القاهرة الملوثة بالضجيج المسموم
نيرڤانا محمود

وافقت ذكرى حرب أكتوبر الثلاثاء السادس من أكتوبر 1981، يوم الثامن من شهر ذو الحجة، أي قبل وقفة عرفات بيوم واحد، في التقويم الهجري.

انشغلت أمي كعادتها، بتنظيف المنزل استعدادا للعيد.

“ماما، ليه في قرآن في التلفزيون والراديو؟”. ذهبت لأمي لأبحث عن إجابة، فليس من العادة أن تتوقف كل البرامج التلفزيونية والإذاعية في الوقت نفسه.

في زمن ما قبل الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، لم يكن لدى المواطن المصري العادي سوى قنوات التلفزيون والإذاعة الرسمية كمصادر للأخبار. ولكن كلهم اجتمعوا في هذا اليوم على الصمت الإعلامي وبث آيات القرآن الكريم.

دهشتي تحولت إلى خوف حين رأيت الفزع في وجه أمي وهي تتمتم بالدعاء وتقول “ربنا يستر”.

أيقظت مشاهد حظر التجوال، ودعوات البقاء في المنزل، التي تشهدها مصر الآن، ضمن إجراءات مكافحة مرض كوڤيد-19، ذكريات تجربتي الأولى مع حظر تجوال 1981 بعد مقتل الرئيس أنور السادات.

وجعلتني أتساءل، هل الحقائق الآن أوضح والمعلومات أدق بالمقارنة بعهد ما قبل الإنترنت والفضائيات؟ وهل استجابة الأفراد للمخاطر والمحن أفضل من ذي قبل؟

القاهرة التي أتذكرها في عام 1981، كانت هادئة متوجسة حتى قبل إعلان مقتل السادات وبداية حظر التجوال. وبعد الإعلان عن الخبر، لم يتحد أحد قرار الحظر ولم يخرج أحد حتى يبكي السادات، وفضل الجميع البقاء في منازلهم.

بعد مضي قرابة أربعة عقود، يواجه المصريون حظر جديد للتجول ودعوات للبقاء في المنازل وحجر صحي للعائدين من الخارج.

ولكن بالرغم من أن هذه الإجراءات ليست لهدف سياسي، كما في عام 1981، بل تهدف لحماية المواطن المصري في مواجهة وباء لعين، إلا أن البعض في مصر يعترض ويغضب ويتظاهر غير عابئ أو مقدر لخطورة الوباء.

“مش حنروح الحجر”
هتف بعض العائدين من الكويت في مطار القاهرة بحجة أنهم لا يستطيعون دفع فاتورة الإقامة في الفنادق التي خصصتها الدولة. واستغلت قنوات “الإخوان” التركية الموقف وأمعنت في تضخيم الدراما وكأن الدولة تفرض الحجر بهدف تعذيب المواطنين، وليس لحمايتهم وحماية المختلطين بهم عند عودتهم لديارهم في مصر.

وما زال اللغط مستمرا على مواقع التواصل الاجتماعي، بالرغم من قرار رئيس الدولة بأن يتحمل صندوق “تحيا مصر” نفقات الحجر الصحي للعائدين من الخارج. وبالرغم من شهادة البعض الإيجابية عن حسن المعاملة في فندق الحجر.

والملفت للنظر أن الاعتراض على الإجراءات الصحية، كما ظهر على بعض صفحات التواصل الاجتماعي، جاء من جميع طبقات المجتمع، من بعض سكان القرى التي وضعت تحت الحجر الصحي بعد رصد حالات إصابة بفيروس كورونا، إلى العائدين من لندن، والكويت المفترض أنهم على درجة عالية من الثقافة والعلم. حتى الطبقات الغنية، اشتكى البعض منها، من فيلاتهم في أحياء القاهرة الفاخرة والساحل الشمالي، ومن قرار إيقاف المدارس والتأثيرات السلبية على الاقتصاد والبزنس.

هناك أسباب عدة وراء رفض البعض لمجهودات الدولة المصرية في مواجهة وباء كورونا.

من أهمها هذه الأسباب فقدان الثقة في أجهزة الدولة ومصداقيتها، والتي جعلت البعض يتوجس من كل قرارات المسؤولين ويتوقع منهم الأسوأ دائما.

الإنترنت والفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي لم تساهم إيجابيا في نشر الحقائق وزيادة وعي الناس.

بل على العكس، أصبحت وسائل لنشر نظريات مؤامرة ومعلومات مغلوطة وخاطئة عن فيروس كورونا وتعامل الدولة المصرية مع الوباء.

ولكن السبب الأهم هو التحول التدريجي للمجتمع المصري، على مدى أربعة عقود، من مجتمع متماسك ذو حس وطني قوي، إلى مجتمع نرجسي، تسوده الفردية والضجيج والاستهتار.

تحولت الوطنية من الدفاع عن الوطن وحماية المجتمع المصري إلى المتاجرة به وتسييس كل شيء حتى الأوبئة لخدمة اتجاهات وأجندات سياسية معينة.

القاهرة في العام 1981 كانت تئن من التعتيم الإعلامي. أما قاهرة 2020 فهي تأن من الضجيج الإعلامي المسمم بالإشاعات والأخبار المغلوطة وصراخ المستهترين بصحة الفرد والمجتمع.

هذا الضجيج المسموم هو أخطر على مصر من أي وباء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى