العشائرية في الميزان
سهى الجندي

كثيرا ما تتردد أسماء القبائل في بعض الحكومات العربية، ورغم تغير الحكومات، تبقى أسماء القبائل الكبرى مستقرة في مواقع المسؤولية، وهذه أقصر طريقة للإبقاء على المجتمعات تسبح في مستنقعات التخلف والتفكك والافتقار الى أساس متين يضمن سلامة الأوطان.

بات الجميع يعرفون أضرار هذا التوجه حتى أطفال المدرسة الابتدائية. ولكن يبدو أن هذا التوجه مقصود من جهة معينة لدق إسفين بين القبائل والعشائر في اللحظة المناسبة لضمان بقاء أنظمة الحكم على عروشها، ولا أحد يجرؤ على التطرق الى هذا الموضوع بسبب الخوف من المجتمع لأن كل شخص سيدافع عن قبيلته ويحسبه غزوا لسرقة النعاج، مع العلم أنه تحذير كي لا تضيع الأوطان ويستلم دفة السفينة من لا يفهم البحر ومخاطره وتقلباته.

إن تداول السلطة وتنافس الأكفاء على إدارة المؤسسات لا بد أن يجلب شخصا كفؤا ويدرأ احتمال الفساد وسوء الإدارة، ويغرس يقينا لدى المسؤول أنه اذا لم يحسن الادارة فإنه سيفقد وظيفته، فيجتهد ويحسن الصنع كي لا يقال عنه انه فاشل أو تلبسه تهمة الفساد.

لقد وصلت بعض الدول العربية الى درجة جعلت الحياة لا تطاق نتيجة الفقر وعدم تساوي الفرص والإحباطات المتتالية واذا كان هناك انجاز يذكر للعرب فهو أغنية “في بلادي ظلموني” التي بلغ عدد مشاهداتها على اليوتيوب ملايين المرات حول العالم. هل هذا ما يرغب العرب بأن يُعرفوا به؟ إنه أمر ليفطر القلب ويكسر الروح.

والأدهى من ذلك هو أنه اذا لم تكن هناك عشائرية في توزيع المناصب، فإنه يكون ذا صبغة اسلامية، وكأن هذين الخيارين هما المتاحان فقط، وهو بالفعل كذلك على أرض الواقع، أما الخيار الثالث وهو الكفاءة بصرف النظر عن القبيلة والدين فهو نادرا ما يتحقق في البلاد العربية، فلكي تتسلم منصبا، يجب أن تنحدر من قبيلة هي الأعز جاها والأكثر نفرا، وكأننا لا نزال نعيش في حمى كليب، ومحظور على نياقنا أن ترد الماء إلا بعد ورود نياق كليب له.

لعل العشائرية أمقت ما صنع العرب منذ حرب البسوس الى يومنا هذا. وحين تسمع شخصا يعظم العشيرة ويمجدها، فإنك لا تملك إلا أن تتقيأ من هذا الحديث الممض والمتعجرف، وتتمنى لو أنك تجلب له سيدة سوداء من قوات المارينز الأميركية لتتعارك معه ومع قبيلته لترى من هو الأعز جاها.

رغم المآسي التي حلت بالبلاد العربية، ورغم الدروس والعبر التي ينبغي للجميع أن يفهموها، إلا أن البعض لا يزالون يتحدثون عن القبيلة والعشيرة رغم الهزائم والتخلف والجهل والمرض والجوع الذي جلبها هذا التوجه، فكيف لهم أن يفهموا؟ هل هناك أكثر كوارث أكثر من التي حلت بالعرب؟ لماذا فهمت كل شعوب الأرض أن أساس النجاح هو الإنجاز حتى وإن صدر عن طفل صغير، لأن هذا هو صمام الأمان الذي يحفظ الأوطان ومواردها في حين لم يفهم العرب ذلك؟ والمؤسف هو انهم يشاهدون نتيجة هذا التوجه بل لقد مسهم ضرره بشكل مباشر، حتى خلت بيوتهم من النار. ماذا ينتظرون؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى