القتل الرحيم عربيّاً
باسل طلوزي

هل يخفف من فداحة الموت إن توزع على اثنين فأزيد؟ لا يتعلق هذا السؤال بتفسير سلوك امرأة صينية موبوءة بكورونا مرّرت أصابعها الملوثة بالفيروس على أزرار المصعد حالما ولجته، بل بمحاولة تفسير سلوك جمعيّ عربي، ما يزال يردد نظريته التاريخية “الموت مع الجماعة رحمة”.
في واقعة المرأة الصينية إياها، كان واضحا أن ثمّة دوافع عدوانية وراء سلوكها، في محاولة منها لإشراك أضخم عدد ممكن من الأصحاء بالأذى الذي لحقها جرّاء المرض. أما في الحالة العربية فالدوافع تختلف؛ لأن “الرحمة”، لا العدوانية، هي ما تبحث عنه الضحية العربية في مشاطرة الجموع موتها، أو معاناتها.
والحال أنه يحسب لنظرية “الموت مع الجماعة” العربية أنها النظرية الوحيدة التي شهدت تحديثات وتطويرات تلاءمت مع مستجدات القمع العربية ذاتها، وفق فيزياء “التحدّي والاستجابة”، فقد بدأت أولًا بنظرية “ضع رأسك بين الرؤوس وقل يا قطّاع الرؤوس”، حين كان جزّ الرؤوس عقوبة فرديّة تطورت لاحقًا إلى مهرجانٍ يحتفي به الطغاة. من هناك، اتخذت “استجابة” الضحية لتحدّي سيف الجلاد شكلًا أزيد استكانة وطمأنينة، حين شعرت أن ثمّة أعناقًا أخرى تصطفّ إلى جانبها، وتنتظر السيف، وراحت تراودها فكرة “الرحمة” الناشئة عن توزع الموت على أزيد من ضحية واحدة.
لاحقًا، تطورت النظرية، كما أسلفنا، من “ضع رأسك” إلى “الموت مع الجماعة”، لتصبح نظريّة مستقرة في وجدان الضحية العربية، راهنًا، ليس على صعيد الموت وحسب، بل الأسوأ أن أساليب الدفاع في الوجدان العربي طوّرت من استجابتها؛ للتكيّف مع سائر صنوف “الموت” الأخرى التي يبتدعها الجلاد العربيّ، سواء كانت “موت الحريّات” أو “موت العدالة” أو “موت الديمقراطية” التي لم تولد أصلًا بعد.
باختصار، أصبحت الضحية العربية مهيأة لتقبّل سائر أشكال الظلم، ما دام موزعًا على الجماعة، فهي ما إن تشعر أن أحدهم يشاطرها المحنة ذاتها، فإنها سرعان ما تستكين وتستشعر “الرحمة”، وكأن الألم عندها سيكون قابلًا للتجزيء، ما يعني أن الضحية لن يصيبها غير جزء يسير من الظلم أو الموت أو القمع أو الجلد.. إلخ.
في المقابل، عندما أدرك الجلاد العربي أن أقصى استجابات الضحية لتحدياته هي “الرحمة” الناجمة عن الموت الجماعي، تفنن في تعميم الموت، وجعله جماعيًّا، كلما دعت الحاجة، بدليل أنه لم يعد يتورّع عن السحق الجماعي، وارتكاب المجازر الجماعية إن دعت ضروراته “الفردية” المحضة إلى هذا السلوك.
من دلائل ذلك، مثلًا، أن بشار الأسد اقترف من عمليات الإبادة الجماعية، والتهجير الجماعي، ما تشيب له الولدان، من دون أن ترفّ له عين، وقبل ذلك اقترف عبد الفتاح السيسي ما يشبه ذلك في ميادين القاهرة، بعد أن درسا سيكولوجية الضحية العربية، جيدًا، وعرفا أنه كلّما ارتفع عدد الضحايا ستتدنى الاستجابة وتضمحلّ، بل وربما انقلبت تلك الجموع ذاتها رأسًا على عقب، لتصبح جموعًا موالية للجنرال تهتف بحياته وخلوده. ومن هذه القناعة ذاتها، يمكن تفسير امتعاض عبد الفتاح السيسي ممّا كشفته وسائل إعلام أجنبية أخيرا عن الأعداد الحقيقية للمصابين بوباء كورونا في مصر، وغضب بطانته الحكومية على الصحيفة التي أوردت النبأ إلى حدّ إغلاق مكاتبها في القاهرة.
ربما بهذه النظرية وحدها يمكن أن نستوعب كيف ينتصر الفرد على الجماعة في الحياة السياسية العربية الموبوءة بأغزر من وباء وجنرال، ما دام العرب ما زالوا موقنين بأن “الموت مع الجماعة رحمة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق