القائمة الانتخابية المشتركة بين حركتي “فتح” و”حماس” مُسكِّن لا علاج
د.حسن عبد الله

يكثر الحديث الآن عن احتمال خوض حركتي “فتح” و”حماس” الانتخابات التشريعية في قائمة مشتركة واحدة، الأمر الذي من شأنه أن يفرز حالة ملتبسة في ظل رأسين متقابلين في التشريعي والحكومة، حيث لا أحد يستطيع في السنوات الأربع المقبلة على الأقل تحديد أي من الطرفين يشكل القوة الأولى وأيهما يأتي في المرتبة الثانية، ما دام لم يختبرْ بشكل مستقل حجم شعبيته التي جرى التعبير عنها بأصوات صناديق الاقتراع، والترتيب هنا ليس شكليا بقدر ما هو ضروري، لكي يتم على ضوء ذلك معرفة الرؤية السياسية والمجتمعية التي ستسود وفق تخويل شعبي، بدل ضياع الأمور بين رؤيتين قد تداخلتا أو التمويه عليهما من خلال قائمة مشتركة دون أن تظهر بشكل واضح وجلي ملامح رؤية كل منهما.

إن ما عصف بالساحة الفلسطينية من انقسام وتجاذبات وتصارع استراتيجيات وسعي كل استراتيجية إلى ابتلاع الاستراتيجية الأخرى، يفترض أن يخضع للحسم من قبل الجمهور من خلال الاختيار، الذي فيه عقاب وثواب، أي تأييد لبرنامج على حساب برنامج آخر، وعلى الجهات المعنية أن تحترم ما خلص إليه المواطن بعد هذه السنوات العجاف.

القائمة المشتركة فيما لو تم تشكيلها، تعني بالضبط تنويم للتناقضات وتغليب لغة المصالح المؤقتة وتأجيل تفجر الأزمات، لأن اي خلاف محتمل بعد تشكل المجلس التشريعي ومن ثم الحكومة، سيقود إلى انقسام أكثر خطورة، ما دامت الأوضاع بين الحركتين سوِّيت بالتوافق المؤقت لتمرير الانتخابات التي هي بالنسبة لفتح خيار ديمقراطي واستحقاق داخلي يتزامن أيضا مع مطالبات دولية لاسيما أوروبية تدفع تجاه إجراء الانتخابات، وربما تراهن فتح على توحيد الساحة وترميم ما خلفه الانقسام، ليظهر الفلسطينيون أمام العالم وحدة واحدة، إلى جانب أن فتح بتكتيكها هذا قد تقرب حماس من استراتيجيتها وتدخلها من بوابة اتفاقياتها، كيف لا؟ والانتخابات هي من مفردات اتفاقيات اوسلو. أما حماس فهي معنية هي الأخرى بإجراء الانتخابات كاستحقاق ديمقراطي، فغياب المجلس التشريعي عطل العملية التشريعية وغيّب سن القوانين الضرورية لتسيير أحوال الشعب الفلسطيني وإدارة حياته. كما أن مشاركتها في قائمة مشتركة مع فتح يمنحها جواز سفر مرور إلى الساحة الدولية ويزيل الممنوعات والمحظورات المفروضة عليها، ويعفيها من إعلان موقف منفرد من اتفاقيات اوسلو والاشتراط الامريكي الأوروبي باحترامها، إضافة إلى موضوع الدولة المستقلة في الضفة والقطاع، حيث ستصبح القضيتان المذكورتان عبارة عن قضيتين ضمنيتين للقائمة المشتركة، وما ينطبق على الطرف الشريك ينطبق على الطرف الآخر.

الانتخابات في رأيي اذا خاضتها الكتلتان الكبيرتان بشكل مستقل ستكون النتيجة أكثر نزاهة وشفافية وعدالة ووضوح من خلال:

1. اظهار الحجوم على حقيقتها.

2. تصفية حسابات جماهيرية من خلال صندوق الاقتراع على مرحلة سابقة.

3. إجراء جرد جماهيري في السياسة والاقتصاد والتنمية وحقوق الانسان، بين ما جرى في القطاع وما جرى في الضفة، ليختار المواطن أي من النمطين كان الأقرب إلى المعقول. ونقول الأقرب إلى المعقول ولم نقل الأنجح والأكثر نموذجية، بالنظر إلى حجم التحديات وما خلفه الانقسام.

4. القائمة المشتركة إذا تم تشكيلها ستكون تحت سقف سياسي بات معروفا وبدهياً، ولا أحد يستطيع اقناع الجمهور ما دام يخوض الانتخابات من بوابة اوسلو أن لديه سقفاً أعلى من دولة مستقلة في الضفة والقطاع وعاصمتها القدس الشرقية، وأن لديه برنامجاً سياسياً أوسع وأكثر جذرية، لكن التمايز يمكن التعبير عنه في قوائم مستقلة من خلال الطرح المجتمعي، وعلينا الاعتراف أن تنمية فتح هي ليست تنمية حماس، ومفاهيم فتح المتعلقة بالمرأة وحقوقها تختلف نسبياً عن حماس باختلاف المرجعيات، ففتح نظراً لتركيبتها وعلاقاتها الدولية والتمويل وقبل ذلك الأساس التاريخي الذي تشكلت عليه وعبره جعلها أقرب إلى العلمانية، وقابلة للتعددية الفكرية والانفتاح، بينما مرجعية حماس في القضايا المجتمعية هي مرجعية دينية، ونحن لا نقدم اكتشافاً جديداً وخطيراً في هذا الشأن، لأن ذلك يندرج في إطار البدهيات المعروفة.

وعليه، فإنني من المومنين بأن الغلبة في الانتخابات ستكون للطرف الذي يحسن مخاطبة الناس في القضايا المتعلقة بحياتهم المعيشية وحقوقهم وحرياتهم وتنميتهم وإيجاد فرص عمل لهم، لا لمن يبالغ في رفع السقف السياسي، فيما أن سقوف الفصائل السياسية باتت متشابهة، وإنْ ظل الاختلاف فهو في اللغة والدبلجات الكلامية، بيد أن التباين الحقيقي سيبرز في القضايا المجتمعية، فلماذا لا تتبارى الكتل في تقديم الرؤى والحلول ذات الصلة بحياة المواطن، ليختار ما يناسبه، وما يخدم مرحلته وتطلعاته في المنظور القصير، لأن المواطن يريد فرصة عمل سريعة ويريد حياة إنسانية كريمة، ويتوق إلى حريات فردية والعيش بمنأى عن الإكراه والإجبار والتدخل في تفاصيل حياته، في عالم جعلته التكنولوجيا قرية صغيرة، حيث إن المواطن الفلسطيني مطلع على ما يجري في كل دول العالم، وهو قادر على المقارنة والاستنتاج والاستخلاص، وقياس حاله بأحوال شعوب أخرى.

5. الكتلة المشتركة ستغلق النتائج وتوزعها بين الحركتين، وتقلل من إمكانية فوز الكتل الصغيرة، ما يمنع مزيداً من التعددية، ويحرم فصائل تاريخية في منظمة التحرير من أن يكون لها تمثيل في التشريعي، ما سيغيّب الأصوات التي تحدث التوازن أو تشكل عامل حسم في حال كانت الأمور متقاربة بين الكتلتين الكبيرتين، والأصوات التي نتحدث عنها بهذا الخصوص هي لفصائل يسارية وهي تنضوي في اطار منظمة التحرير، ولديها خبراتها السياسية، ونقاطها المشتركة الكثيرة مع حركة فتح، نظرا للسياق التاريخي والمحطات النضالية المشتركة.

6. تقلل القائمة المشتركة أيضاً من فرص المستقلين وذوي الكفاءات الأكاديمية والثقافية، وكذلك من يمثلون رأس المال المحلي. ووجود هذه الفئات في التشريعي له اهمية من حيث الاستفادة الوطنية العامة من خبرات وقدرات وإمكانيات المستقلين.

لحركة فتح أوراق قوية اذا خاضت الانتخابات موحدة وضمن استراتيجية تنظيمية واحدة، وقد تكون الانتخابات فرصتها لأعادة الاعتبار لدورها ومشروعها، أما حماس فبصرف النظر عن التراتبية التي ستنتج عن الانتخابات، فإنها ستحقق فوائد مقابله وفي مقدمتها العبور إلى العالم وبمساعدة تركية وقطرية ضمن قواعد تخرجها من التصنيفات والآراء المسبقة لتغدو حزباً يلعب سياسة في حدود ما هو معروف ومعمول به برلمانياً بلغة العصر الحديث ومفاتيحه.

لذلك لا ينبغي على الحركتين خلط أوراقهما مؤقتاً في قائمة مشتركة، وإنما توضيح هذه الأوراق للمواطن دون حاجة إلى دبلجات قديمة وخطابات لغوية، بل إلى برامج مقنعة يختار على أساسها المواطن الأوضح والأكثر إقناعاً والأقدر على تحويل الشعار من إمكانية إلى واقع، دون أن يظل الشعار معلقاً في السماء من مرحلة إلى أخرى، يحمله الكلام الجميل المعسول، لكنه بالرغم من جماله لا يتحسسه الناس في حياتهم المعيشية، فالسياسة والقضايا الحقوقية والتنموية هي في المحصلة النهائية ليست قصيدة شعرية وإنما حلقات من حقائق ومعطيات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى