. هكذا يصرخ ناشط في رسالة فيديو بعث بها من بغداد، بعدما اقتحمت ساحة التحرير، فجر الاثنين الماضي، قوات مكافحة الشغب (تسميتها الأصح مكافحة الشعب)، وهي تطلق الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع في كل اتجاه وناحية، وكانت الحصيلة عددا من الشهداء والجرحى، يضاف إلى الأعداد المهولة التي سجلتها الانتفاضة/ الثورة منذ انبثاقها في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول.
الحكم الذي أطلقه هذا الناشط على حكومة بلاده لا يجافي الحقيقة، خصوصا بعدما أمعنت في سلوكها الشرير في قمع حركات الاحتجاج التي عمّت أرجاء البلاد، وفي رفضها الاستجابة لمطالب المتظاهرين في رحيل الطبقة الحاكمة، وقيام حكومة انتقالية، وحل البرلمان، وإجراء انتخابات مبكّرة والعمل على مكافحة الفساد.
بالتوافق مع صرخة هذا الناشط، ارتفعت أصوات إدانة وشجب ما تفعله الطبقة المستأثرة بالسلطة، جديد ذلك صوت جينين بلاسخارت، ممثلة الأمم المتحدة في العراق، التي أعلنت رفضها حالات القمع العنيف للمتظاهرين السلميين، مشيرة إلى “أن أية خطوات اتخذت إلى حد الآن لمعالجة شواغل الناس ستبقى جوفاء، إذا لم يتم إكمالها”. وبلغة دبلوماسية هادئة، حدّدت ثلاثة عناصر تعمل على عرقلة استقرار العراق، “مصالح حزبية ضيقة” و”تدخلات أجنبية” و”عناصر إجرامية”، وبلغة المنتفضين/ الثوار، العناصر الثلاثة: مصالح الأحزاب في السيطرة على القرار السياسي والاستحواذ على المال العام، والتدخلات الأميركية والإيرانية في الشأن العراقي، والتي بلغت حد الصراع على أرض العراق والتنافس على ثرواته، والأدوار الشريرة التي تلعبها المليشيات السوداء ومافيات الجريمة المنظمة.
يفصح عن الإشارات اللماحة، في رسالة بلاسخارت، بشكل أكثر وضوحا تقرير “هيومن رايتس  ووتش” السنوي الذي حمل عباراتٍ فاضحة للحال الذي يعيشه العراقيون في ظل سلطة القتل والقمع واللصوصية التي أقامتها واشنطن، واستثمرتها طهران، والذي أظهر أن ليس ثمّة شعب في هذا الكون غير شعب العراق من له القدرة على هذه الطاقة، وهذا الاحتمال المجهد لما يمرّ به من مصائب وكوارث، يكفي للدلالة ما تركته عقود الحروب والحصارات والقمع المنظم المتوالية أيامها السود حتى الساعة.
وما وثقته “هيومن رايتس” يرقى إلى أن يضع كل رجال الطبقة الحاكمة في العراق في أقفاص الاتهام أمام المحاكم الدولية، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، مع أنه يمثل غيضا من فيض، وعيّنات من حصيلة أكبر. وهذا بعض ما أورده التقرير الأسود:
“استخدمت قوات الأمن القوة المفرطة في مواجهة تظاهرات أكتوبر وقتلت المئات، استهدفت قنابل الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية المتظاهرين بشكل مباشر، اعتقلت تعسفا متظاهرين، وفقد آخرون، وبين من اعتقلتهم لمجرد تعبيرهم عن الدعم للحركة الاحتجاجية عبر فيسبوك، أطلقت النار على مسعفين يعالجون المتظاهرين”. .. “اعتقلت السلطات تعسّفا أشخاصا مشتبها فيهم من دون أمر قضائي، وانتهكت بشكل منهجي حقوق المحاكمة العادلة للمتهمين، قاضت أطفالا لا تتجاوز أعمارهم تسع سنوات، وهو دون الحد الأدنى لسن المسؤولية الجنائية في انتهاك للمعايير الدولية، استخدمت التعذيب على نطاق واسع بما في ذلك الأطفال، تجاهل قضاة التمييز مزاعم التعذيب لكثيرين، مع أنها أثبتت، من خلال فحوصات الطب الشرعي، احتجزت السلطات المشتبه بهم في سجون مكتظة، وفي ظروف مهينة ترقى إلى سوء المعاملة، حرمت عائلات بسبب اسم العائلة أو الانتماء القبلي أو مسقط الرأس من الحصول على بطاقات الهوية والوثائق المدنية الأخرى، ما قيّد حريتهم في التنقل، وحقهم في التعليم والعمل والرعاية الاجتماعية”. ..”سجل العراق أعلى معدلات إعدام في العالم. وبحسب بيانات وزارة العدل، هناك أكثر من ثمانية آلاف شخص ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام بهم، وفي شهرين فقط، تم إعدام أكثر من مئة شخص”.
وغير هذا كثير مما لم يسجله التقرير، وربما لم تصل إليه عيون “هيومن رايتس” لسبب أو لآخر، وهو ينبئنا أن عاما آخر بلون الدم يطلّ على العراقيين، وهم في سعيهم لنيل حريتهم واستقلالهم، ولاستعادة وطنهم الذي فقدوه قبل أكثر من ست عشرة سنة عجفاء.
تُرى، من يتحمّل مسؤولية كل تلك الجرائم والانتهاكات والخطايا التي ارتكبت على مدى تلك السنين، والتي لا سبيل إلى غفرانها من دون أن يصل العقاب إلى مرتكبيها أمام محاكم عادلة، عندما تقوم “سلطة الشعب” التي بشّر بها الناشط العراقي في رسالته من ساحة التحرير؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى