العرب وأمريكا.. اشتباك حر
إميل أمين

يبدو العالم العربي في اللحظات الراهنة أمام مفترق طرق متعرجة ، لإدارة أمريكية جديدة، وفي مواجهة عقول مؤدلجة من أصحاب اليسار التقدمي الديمقراطي الأمريكي، والمشهد لا يخلو من تأثيرات واضحة لجماعات أصولية، قدر لها أن تجد لقدمها موضعا  تحت شمس واشنطن، من أيام الجد ايزنهاور وحتى العم بايدن.

هل يعني ذلك أن المطلوب هو الدخول في صراع مع الولايات المتحدة  الأمريكية ، والعودة  إلى الماضي القريب ، وبخاصة العقد المنصرم ، والذي كان وبالا على العالم العربي والشرق الأوسط ، من جراء دعم واشنطن للحركات الإسلاموية ، وقد شغل  الرئيس بايدن منصب نائب الرئيس وقتها  ؟

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

مرة جديدة تقتضي الحاجة الإستشهاد بما قاله ذات يوم جنرال باكستان المغدور ، ضياء الحق ،لرئيس الإستخبارات المركزية الأمريكية  ويليام كيسي ، وفيه :” أن التحالف مع الولايات المتحدة  أشبه بالعيش على  ضفاف نهر كبير ، هناك تضحى الأرض خصبة  جدا ،  لكن كل أربع  أو ثماني سنين ، يغير النهر مجراه ، وقد تجد نفسك وحيدا  في الصحراء “.

الطرح المتقدم صحيح إلى أبعد حد ومد ،  وعليه يبقى التساؤل ، هل من طريق لرسم صورة ثابتة لدى الأمة الأمريكية عن العالم العربي ، صورة بعيدة  عن الدولة الأمريكية بأطرها  المعروفة ، ومؤسساتها السياسية ، التي بات الكثير من  الأمريكيين أنفسهم يشكون من الفساد المستشري في  داخلها ؟

القارئ المحقق والمدقق سوف يستوقفه هذا التمايز المثير للتفكير ،  وربما يتساءل :”هل هناك إختلاف  بين الأمة الأمريكية ، وبين الدولة الأمريكية ؟

أغلب الظن أن ذلك كذلك ، فالدولة مؤسسات سياسية ، تقودها  جماعات أطلق عليها  البعض صفة العميقة ، وإن أضحت في زمن السماوات التي أنفطرت معلوماتيا ، دولة علنية ، غير خافية على أحد ،  وفيما كان الجنرال ايزنهاور ، يغادر منصبه الرئاسي العام 1961 ، أطلق تحذيره من أثر المجمع الصناعي العسكري ، واليوم تحكم أمريكا مجمعات اخرى ، مادية، مثل جماعات النفط ، والمال ، الأدوية  والصناعات الإلكترونية ، وجماعات عقدية دوجمائية ، ذات الطابع الذهني المتشدد  كالتجمعات اليمينية المذهبية .

لكن تعبير الأمة الأمريكية يأخذنا من ضيق الإيديولوجيا إلى رحابة الإبستمولوجيا ، حيث المعرفة تضع أيادينا على  أكثر من 99% من الشعب الأمريكي ، غير المسيس،  وفيه العلماء والأدباء ، المفكرين والمثقفين ، الفنانين والمؤرخين ،  المتدينين بإعتدال ومن غير تطرف ، والعديد من النماذج الخلاقة التي قدمت   خدمات جليلة للبشرية ، وعلى من يرغب في التوسع المعرفي أن يلجا إلى قراءة المؤرخ الشعبي الأمريكي الشهير ،”هوارد زين “، وكتبه الخالدة عن ،”التاريخ الشعبي لأمريكا” .

هل أخطا العالم العربي كثيرا حين أعتبر العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية ،  قاصرة على  أطراف الدولة ، وأهمل تفعيل علاقة عضوية مع أمريكا  الامة ، والتي ناصر فيها  الكثيرون العديد من القضايا العربية ، وما جرى في حرب السويس 1956 دليل على  ذلك ؟

إشكالية الصورة في أمريكا أنها تحتاج إلى مبدعين لرسمها، وخبراء لديهم دراية بعملية الإشتباك ذات الجدوى  مع فئات الشعب الأمريكي المختلفة ، وأطيافه الفكرية المتباينة ، لا سيما  أنه حين يخفق المرء في رسم ما يريد لنفسه ، فإن هناك من يسارع إلى رسم تلك الصورة على هواه ، وبحسب مرئياته ، ولتحقيق أهدافه ، وهي عادة تتقاطع عكسيا مع صالح ومصالح العالم العربي .

تستدعي سنوات إدارة بايدن الأربعة القادمة  من العالم العربي الإسراع إلى  بلورة صورة تستمر طويلا ،  إلى عقود ، وليس لأربع سنوات أو ثماني أخر قادمة ، صورة تصل بالحق والعدل إلى  الرأي العام الأمريكي ، وتكون قادرة على  مخاطبته ، وتبيان الأمور على  طبيتعها ، وليس كما يود البعض أن يراها ،  صورة تاخذ في الإعتبار التنوع الكبير ، والغنى الوفير في خيوط وخطوط الأمة الامريكية ،  ويراعي في لمساتها  التأثير الجذاب والخلاب على  بوتقة الإنصهار الأمريكية ، والقدرة كذلك على  مشاغبة لوحة الفسيفساء كما يميل إلى تصوير الشعب الامريكي التيار الجاكسوني ، في مواجهة تيار الواسب البيوريتاني .

على العالم العربي وهو يرسم تلك الصورة أن يضع امامه نموذجين من الداخل الأمريكي ، نجح أحدهما ، وأخفق الاخر ، مع أنهما لقيا  نفس المصير .

نجح مارتن لوثر كينج في مخاطبة الضمير الامريكي ، من غير عنف أو دماء ، حين أستخدم رجاحة العقل ،  ورحابة الخطاب ، وقوة الحجة ،  فأكتسب دعم الرجل الأبيض قبل الأمريكي الإفريقي .

أخلف الحظ مالكوم إكس ، رغم بلاغة لسانه ، وحماسه المتأجج ،  ذلك أنه صور  المسألة كصراع أزلي أبدي بين الرجل  الأسود ومواطنه  الأبيض ، ولم يقدم نضاله من أجل العدالة والحرية بالمعنى المطلق الذي لا يوفر أحدا، بل والذي يمكنه أن يكسب الأعداء في صفه مرة وإلى أبعد حد ومد ، من تشارع أو تنازع  .

الولايات المتحدة الأمريكية  في لحظة تحول فكري وسيسيولوجي هذه الايام ، كما أنها  تمر  بأوقات تصارع داخلي مجتمعي مثير ، لا يعرف أحد مصيره  ، وفي هذا التوقيت  تحديدا  يمكن مشاغبة الأيقونات ،والإشتباك مع المجتمع المتحرك إشتباكا حرا خلاقا  ، فلا يضحى بعدها  العربي هو ذاك البربري المتوحش ، بل صاحب الحضارة ، وصانع النهضة ، والساعي  في سبيل التنوير، كقيمة مضافة لانسانية مأزومة .

الخلاصة …طرح القضايا المصيرية يبدأ من الذات، لا من الأخرين  .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى