العروبة النائمة في عالم يقظ
أحمد القديدي

في قلب العروبة التاريخية أي في جزيرة العرب والعراق وسوريا واليمن ولبنان وجناح العروبة المغاربي، تتلاحق الأحداث الخطيرة ويتواصل مسلسل إعادة رسم الخرائط المصيرية، من خلال تقرير “ميليس” المهدد للشرق الأوسط الإسلامي بالتقسيم، الذي يكرر طريقة تقرير “هانس بليكس” و”سايكس بيكو”. والعرب كأنهم نيام أو في غفلة من تلك الغفلات الكبرى التي سجلها تاريخهم، منذ فشل محاولات الإصلاح في القرن التاسع عشر على أيدي محمد علي في مصر، والوزير خير الدين باشا في شمال أفريقيا، وعبد الرحمن الكواكبي في الشام، والمهدي في السودان.
إلى جانب تراجع حركات الشيخين الأفغاني ومحمد عبده على طول بلاد العرب وعرضها، مع استفحال الاحتلال الاستعماري الفرنسي والبريطاني في ما كان يسمى تركة الرجل المريض، أي بقايا الولايات العثمانية العربية، بعد خراب الخلافة ودمار الباب العالي، وظهور الجمهورية التركية الحديثة التي ألحقت مع مصطفى كمال أتاتورك بالغرب شكلا وروحا.
وبدأ انهيار مفهوم الأمة في العقول قبل أن يتجسد في الواقع، بل وشرع العرب في الالتحاق الشكلي بالغرب، وتقليد الغالب كأمة مغلوبة على رأي العلامة ابن خلدون. ودخلنا من تلقاء أنفسنا مرحلة سماها محمد عابد الجابري المغربي ومالك بن نبي الجزائري وكمال أبو المجد المصري وعبد الله النفيسي الكويتي وجاسم سلطان القطري، مرحلة هزيمة العقل العربي. ونحن حين نقرأ تاريخ محاولات النهضة الثانية على أيدي زعماء الاستقلال الوطني أمثال عبد الناصر وبورقيبة وبن بلا، بعد فشل النهضة الأولى في القرن التاسع عشر، نفهم لماذا وكيف جاءت نتائجها الوخيمة التي نتكبدها ونحمل أوزارها جميعا. فالناصرية ثم ربيبتها البعثية والليبرالية البورقيبية والاشتراكية الجزائرية والجماهيرية القذاقية والثورية اليمنية والإسلاموية السودانية، نشأت كلها كردة فعل عاطفي ضد الاستعمار لا كمخطط نهضة عقلانية، ثم تحولت مع الانفراد بالرأي إلى أيديولوجيات قهر الفكر الحر وتأبيد الاستبداد الجمهوري، ومن ثم التأسيس للتخلف بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على خلفية من الشعارات القومية، كانت عاجزة عن تحرير فلسطين وعن تأهيل العرب لمغامرة التقدم والمناعة والدخول إلى العصر الراهن كأمة فاعلة وحرة وذات تأثير.
بل يمكن الجزم بلا تردد بأن العقل العربي كان أفضل حالا تحت وطأة الاستعمار منه بعد الحصول على الاستقلالات، لأن العقل كان حرا وفاعلا ومستنفرا ضد عدو معلوم هو الهيمنة الأجنبية التنصيرية، وتحول مع حلول الجمهوريات الاستبدادية إلى بضاعة خطيرة مصادرة بالقوانين المستوردة من الغرب، التي تؤبد حكم الفرد الواحد حتى ولو لم تفصح عن نفسها، وإلا كيف نفسر غياب المنارات الفكرية العربية التي كانت تضيء آفاقنا في النصف الأول من القرن العشرين؛ أمثال طه حسين والعقاد والحكيم وأبو القاسم الشابي، وانطواء الفكر العربي من بعد أفولهم إلى تكرار طاحونة الشيء المعتاد، وإعادة تكرير الفكر الغربي في قوالب عربية، وتسخين الأطباق الثقافية الغربية الجاهزة للاستهلاك في الميكروويف العربي، دون عناء طبخ وإبداع الأصيل والعريق والنافع من الفكر السياسي العربي، الذي تعطل هو الآخر أمام موجات الأخطار المحدقة بكل العرب، مهما شعروا بالأمان الكاذب في ظل الانضمام للعولمة الخادعة وتصديق المنطق الطاغي بقوة السلاح والتخويف والترهيب.
فالعالم العربي اليوم في مأزق لن تساعد على النجاة منه أوضاعه الداخلية المتأزمة، وهو في نظر المنظرين الغربيين المتطرفين باب لضرب إيران وتعويض العدو التاريخي المحتل بإيران، وإحكام الحصار حول عديد البلدان العربية، وتصفية القضية الفلسطينية نهائيا بصفقة القرن المشبوهة حسب المصالح الإسرائيلية، لا حسب قانون العدالة الدولية ومصلحة السلام العالمي ومنطق الأمن الإقليمي، وقد كان الخبير البريطاني المرموق ديفيد هيرست على حق حين قال في الغارديان بعد اغتيال المرحوم رفيق الحريري، إن الشرق الأوسط يجد نفسه اليوم في مربع الانطلاق، انطلاق الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وحروب إسرائيل ضد لبنان وقطاع غزة، وكأن التاريخ يصر على إعادة المأساة ذاتها لكن هذه المرة بأيدي القوة العظمى الوحيدة.
وكذلك الصديق اللبناني نبيل أبو شقرا على حق حين كتب في “النهار” قائلا؛ إن لبنان والعرب عموما ما زالوا يعيشون في مرحلة الوهم الحلم ومرحلة المؤقت الدائم والمنطق المحنط: أي تلخيص الوطن في الدولة والدولة في النظام والنظام في القائد الأوحد، على الطريقة الجمهورية العربية الخارجة عن عصرها، ثم ها نحن نستعيد الشعارات نفسها التي قادتنا للهزائم، وننفض الغبار عن اليافطات القديمة نفسها التي رفعها الآباء في المظاهرات الشعبية التي أعقبت هزيمة يونيه 1967، وتلك التي رفعها الأجداد بعد نكبة 1948، كأنما الزمن توقف ومسخنا بسحر ساحر فحولنا إلى أصنام تلك الأسطورة اليونانية. فأين التنسيق العربي في حده الأدنى حول موقف عربي موحد من أجل ترشيده؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى