الفيروس والمشكلة الفلسطينية

بقلم جاكي خوجي – معاريف
كان مشوقا أن نرى هذا الاسبوع الخطاب هنا وفي رام الله عن الخوف من الكورونا. في اسرائيل تحدثوا عن العمال الفلسطينيين كموردي امراض، في الوقت الذي عندهم خافوا من الامر ذاته – ولكن العكس: من مغبة خروج هؤلاء العمال الى اسرائيل، فيصابوا بالفيروس ويعودوا الى الديار لينقلوا العدوى الى الجميع. في السباق غير الهام، من يعدي من أولا، فاز الفلسطينيون حاليا. مريض الكورونا الاول الذي جاءت اليه العدوى من الطرف الاخر هو فلسطيني. اسمه شادي عبده، رجل من منطقة طولكرم. وكان تلقى العدوى من رب عمله الاسرائيلي، الذي عاد من مباراة الكلاسيكو في اسبانيا.

الحظ، هو المصير، انقد هذا الاسبوع اصحاب القرار في القدس من قرار صعب آخر في عصر الكورونا. برعاية البوريم (عيد المساخر) فرضت الحكومة، كعادتها في اعياد اسرائيل، اغلاقا على المناطق وهكذا فازت باربعة ايام من الراحة. ولكن السؤال الصعب كان ينتظر خلف الزاوية. في اسرائيل يعمل كل يوم ما لا يقل عن 150 الف عامل فلسطيني من مدن الضفة. عليهم يعتمد اليوم فرع البناء في اسرائيل، وبشكل جزئي ايضا بعض من فروع الخدمات. حظر دخولهم سيلحق ضررا متبادلا. في اسرائيل سيوجه ضربة لفرع البناء، وعندهم سيتسبب بضربة مزدوجة ومضاعفة.

ينقسم هؤلاء العمال على النحو التالي: 87 الف منهم يعملون في نطاق الخط الاخضر، من بئر السبع وحتى العفولة وحيفا. 35 الف – في المستوطنات الاسرائيلية في المناطق. وهم مسجلون قانونيا، وارباب عملهم يفرزون لهم ضريبة للخزينة الاسرائيلية (هذه هي اموال الضرائب المعروفة، التي تنقل الى صندوق السلطة وفقا لاتفاقات اوسلو). وعلى هؤلاء ينبغي أن يضاف نحو 40 الف عامل آخر غير مسجل ممن يسرقون الحدود ويعملون بشكل غير مرتب. بعضهم يفعل هذا لانهم لم يحصلوا على التصريح – سواء بسبب الماضي الامني ام بسبب الماضي الجنائي.

كل واحد من هؤلاء، المسجلون وغير المسجلين، يعود الى بيته مع أجر يومي متوسط من 400 شيكل. خمسة ايام في الاسبوع، عشرين يوم في الشهر في المتوسط. والنتيجة هي 8 الاف شيكل نقدا للعامل الواحد. اضربوا هذا بـ 150 الف، هذا هو المبلغ الذي ينتقل كل شهر من اياد اسرائيلية مباشرة الى الاقتصاد الفلسطيني في الضفة، مثل الدم الجديد الذي يضخ في العروق. وبالتوازي، تجمع وزارة المالية اموال الضرائب التي فرزت لهم من ارباب عملهم القانونيين، وتنقله الى صندوق السلطة. هناك ايضا يدور الحديث عن مئات الملايين في الشهر. الايدي العاملة في اسرائيل هي فرع التصدير المركزي، الحرج، للاقتصاد الفلسطيني في الضفة. بدونهم ستنهار.

والان تصوروا ان يعطل الكورونا هذا المشروع الذي بني بعمل جم وعلى مدى السنين. والعجيب هو انه نادرا ما يخلق خطرا امنيا. قرار اسرائيلي بفرض الاغلاق على المناطق من شأنه أن يشكل ضربة لفرع البناء في اسرائيل، يعطل الاقتصاد الفلسطيني ويقوض صندوق السلطة الذي يوجد على اي حال في عجز وديون. ومن على الاطلاق قال ان اسرائيل سترغب اولا في الاغلاق. فالسلطة، التي تتعاطى بجدية شديدة مع انتشار الوباء، من شأنها ان تحتاج الى الاغلاق اكثر، اذا ما اعلن عن السكان الاسرائيليين كمجتمع مصاب بالكورونا.

الى الامام ايها العامل

ولنفترض أن الاغلاق فرض بالفعل في وقت ما – فكيف سيتصرف الماكثون غير القانونيين؟ اليوم يتسلل عشرات الالاف الى الاراضي الاسرائيلية بحثا عن الرزق. بعضهم، كما يفترض، سيحرص على أن يأتي حتى لو فرض الحظر. فماذا ستفعل اسرائيل. فهل سترغب في سد طريقهم أم تواصل غض النظر عنهم؟ اذا ما تقرر مثلا منع دخولهم بكل ثمن فسيكون لنا حدث امني. حدث ولادته ليست سياسية بل بيولوجية.

المشكلة تأخذ في التعقد عندما نصل الى غزة. فحقيقة أنه لم يكتشف بعد هناك وجود للمرض لا تشهد على أن الفيروس لم ينتقل الى القطاع. يحتمل أن يكون وصل اليه عبر الوافدين من رفح. وقريبا ستنقل العدوى الى غزيين ممن يأتون الى اسرائيل.

يقيم القطاع اتصالا مع العالم من خلال أربعة معابر حدودية. اثنان على حدود مصر، اثنان على حدود اسرائيل. وهذه المعابر هي انبوب الاكسجين الاقتصادي له. معبر رفح، المخصص لحركة الافراد، مفتوح هذه الايام في الاتجاهين. والى جانبه يقع معبر صلاح الدين المخصص لاستيراد البضائع من مصر. ليس بعيدا عن هناك، وان كان في زاوية اخرى من الخريطة، يقع معبر كرم سالم. منه تخرج البضائع الى اسرائيل. حاجز ايرز، بالمقابل، يستخدم لخروج ودخول الافراد. المعابر الاربعة هذه هي انبوب التنفس الاقتصادي للقطاع. وهي مواقع تعج بالناس.

في القدس يريدون دخول 7500 غزي الى اسرائيل كوسيلة مركزية لاستقرار اقتصاد القطاع. المشكلة هي انه للمرة الاولى من شأن اسرائيل ان تحتاج الى هؤلاء العمال بقدر لا يقل عما يحتاج القطاع الى ثمار عملهم. وهذا سيحصل اذا ما فرض اغلاق كورونا على العمال من الضفة. فرع البناء سيحتاج الى ايادٍ عاملة. وعندها من اين سيجندون؟ من الصين؟ صحيح أن عدد العمال من القطاع يشكل 5 في المئة تقريبا من اجمالي العمال الفلسطينيين الذين يأتون من الضفة، ومع ذلك، فان كل موقع بناء ينقذونه هو مشروع بحد ذاته.

يحتمل أن يكون أمامنا أيام جديدة. أيام يكون فيها العامل الغزي، النقي من الكورونا هو الذي سيدعم الاقتصاد الاسرائيلي عند الحاجة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى