الكاتبة الهندية سعدية دهلوي: المسلمون 20% لايمكن التخلص منا

تعديل قانون المواطنة الهندي يمنح الجنسية لأفراد الأقليات المضطهدة في الدول المجاورة، لكنه يستبعد المسلمين، وهو ما أشعل في جميع أنحاء الهند موجات احتجاجية. سعدية دهلوي -الكاتبة الهندية الشهيرة المسلمة المستقرة في دلهي- ترى في هذا القانون نداء للصحوة واليقظة. حاورها ماريان بريمر لموقع قنطرة.

جذبت الاحتجاجات في الهند اهتماماً دولياً. لقد كانت عائلتك جزءاً من النسيج الاجتماعي لمدينة دلهي المسلمة لمدة قرون. هل يمكنك وصف كيف عايشتِ الأجواء في دائرتك الاجتماعية، خلال أسابيع وأيام الاحتجاجات ضد تعديل قانون الجنسية الهندي؟

سعدية دهلوي: أنحدرُ من دائرةٍ مسلمة ليبرالية وعلمانية التفكير. ندعمُ أنا واصدقائي الاحتجاجات. على الرغم من أن عائلاتنا مستقرةٌ هنا منذ عدة أجيال، بيد أننا بدأنا نشعر بالتهميش في الهند اليوم، إذ دُفِعنا لنصبح مواطنين من الدرجة الثانية.

لماذا يحتجُّ الكثير من الناس ضد قانون تعديل المواطنة؟

دهلوي: يهدفُ مشروعُ القانون التمييزي إلى حرمان أجزاءٍ كبيرة من السكان المسلمين من حقوقهم، لأنه يجعل من الصعب على العديد منهم إثبات جنسيتهم. ينبغي أن نفهم أنّ أجزاءً كبيرةً من سكّان الهند يعيشون من دون وثائق. كيف سيُثبِت هؤلاء الناس جنسيتهم؟ أين سيذهبُ الناسُ وماذا سيفعلون إن قرّرت الحكومةُ استهدافهم؟ لقد مُرِّر مشروعُ القانون بالفعل. والناسُ غاضبون لأن المشاكلَ الحقيقة لا تُعالَج، التي يواجهها سكان الهند مثل الاقتصاد الفاشل والبطالة. إنهم يستخدمون سياسةً مثيرة للشقاق بشكل علنيّ من أجل تحويل انتباه الرأي العام. بيد أن الناس لا يريدون أن ينقسموا على أساس الدين.

ما الذي فاجأكِ في هذه الاحتجاجات؟

دهلوي: لم أشهد قَطُّ احتجاجات كبيرة وعفوية مثل هذه. إنها تحدث في مدنٍ عديدة في جميع أنحاء البلاد. تحرّكَ الناسُ لأنّهم أدركوا أن الأمر تجاوز الحدّ. ورغم أن دلهي تشهدّ في هذا الوقت شتاءً بارداً، إلّا أنّ المحتجِّين ما زالوا يخرجون بالآلاف، مُتَحَدِّين درجات الحرارة الباردة.

إضافة إلى ذلك، يوجد العديد من النساء في طليعة الاحتجاجات، حتّى في حرم جامعة جاميا ميليا (جامعة إسلامية  تقليدية) حيث تصاعد عنف الشرطة. إنّها المرة الأولى، منذ قدوم مودي إلى السلطة، التي قال فيها المسلمون “كفى”. والجانبُ الأكثر جمالاً في هذه الحركة يتمثّلُ في انضمامِ الناس من جميع المذاهب إلى المسلمين. لقد ذهبت الاحتجاجات إلى أبعد من كونها قضية إسلامية بحتة، لأن الناس الآن يدركون أن مشروع القانون هذا يقودنا في اتّجاهٍ فاشي.

كيف تتعامل الحكومةُ مع مقاومةٍ مفاجئة ومستمرة كهذه؟

دهلوي: يمكنني القول إنها فُوجِئت. لم تتوقع هذا النوع من القوة والمتانة من الطلّاب. إذ بدا أن حكومة مودي تنجو بكل ما تفعله: سحب تداول عملات من فئات معينة، الإعدام من دون محاكمة للمسلمين من قبل أنصار حزب بهاراتيا جاناتا المتطرّف، إغلاق كشمير. بقي الناس هادئين فحسب. لقد كان هناك احتجاجات قبل الآن، ولكنْ لا شيء يشبِه ما نراه الآن. ربّما ظن سياسيو حزب بهاراتيا جاناتا أنّهم سيفلتون بهذا أيضاً.

لكن يبدو أنّ المواطنين العاديين يشعرون أن استبعاد المسلمين بهذه الطريقة هو فكرة مثيرة للخلاف تماماً. يبدو الأمر كما لو أنّ الوجه الحقيقي لحكومة بهاراتيا جاناتا قد ظهر فجأةً. ولهذا السبب يستخدمُ الناسُ حقّهم المشروع في الاحتجاجِ. وعدم السماح لهم بالقيام بذلك هو أمرٌ غير ديمقراطي.

هل تعتقدين أن حركة الحكومة لتهميش المسلمين هي جزء من مخططٍ أكبر؟

دهلوي: نعم، إن ذلك واضح. إن خطط هذا التشريع كانت مكتوبةً بالفعل في بيان بهاراتيا جاناتا. وقد أعطى التفويض الضخم، الذي تلقاهُ مودي في الانتخابات العامة الأخيرة، لمودي وحزبه الفرصةَ لتنفيذ كل ما خططوا للقيام به. ولأيديولوجيتهم جذورها في “منظمة التطوع الوطنية الهندية RSS” والتي، كما نعلم، مستوحاة من أيديولوجية هتلر. أما هذه الجماعة، والمرتبطة بحزب بهاراتيا جاناتا، فدائماً ما كانت معادية للمسلمين.

هل أنت خائفة من تزايد العنف ضد المسلمين؟

دهلوي: دلهي مدينة عالمية وكونها عاصمة الهند فهي تضمُّ مواطنين مختلطين للغاية. يرغب معظم الناس في العيش بسلام. ولا يبدو أن حزب بهاراتيا جاناتا سيفوز في انتخابات الجمعية التشريعية في دلهي في شباط/فبراير 2020. فقد قدّم الحزب الحاكم (حزب الرجل العادي) خدمة جيدة للفقراء، وحسّن التعليم، إضافة إلى الكهرباء والنقل العام.

أما قمع الاحتجاجات فقد كان على أشدّه في الولايات التي يحكمها حزب بهاراتيا جاناتا. إذ تتحمل أوتار (الولاية الهندية الأكثر اكتظاظاً بالسكان) بشكل خاص وطأة عنف الشرطة، حتى الصبية الصغار يتعرضون لإطلاق النار أو الاعتقال. وفي بعض البلدات الإسلامية والأحياء الأضعف من الناحية الاقتصادية، اقتحمت الشرطة المنازل وخرّبت المساجد. الناس خائفون للغاية. بيد أنهم يتغلبون على خوفهم لأنهم يريدون أن يُسمَعَ صوتهم.

تقاليد فاشية: “إيديولوجيا القوميين الهنود لها جذورها في منظمة التطوع الوطنية الهندية، التي تستوحي إيديولوجيتها من إيديولوجية هتلر. وهذه الجماعات المرتبطة بحزب بهاراتيا جاناتا كانت معادية للمسلمين منذ البداية”، كما توضح سعدية دهلوي. في الصورة: أعضاء من “منظمة التطوع الوطنية الهندية RSS” -المرتبطة بحزب بهاراتيا جاناتا الهندي الحاكم- في مسيرة داعمة لتعديل قانون المواطنة الهندي الذي يمنح الجنسية لأفراد أقليات مضطهدة في الدول المجاورة، لكنه يستبعد المسلمين. 25 / 12 / 2019.

هل من المحتمل أن يكون لهذه السياسات المعادية للمسلمين طويلة الأجل تأثير على التراث الثقافي الإسلامي الغني للهند؟

دهلوي: ليس بشكل مباشر. ففي النهاية، لا يمكنك ببساطة التخلّص من الروائع الإسلامية مثل تاج محل وقطب منار. بيد أنه كان هناك محاولات لتقويض آثار التاريخ الإسلامي من خلال تغيير أسماء الأماكن والطرق. في الواقع، فإن بقاء لغة الأوردو (اللغة الأردية) معرّضٌ للخطر منذ سنوات. اعتادت عائلتي أن تنشر بعض المنشورات المشهورة جدًا بلغة الأوردو، والتي اضّطرت جميعها للإغلاق. مؤخراً، على أية حال، كان هناك نوع من إحياء لغة الأوردو.

على الرغم من أنها ميتة كلغة مكتوبة، فإن هناك مبادرات جديدة لترجمة أدب الأوردو إلى الإنكليزية. كما تعتزُّ المهرجانات بالتراث الهندي الإسلامي. بيد أنه للأسف لا تُعلَّمُ لغة الأوردو بشكل رسمي أو تشجَّع؛ إنها تستمر فقط كتراث شفهي. الأوردو غير مرتبطة بسوق العمل؛ إنها لا تأخذك إلى أي مكان. ولا تساعد الدولة في تعزيز هذا التراث؛ إنّها تفضّل قمعه.

لغة الأوردو هي ضحية التقسيم، لأنها أصبحت اللغة الوطنية لباكستان. ومنذ ذلك الوقت فصاعداً بدأ الهنود باعتبار الأوردو لغة أجنبية، ناسين أن الأوردو في الواقع تطوّرت في مدن مثل دلهي ولِكناو.

هل تعتقدين أن حكومة مودي ستفقد الدعم في نهاية المطاف؟

دهلوي: الحكومة مليئة بالكذب والكلام المزدوج. مؤخراً، زعم مودي أنه لا يوجد مراكز احتجاز للمهاجرين في الهند، بيد أنّ التحقيقات أظهرت أنها حقيقة. إن ذلك مرعبٌ للغاية. الخوف الذي يشعرُ به الكثير في المجتمع المسلم حقيقي للغاية. اقترح بعض سياسي حزب بهاراتيا جاناتا إطلاقَ النار على المتظاهرين.

هناك أصوات متطرفة تقول أشياء ضارة للغاية. ومع ذلك، فقد فقد بالفعل حزب بهاراتيا جاناتا العديد من الأصوات في الانتخابات على مستوى الولايات.

ما هو دور المثقفين خلال الاحتجاج الحالي؟

دهلوي: العديد منهم يرفع صوته، ليس فقط المسلمين. اعتقد أن الأصوات العلمانية هي المهمة حقاً. هذه الأصوات تقف مع المسلمين والمضطهدين. حتى أن بعض أنصار حزب بهاراتيا جاناتا بين المثقفين أعربوا عن معارضتهم لمشروع القانون.

من المهم للغاية أن نتكلم ونكتب بلغة سلمية. نحن نملك حق الاحتجاج. كل جزء صغير مهم في هذا. وقد انضمّت آلاف الأصوات العلمانية بالفعل للمسلمين في احتجاجهم. وتلك علامةٌ جيدة جداً.

كيف يمكن للمسلمين العاديين التعامل مع التهديدات والتحيّز الذي يواجهونه؟

دهلوي: ينبغي على المسلمين الانضمام إلى الاحتجاج وجعل صوتهم مسموعاً. بيد أنه ينبغي على الجميع الاتفاق. لا يتعلق الأمر بالمسلمين فحسب، بل بإبقاء نسيج البلد وقيمه العلمانية على قيد الحياة.

يدركُ الناسُ بشكل متزايدٍ أن تصرّفات هذه الحكومة تتعارض مع القيم الأساسية التي تشكّل دستورنا – لا سيما المادة 14، التي تنصُّ على عدم التمييز ضد أي شخصٍ على أساس الدين.

هل تستطيع هذه الحكومة حقاً إبطال قرونٍ من الوئام بين الأديان في الهند؟

دهلوي: لقد عشنا جميعنا مع بعض لقرون وما زلنا نعيش في مجتمع تعدّدي وشاملٍ. بيد أننا لا نزال نعمل من خلال تراثنا الاستعماري. اعتمدنا نظاماً برلمانياً، وتعليم وحضارة أجنبية، وقد كانت الاستراتيجية البريطانية فرّق تسد. تستخدمُ حكومتنا حالياً المبدأَ ذاته. في نهاية المطاف، هذه محاولة لنشر الكراهية بين الناس. على أمل أن البلد ستقاوم وتحارب في سبيل روح الهند، لكي لا تفسد.

 

ما الذي يمنحك الأمل؟

دهلوي: الاحتجاجات تعطيني الأمل. لا يمكننا سوى أن نأمل بالأفضل؛ أن شيئاً جيداً سينتج عنها. نحن أقلية كبيرة جداً تشكّل حوالي 20 بالمئة. لذا لا يمكن التخلّص منا بهذه السهولة. نحن في جميع أنحاء البلاد؛ نحن مندمجون بشكل جيد للغاية ومواطنون هنديون فخورون. ولا نملك إلاّ أن نتمنى أن تكون الغلبة للقوى العلمانية. يخبرنا القرآن أنّ الله يرسل الابتلاء والمحن لجميع البشر، ولكن أيضاً أن بعد كلّ عسرٍ يسر.

ينبغي علينا أن نكون صبورين وأن نؤمن بالبلد، وبشعبنا، وبالله. لا يوجد هناك شكّ في أن هذه الأوقات عصيبة للغاية. بيد أنّ روح الهند شاملة، تعدّدية، سخية، مضيافة وديمقراطية. اتخذّها العديد من موجات الناس موطناً لهم على مر القرون، مشكّلين التراث الثقافي الهندي الغني إلى حدّ لا يُصدّق. ينبغي علينا أن نبقيه بهذا الشكل. هناك مساحة لنا جميعاً.

 

حاورها: ماريان بريمر

ترجمة: يسرى مرعي 

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق