“القدس الكبرى الإسرائيلية” مساحات أكثر للضم وفلسطينيون أقل

السياسي – يؤكد المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) أن إسرائيل تعمل على بناء “القدس الكبرى” التي تبتلع مساحات فلسطينية أوسع مع تقليل عدد الفلسطينيين فيها، منوها إلى أن الوقائع على الأرض تفضح المشروع الإحلالي التهويدي دون الإعلان عن خطة خاصة بذلك. وتبدي إسرائيل، بمختلف أجهزتها المدنية والأمنية، حساسية مفرطة في الأشهر الأخيرة، تجاه أي مظهر من مظاهر النشاط الفلسطيني في القدس المحتلة حتى لو كان هذا النشاط مجرد تعبير رمزي عن الهوية الفلسطينية.

وقد بلغ عدد مرات اعتقال واستدعاء عدنان غيث، محافظ القدس المعيّن من قبل الرئيس أبو مازن، 17 مرة منذ تعيينه في سبتمبر/ أيلول 2018، وتعرضت معظم شخصيات السلطة البارزة للاعتقال، بمن في ذلك وزير شؤون القدس فادي الهدمي، والأمين العام للمؤتمر الشعبي بلال النتشة وآخرون. يضاف ذلك إلى سلسلة طويلة من الأوامر والإجراءات التي طالت معظم جوانب الحياة؛ من منع نشاطات رياضية وكشفية، إلى اقتحام مجالس العزاء وتفريقها بالقوة، وصولا لاعتقال أعضاء في لجان أهلية تشكلت للتوعية والتحذير من جائحة كورونا.

ما بقي من أوسلو

آخر أوامر الاعتقال والاستدعاء التي صدرت في مطلع شهر أيلول 2020، وتحديد مكان إقامة محافظ القدس غيث في بلدة سلوان، شملت كذلك منعه من التواصل مع نحو 50 شخصية فلسطينية، ومن الأسماء التي ورد ذكرها في القائمة اسم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وكل ذلك بذريعة أن هذا يتناقض مع اتفاقات أوسلو ومع ترتيبات المرحلة الانتقالية التي تمنع السلطة الفلسطينية من القيام بأية نشاطات رسمية في القدس.

ويشار إلى أنه بعد فترة من التساهل عقب توقيع أوسلو اتخذت إسرائيل قرارا صارما في 2001، بعد شهرين فقط من رحيل فيصل الحسيني، بإغلاق عدد من المؤسسات الفلسطينية من بينها بيت الشرق، ووكالة الأنباء وفا، ونادي الأسير الفلسطيني، وجمعية الدراسات العربية، خلافا لرسالة الضمانات التي وجهها شيمون بيريز لوزير الخارجية النرويجي في مطلع التسعينيات هولست، وتزامنا مع توقيع اتفاق أوسلو. لكن “مدار” ينبه لخطورة ما يجري على الأرض بالقول إنه إذا كانت الإجراءات الإسرائيلية السالفة ذات طبيعة بوليسية وطارئة ومتأثرة بالمناخ السياسي العام، فإن الأخطر منها هو تلك الإجراءات المنهجية، العميقة والصارمة، التي تقوم بها دولة الاحتلال لحسم الصراع على مستقبل المدينة المقدسة، من دون مفاوضات وبمعزل عن أي مفاوضات محتملة، وتحديدا حسم مصير الشطر الشرقي من المدينة وتغيير طابعها التاريخي الذي حافظت عليه رغم جميع السياسات والإجراءات التي يسميها الفلسطينيون: سياسات التهويد والتطهير العرقي.

احتلال الوعي أيضا

ومن هذه الإجراءات تكثيف عمليات هدم المنازل بحجة عدم الترخيص وابتداع طريقة “الهدم الذاتي” لتنفيذ هذه السياسة على أيدي ضحاياها، الهجوم الشامل على التعليم والمدارس والمناهج الدراسية إلى درجة “تزوير” المناهج الفلسطينية التي كانت معتمدة في مدارس القدس الشرقية، التغييرات في نظام الطرق المحيط بالقدس، وبشكل خاص البدء بتسيير الطريق بين بيت لحم ورام الله التي تربط جنوب الضفة بوسطها وشمالها بواسطة أنفاق وجسور، دون المرور بشارع القدس- أريحا- عمان التاريخي، والاستعدادات الهادئة حينا، والصريحة أحيانا، لتنفيذ الخطوة الحاسمة وتطبيق مشروع الضم التدريجي بدءا من تجمع مستوطنات الخان الأحمر شرقي القدس.

ويؤكد أن سلطات الاحتلال ولدى تنفيذ مخططاتها في القدس، استفادت إلى أقصى حد من اعتراف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية للمدينة، كما استفادت بلا شك من قيام بعض الدول العربية ومباشرة غيرها بالتطبيع وإقامة علاقات رسمية معه من دون قيد أو شرط.

وبرأي “مدار” أيضا استفادت إسرائيل من انعكاس الأزمة الداخلية الفلسطينية وضعف السلطة والانقسام على كيفية تنظيم الفلسطينيين لأنفسهم وشؤونهم، وبالتالي غياب أي مواجهة منظمة وموحدة، وتعدد المرجعيات الفلسطينية بل تنافسها وتضاربها في الوقت عينه. ويتابع: “هذه الظروف والملابسات تقنع إسرائيل بأن ما تفرضه بقوة الأمر الواقع، سيغدو ذات يوم أمرا مسلما به ومعترفا به من العالم ويصعب التراجع عنه”.

ابتلاع الضفة

وإذا كان من الصعب العثور على وثيقة رسمية، أو تصريح لمسؤول إسرائيلي يبيّن بشكل دقيق وقاطع عن أي قدس يجري الحديث اليومي، وأي قدس هي التي اعترف بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاصمة لإسرائيل، وما هي حدود “القدس الكاملة والموحدة” الوارد ذكرها في “قانون القومية” اليهودي إلا أن المعرفة العملية بالقدس التي يقصدها الإسرائيليون ليست صعبة، بل يمكن تلمّسها ومشاهدتها بالعين المجردة على الأرض، أي على كل الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 وبين هذه العلامات يتمدد جدار استيطاني يحيط بمدينة القدس من جميع جوانبها إحاطة السوار بالمعصم، ويشمل مستوطنات كثيرة وكل ذلك خلافا للمستوطنات داخل مدينة القدس والتي حولت الأحياء العربية الفلسطينية إلى جيوب مبعثرة ومتناثرة، حتى أن المؤرخ نائب رئيس بلدية القدس الأسبق وصاحب الدراسات المهمة عنها ميرون بنفينستي الذي توفي في الأسبوع الماضي وصف هذا المشروع الهائل، وفقا لاقتباس جدعون ليفي في “هآرتس” يوم 24/9/2020، قائلا بحسرة: “في العام 2050 لن تكون “يروشلايم” بعد، بل “يريمودين” بدمج أريحا مع موديعين، مدينة واحدة من غور الأردن حتى السهل الساحلي مع حوض مقدس في البلدة القديمة.

ويشير المركز إلى أن خطط إسرائيل بشأن القدس كانت واضحة منذ الأيام الأولى لوقوع المدينة تحت الاحتلال، وكانت ترمي إلى ضم أكبر مساحة ممكنة من الأراضي مع أقل عدد من السكان الفلسطينيين، مع ترتيبات خاصة لهؤلاء السكان منحتهم حق الإقامة الدائمة دون حق المواطنة، كما شمل الأمر ترتيبات خاصة ومؤقتة لشروط ممارسة المهن، وتساهلا نسبيا خلال العقود الأولى للاحتلال، في مجال التعليم والمناهج والحركة من وإلى القدس. ويقول إن ذلك ترافق مع جملة من السياسات القاسية تجاه السكان في مختلف الميادين التجارية والاقتصادية وبشكل خاص في مجال الضرائب، والخدمات البلدية والمرافق العامة، والقيود على السكن والبناء، والقيود على جمع شمل العائلات.

بين الأسرلة والتهجير

ويشير أيضا إلى أن هدف إسرائيل الماثل للعيان هو إما أسرلة الفلسطينيين في القدس وعزلهم عن محيطهم وشعبهم الفلسطيني، ويتبدى ذلك في الإجراءات التي أصرت عليها إسرائيل وتضمنها اتفاق أوسلو بشأن الانتخابات من خلال صناديق البريد وكأنهم جالية تقيم في بلد أجنبي، أو دفعهم إلى مغادرة المدينة والهجرة منها.

ويرى “مدار” أنه من الواضح أن النتائج التي حققتها إسرائيل في محاولاتها لتغيير طابع المدينة أو هوية سكانها الفلسطينيين، كانت محدودة النجاح، بل ربما قادت لنتائج عكسية، ويمكن الاستدلال على ذلك بما تشهده مختلف أحياء المدينة من مواجهات عنيفة وشبه يومية كما في أحياء العيسوية وجبل المكبر وسلوان وشعفاط. كما أن عددا من المواجهات الكبرى التي نشبت بين الاحتلال والشعب الفلسطيني بشكل عام، انطلقت أساسا من القدس وبشكل خاص من المسجد الأقصى، عدا عن أن عدد السكان الفلسطينيين العرب في القدس ما زال كبيرا ويقدر بنحو 350 ألفا، ونسبتهم إلى سكان القدس بشطريها الشرقي والغربي تزيد عن الثلث.

لكن من ناحية أخرى، من السهل ملاحظة الآثار التدميرية التي ألحقتها هذه السياسات على مدينة القدس وسكانها وعلاقتها بمحيطها الفلسطيني، وتكفي ملاحظة الأحياء العشوائية الهائلة التي انتشرت كالفطر في السنوات الأخيرة عند أطراف القدس وخاصة في كفر عقب، والعيزرية وعناتا والسواحرة ومنطقة راس خميس في شعفاط، حيث انتشرت مئات الأبراج الشاهقة وآلاف الوحدات السكنية في أراض خاضعة رسميا لنفوذ البلدية الإسرائيلية، لكنها تفتقر لأي خدمات، فضلا عن افتقارها لأبسط مقومات التنظيم الحضري والطرق والبنى التحتية، كما تمنع السلطة الفلسطينية من مزاولة أي نشاط فيها بما في ذلك تعبيد الشوارع. وباتت هذه العشوائيات التي دفع إليها الناس دفعا بسبب منع البناء في القدس تأوي نحو 150 ألف فلسطيني، يدفعون ضريبة المباني والمسقّفات (الأرنونا) لكنهم باتوا تحت رحمة قرار إداري إسرائيلي قد يحرمهم جميعا من حق الإقامة في القدس، ومن الهوية الزرقاء، في أي لحظة.

هدم 21 ألف وحدة سكن

ويرجح أن أخطر ما يواجه المقدسيين وتمسكهم بالبقاء في مدينتهم، هو التطورات في موقف السلطات الإسرائيلية تجاه قضية البناء غير المرخص، حيث يتيح “قانون كيمينتس” مهمة تسريع عمليات هدم المنازل الفلسطينية، وتقدّر هيئة العمل الوطني والأهلي في القدس عدد المنازل والمنشآت الفلسطينية المهددة بالهدم وفقا لهذا القانون بأكثر من 21 ألف وحدة، وقد هدمت السلطات الإسرائيلية في العام 2019 فقط 221 منزلا ومنشأة.

أما البدعة المستحدثة في هذا المجال فهي عمليات الهدم الذاتي من خلال التهديد بـ”نفقات هدم باهظة” أما المكاسب الإسرائيلية من هذه الطريقة فلا يمكن حصرها، إذ تغيب مشاهد العنف والمواجهات مع الشرطة عن الشاشات واهتمام الصحافة والرأي العام، ويبدو الفلسطيني الذي يهدم بيته كمن ارتكب خطأ تجاه إسرائيل وها هو يتراجع عنه من تلقاء نفسه، وفي المحصلة فإن هذه الطريقة لا تكلف دولة الاحتلال وبلديتها سوى إرسال رسالة مشفوعة بإنذار وتهديد بالهدم.

وتتراوح مساحة القدس المخطط لها بين 600 إلى 1000 كيلومتر مربع، وتشمل شطريها الغربي والشرقي وجميع المستوطنات المحيطة بالمدينة، وكان هذا المشروع محل تنافس ومزاودة متبادلة بين حزبي الليكود واليمين الاستيطاني. وهذا ما دفع الوزير الليكودي يسرائيل كاتس، وكان حينها وزيرا للخارجية، وبالتعاون مع عضو الكنيست يوآف كيش، إلى بلورة مشروع متكامل يهدف إلى تعديل قانون أساس القدس، وإعلان القدس الكبرى، وهو ما سوف يقود بالنتيجة إلى إخراج أكثر من 100 ألف فلسطيني من حدود القدس، وإدخال أكثر من 150 ألف مستوطن، وفي المحصلة فإن خطة كهذه من شأنها تخفيض نسبة السكان الفلسطينيين في المدينة الكبرى من 38% حاليا إلى أقل من 25% مستقبلا.

وينبه “مدار” إلى أنه من الواضح أن حسابات واعتبارات سياسية ودبلوماسية تدفع إسرائيل إلى تجنب الإعلان عن مخططاتها الحقيقية في القدس، ويشمل ذلك الحرص على تجنب الإدانة الدولية واستفزاز أوروبا بشكل خاص، وعدم إحراج الدول والأطراف العربية المرشحة لصداقة إسرائيل والتطبيع معها.

العودة إلى مشروع ألون

ولكن أيا كانت الدوافع لإخفاء أو التصريح بخطط إسرائيل تجاه القدس، من المهم الإشارة إلى عاملين رئيسيين: الأول هو أن هذه السياسات والتوجهات لا تقتصر على التيار اليميني المتطرف الذي يقود إسرائيل في العقد الأخير ذلك أن الخطوط العريضة لهذه السياسة وتطبيقاتها ميزت ما تقوم به الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ 1967. وقد شرعت حكومة الاحتلال في تطبيق ذلك خلال الأسابيع الأولى للاحتلال بإعلان حلّ أمانة القدس، وتوسيع حدود البلدية ضمن الأراضي المحتلة من 2.4 كيلومتر مربع إبان الحكم الأردني، إلى أكثر من 72 كيلومتراً مربعاً منذ النصف الثاني من عام 1967، وبوضوح أكثر سوف نتعرف على مخطط القدس الكبرى، ومخطط الضم كذلك، من خلال مشروع ألون الذي طرحه الوزير ونائب رئيس الحكومة العمالي يغئال ألون في يوليو/ تموز 1967. أما العامل الثاني المهم فهو أن السياسات الإسرائيلية تجاه القدس لا تقتصر على الحكومة فقط، بل هي تشمل أيضاً جهات حكومية ورسمية وأهلية متعددة كجمعيات المستوطنين والبلدية والكنيست.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى