القبة الحديدية.. أداة ارتكاز لإسرائيل في الخليج

السياسي – في صبيحة يوم الرابع والعشرين من يناير 2021م ، نشرت صحيفة “هآرتس” العبرية خبرًا مفاده أن إسرائيل وافقت على أن تقوم الولايات المتحدة بنشر منظومة “القبة الحديدية” المضادة للصواريخ في عدة دول بمنطقة الخليج العربي.

قد يبدو هذا الخبر أمرًا عاديًا خصوصًا في ظل هرولة عدد من الدول العربية في الآونة الأخيرة نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل وإبرام الصفقات معها بأشكالها المتنوعة العسكرية والأمنية والاقتصادية.

لكن المتابع لمجريات الأحداث في العالم وخصوصًا الشرق الأوسط، يدرك جيدًا أن هذا الخبر ليس حدثًا عابرًا، فقد سبقته أحداث متسلسلة ومترابطة مع بعضها منذ تولي الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مقاليد الحكم في الولايات المتحدة عام 2017.

ثم إن إسرائيل لطالما روجت بأن هذه المنظومة التي أدخلتها الخدمة العسكرية عام 2010 لمواجهة تهديد صواريخ الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة التي تستهدف المستوطنات الإسرائيلية، ناجحة وفعالة وتعتبرها سلاحًا استراتيجيًا لا تمنحه لأي دولة قريبة منها حفاظًا على تفوقها النوعي في المنطقة.

فكيف إذًا وافقت إسرائيل على نشر منظومة القبة الحديدية في منطقة الخليج العربي، وما هي المكاسب والمخاسر في ذلك إسرائيليًا وعربيًا، وما علاقة الولايات المتحدة بذلك؟

بداية القصة

لم تكن فكرة نشر منظومة القبة الحديدية في منطقة الخليج وليدة الأيام الأخيرة الماضية، بل نشأت منذ عام 2012م عندما طلب السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة لقاء الجنرال الإسرائيلي عوزي روبين وهو قائد نظام القبة الحديدية خلال الحرب على غزة في ذلك العام.

فقد كشفت تسريبات أن العتيبة أرسل إلى روبين رسالة عبر البريد الإلكتروني، طلب فيها لقاءه لبحث موضوع القبة الحديدية وأدائها خلال الحرب على غزة عام 2012م.

هذه التسريبات تشير بشكل واضح إلى أن الإمارات تتطلع إلى الحصول على نظام القبة الحديدية منذ سنوات عديدة، لكن الظروف في ذلك الوقت لم تكن مهيئة لتطبيق الفكرة بشكل عملي.

كل تلك المؤشرات بقيت طي الكتمان وفي إطار التسريبات فقط بعيدًا عن الإعلان الرسمي، إلى أن جاء الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عام 2017 وبدأت الصورة تتضح أكثر وتخرج إلى العلن شيئًا فشيئًا.

القصة بدأت عندما زار ترامب السعودية في مايو/ أيار 2017، والتي شهدت توقيع عدة اتفاقيات بصفقات غير مسبوقة تصل قيمتها إلى عشرات المليارات، شملت عدة مجالات منها النفط والغاز والتسلح.

وقد لمس ترامب خلال زيارته رغبة لدى دول الخليج في وجود شريك قوي يقف إلى جانبهم في حربهم ضد ما أسموه “التهديد التوسعي الإيراني”، عدا عن المصالح المشتركة في المنطقة التي تجمع بين الولايات المتحدة والدول الخليجية على وجه الخصوص.

وشكل هذا الأمر بيئة خصبة لترامب نحو تشكيل تحالف إقليمي مع هذه ضد إيران، تقوده إسرائيل كونها الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة.

كما وجدت إسرائيل في ذلك فرصة تاريخية لبسط نفوذها في الشرق الأوسط بشكل أوسع، مستغلةً بذلك فشل الدول الخليجية في بناء أنظمة دفاعية فاعلة وظلت رهينة الحماية الأمريكية منذ حرب الخليج الثانية 1991م التي أُطلق عليها اسم “عاصفة الصحراء”.

دفع الثمن

لكن ترامب القادم من قطاع الأعمال لا يُعطي شيئًا بالمجان وكل شيء عنده بثمن، وجدير بالإشارة هنا مقولته الشهيرة خلال زيارته للسعودية: “ادفعوا لكي نحميكم”.

ووفق هذا المبدأ عمل ترامب على ربط مصالح العرب بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، من خلال إغراء كل دولة عربية بالحصول على بعض الامتيازات مقابل التطبيع.

فمثلًا عمل على إغراء الإمارات بصفقة الطائرات المقاتلة من طراز F35 (الشبح) واستغل أزمات البحرين المالية بإغرائها بصفقات اقتصادية وعسكرية، والسودان بإزالتها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، والمغرب باعترافه بسيادتها على الصحراء الغربية، وذلك كله مقابل تطبيع علاقاتهم الدبلوماسية مع إسرائيل.

وفي ظل هذه المعطيات، يُستنتج أن التطبيع كان ثمنًا دفعه العرب مقابل حصولهم على بعض المطالب، وبالتالي تأتي موافقة إسرائيل على نشر منظومة القبة الحديدية في منطقة الخليج كنتيجة للثمن الذي دفعه العرب مقابل حمايتهم.

ولكن يبقى السؤال الأهم: هل تسمح إسرائيل للدول الخليجية بحُرية استخدام منظومتها الدفاعية، أم أن هناك آلية معينة في إدارة منظومة القبة الحديدية بما يُحقق الهيمنة الأمريكية والمحافظة على التفوق النوعي لإسرائيل في المنطقة وإبقاء الدول العربية رهينة الحماية؟

ثمة مؤشرات ودلائل سبقت إعلان إسرائيل موافقتها على نشر القبة الحديدية، تشير بشكل واضح إلى أن إسرائيل لن تسمح لدول الخليج بحرية استخدام منظومتها الدفاعية، بمعنى أنها هي من سيُشغل المنظومة تحت إشراف الجيش الأمريكي، في حين سيقتصر دور الدول الخليجية على دفع الأموال وتوفير الاحتياجات اللوجستية.

كما ألمح قائد القيادة المركزية في الجيش الأمريكي الجنرال كينيث ماكينزي في تشرين 2020 إلى دور مهم لإسرائيل في حماية الحلفاء في منطقة الخليج العربي، قائلًا: إنه “بالرغم من أن إسرائيل ليست جزءًا من منطقة مسؤولية القيادة المركزية وليست من البلدان العشرين الموجودة ضمنها فأظن أنه لا يخفى على أحد أهمية العلاقات الامريكية الإسرائيلية”.

وأضاف ماكينزي في مقابلة مع مركز بحوث إماراتي، أن “القيادة المركزية الأمريكية تولت مسؤولية تأسيس إطار عمل لتحسين قدرات الدفاع المضاد للصواريخ الباليستية لكل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي وتحديثها ودمجها ضمن منظومة دفاع جوي وصاروخي إقليمي متكاملة للدفاع عن التهديدات المشتركة التي تشكلها إيران والوكلاء الخاضعون لها”.

واللافت في الأمر، أنه بعد أقل من شهرين على تصريحات ماكينزي هذه أعلنت الولايات المتحدة في 15 يناير/ كانون الثاني عن نقل إسرائيل من القيادة الأوروبية إلى منطقة عمليات القيادة المركزية للجيش الأمريكي.

وبعد هذا الإعلان، زار ماكينزي إسرائيل يوم الجمعة الماضي 29 يناير، وهي الزيارة الأولى لمسؤول أمريكي في عهد الرئيس جو بايدن وبعد انتقال إسرائيل إلى عمليات المنطقة الوسطى للجيش الأمريكي.

وخلال زيارته التي التقى فيها وزير الجيش الإسرائيلي بيني غانتس ورئيس الأركان أفيف كوخافي، تفقد الجنرال الأمريكي ماكينزي بطاريات القبة الحديدية الإسرائيلية.

وهذا يدل على أن موضوع القبة الحديدية حاضر بقوة في المباحثات التي استدعت زيارة ماكينزي إلى إسرائيل.

كل هذه التطورات التي سبقت موافقة إسرائيل على نشر القبة الحديدية في عدة دول بمنطقة الخليج العربي، تشير إلى أن إسرائيل هي من سيُشغل المنظومة تحت إشراف القيادة المركزية للجيش الأمريكي، بينما سيقتصر دور الدول الخليجية على دفع ثمن المنظومة ماليًا بعد أن دفعت ثمنها سياسيًا من خلال التطبيع في مقابل حمايتها من تهديد الصواريخ قصيرة المدى.

مراقبة باسم “مصالح مشتركة”

لا شك أن إسرائيل تسعى دائمًا للحفاظ على تفوقها النوعي في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يُشكل مدعاة للتساؤل حول المصالح التي ستجنيها من وراء نشر منظومتها الدفاعية في منطقة الخليج العربي في مقابل المصالح التي ستحققها الدول العربية، ومن هو المستفيد الأول من هذه العملية؟

بالنظر إلى آلية عمل القبة الحديدية، التي تعتمد على محاولة تحديد أماكن سقوط القذائف والصواريخ، فإن إسرائيل ستكتسب من ذلك ميزة مراقبة المجال الجوي والبحري والبري للدول الخليجية التي ستنتشر بها بطاريات القبة الحديدية.

حيث يعمل نظام القبة الحديدية على محاولة تتبع كل صاروخ ويحاول تحديد مساره وفقًا لإحداثيات وبيانات عالية الدقة، وبالتالي يجب أن يكون لدى طاقم تشغيل القبة الحديدية إحداثيات جميع المرافق الحيوية والأمنية الحساسة وكل ما يرافق ذلك من إنشاءات، وذلك لتتمكن من الدفاع عنها واعتراض الصواريخ الموجهة إليها.

وبما أن النظام والطاقم المشغل للقبة سيكون إسرائيلي فبالتالي ستصبح دول الخليج صفحة مكشوفة للدوائر الأمنية الإسرائيلية.

إضافة إلى ذلك، فإن نشر نظام القبة الحديدية في منطقة الخليج، سيعزز من تواجد إسرائيل قرب مياه الخليج ومراقبة خطوط إمداد إيران لحلفائها في المنطقة عن كثب وبالتالي يمكنها ذلك من بسط نفوذها بشكل أوسع في منطقة الشرق الأوسط.

وفي هذا الإطار ستتمكن إسرائيل من مراقبة عمليات نقل السلاح إلى الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، سيما بعد فشلها في ردع الفصائل بغزة، عندها نقلت الحرب إلى دول وممرات الإمداد من خلال قيادة العمق.

وعلى الجانب الآخر فإن نشر نظام القبة الحديدية في منطقة الخليج يوفر لإسرائيل ساحة إضافية لاختبار أسلحتها وبالتالي تطوير منظومتها الدفاعية دون تعريض الإسرائيليين لخطر الأسلحة الإيرانية، كما جعل إسرائيل قريبة جدًا من إيران وتحركاتها، حيث أنها بحاجة لأن تكون قريبة من أسلحة الإيرانيين لمعرفة التطور الذي وصلوا إليه.

وعلى صعيد متصل، سيُعطي ذلك فرصة لإسرائيل في ابتزاز الدول العربية وتحصيل مكاسب أكبر، على اعتبار أن أمنها القومي مُهدد من الصواريخ وأنظمتها الدفاعية لم تكن فاعلة خلال الهجمات التي شنها الحوثي.

وأصبحت الدول العربية رهينة للابتزاز مقابل الحماية، وباتت إسرائيل عدو الأمس مالك الحماية إضافة إلى أمريكا.

وفي ظل ما سبق، بات واضحًا أن إسرائيل لن تسمح للدول العربية في منطقة الخليج بحُرية التحكم في منظومة القبة الحديدية، بل ستعمل هي على تشغيلها تحت إشراف الجيش الأمريكي، وقد دلّ على ذلك نقل إسرائيل من منطقة القيادة الأوربية إلى منطقة القيادة المركزية الأمريكية، وبالتالي ستحتفظ إسرائيل بتفوقها النوعي في منطقة الشرق الأوسط وهو الأمر الذي تُقاتل من أجله بقوة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى