الكورونا والأمن القومي الإسرائيلي
عادل شديد

تْجمع مراكز الأبحاث والدراسات الإسرائيلية ، أن منطقة الشرق الأوسط ، لن تعود بعد جائحة الكورونا كما كانت قبلها ، فبالإضافة للإجراءات الإسرائيلية ، التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية لمواجهة انتشار وباء الكورونا ، تتابع إسرائيل عن كثب ما يحدث في دول المنطقة وتداعيات الوباء على استقرار تلك الدول وأثاره الآنية والبعيدة على إسرائيل ، وخاصة أن الوباء ضرب المنطقة في وقت تمر فيه معظم الدول العربية في ظروف اقتصادية وسياسية صعبة. حيث تتابع الدوائر الاستخباراتية الإسرائيلية ما يحدث في كل دولة على حدة ، حيث يتم نقاشها ودراستها من كل الجوانب في مجلس الأمن القومي التابع لمكتب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ، وترجح تلك الدراسات انهيار أنظمة وتراجع أخرى بسبب الفيروس .

مع اكتشاف أول إصابات الكورونا في إسرائيل ، بدأت الدوائر المختلفة بخطة بدا أنها ترجمة لإستراتيجية تم صياغتها لمواجهة الوباء قبل فقدان السيطرة عليه مستفيدين مما حدث في أكثر من دولة في العالم ، لا سيما الصين وإيران وايطاليا ، حيث تضمنت الإستراتيجية معظم الجوانب ذات الصلة بتماسك الدولة ومؤسساتها ، كما الحفاظ على المناعة الفردية والمجتمعية للمجتمع الإسرائيلي ، حيث تمت صياغة الإستراتيجية وكأن إسرائيل مقبلة على حرب كبيره ، حيث بدا واضحا الدور الكبير للجيش الإسرائيلي وللمؤسسات الإعلامية والاقتصادية كما الدور البارز لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ، وبطبيعة الحال لوزارة الصحة .اقتصاديا ، تزامن وصول الوباء لإسرائيل في فترة تشهد فيها إسرائيل وضعا اقتصاديا قويا ، من حيث زيادة الإنتاج ، والناتج القومي، والفردي ومعدلات الدخل العالية مقارنة بأغلبية دول المنطقة ، كما نسبة البطالة المتدنية في إسرائيل ، وبسبب مركزية وأهمية الاقتصاد في إسرائيل ، وخاصة انه سيكون أول ضحايا وباء الكورونا ، بسبب تعطل الكثير من المرافق الاقتصادية والإنتاجية والسياحية وارتفاع نسبة البطالة ، حيث خسر أكثر من 100 ألف موظف إسرائيلي أماكن عملهم في الأسبوع الأول من انتشار الوباء ، ومن اجل منع انهيار الاقتصاد الإسرائيلي ، قامت الحكومة ومؤسسات مالية واقتصادية بتقليل نسبة الفوائد على القروض الممنوحة للمواطنين ، كما شجعت الاقتصاد المنزلي ، فيما ناشدت الحكومة ووزارة المالية الإسرائيلية كافة العمال الذين فقدوا أماكن عملهم للإسراع والتسجيل في مؤسسات التأمين الوطني لاستلام مخصصات البطالة ، وذلك للحفاظ على الاقتصاد الإسرائيلي من الانهيار ، على قاعدة اعتباره احد عناصر المناعة الإسرائيلية في مرحلة لا يعلم احد مستقبلها ،في وقت تعطلت فيه الحياة التعليمية والأكاديمية في كل المؤسسات الإسرائيلية ، بالتزامن مع الزيادة المضطردة في حالات الإصابة بالفيروس ، رغم الإجراءات التي اتخذتها الحكومة ووزارة الصحة من إغلاق تام للسياحة والفنادق ومنع السفر وفرض الحجر الصحي على عشرات الألوف من الإسرائيليين .

امنيا ، كان اللافت من البداية الدور الوظيفي الذي ألقاه نتنياهو على المؤسسات والأذرع الأمنية المختلفة ، وفي أول كلمة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو للمجتمع اليهودي عن انتشار الوباء ، وعدهم ببذل كل الجهود للحيلولة دون نجاح الوباء من شل الحياة ، حيث وعدهم نتنياهو بأن سلاح الجو الإسرائيلي سيحل محل النقل والشحن الجوي والبحري للبضائع ، لمنع حدوث أي نقص في السلع من جهة ، وللحفاظ على عجلة الاقتصاد بالجانب الآخر ، وأضاف نتنياهو في نفس الحديث بان الجيش الإسرائيلي سيقوم بتعقيم وتطهير الحافلات العامة والقطارات والمؤسسات العامة ، وظهر واضحا اهتمام نتنياهو في دور الجيش الإسرائيلي في حرب الكورونا .وزير الجيش الإسرائيلي نفتالي بينيت ، كان قد أعلن في العاشر من الشهر الجاري أن وزارته استدعت حوالي ألفي جندي إسرائيلي من الاحتياط كدفعة أولى ، وذلك للانضمام للأطقم العاملة في محاربة فايروس الكورونا ، وخاصة أن استدعاء الاحتياط له وقع صعب وخاص على المجتمع الإسرائيلي الذي تعود على سماع استدعاء الاحتياط فقط في الحروب العسكرية ، ولم تمضي أيام قليلة حتى برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يعلن انه سيكلف جهاز المخابرات العامة الشاباك بمراقبة حاملي الفيروس عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة ، رغم حظر محكمة العدل العليا الإسرائيلية ذلك قبل سنوات ، إلا بعد تمرير ذلك بتشريعات وقوانين بالكنيست ثم موافقة شخصية من قبل صاحب الشأن لما لها من تدخل واضطلاع على الأوضاع الخاصة للشخص المعني وفي كل الظروف بما فيها الأكثر خصوصية وحساسية .في صبيحة التاسع عشر من آذار ، أعلنت وسائل إعلام إسرائيلية أن جهاز الموساد قام بتهريب 100 ألف جهاز فحص فايروس الكورونا ، من دول عربية خليجية لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ، يذكر أن جهاز الموساد المسؤول عن تنفيذ ألاف عمليات الاغتيال والخطف لناشطين وعلماء وخبراء من معظم دول العالم ، وإشراكه في مواجهة فايروس الكورونا يعطي المؤسسة الأمنية أهمية كبرى في الوعي الجمعي للمجتمع اليهودي، وخاصة في ظل مرحلة مصيرية تعيشها إسرائيل مع انتشار وباء الكورونا ، وبعد ذلك الإعلان بساعات قليلة فقط ، أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي افيف كوخافي عن البدء بحملة عسكرية اسماها (شعاع النور ) ،والتي تضمنت جملة من القرارات العسكرية ، حيث أعلن عن دخول وحدات من السلاح البيولوجي والجرثومي الإسرائيلي للانضمام للحرب على الكورونا ، وأعلن كوخافي عن رفع جاهزية الجيش الإسرائيلي، والاستعداد للتدخل بشكل اكبر وأقوى ، ومن ضمن المجالات التي سيتدخل فيها الجيش ، قيام بعض وحدات القوة البشرية بمرافقة ورعاية أطفال وأولاد الأطقم الطبية الإسرائيلية العاملة في مواجهة الكورونا ، وقيام وحدات عسكرية أخرى بإيصال المواد الغذائية والأدوية للأسر المحتاجة ، وذات الاحتياجات الخاصة وكبار السن ، وفرز آلاف الجنود الآخرين لتطبيق منع وتحديد الحركة في كل أنحاء إسرائيل ، وقيام جنود آخرين بحماية سائقي الحافلات العامة الذين يقومون بنقل حاملي الفيروس لحمايتهم من إصابتهم بالفيروس ، هذا بالإضافة لوجود أكثر من 5000 جندي إسرائيل في الحجر الصحي أسوة بعشرات آلاف الإسرائيليين الآخرين المحجورين صحيا بسبب توفر شبهات حول اختلاطهم بحاملي الفيروس .

تركيز كل المستويات السياسية والعسكرية وحتى الصحية على مركزية دور المؤسسات والأجهزة الأمنية الإسرائيلية المختلفة في الحرب على الكورونا في وقت يشعر فيه المجتمع الإسرائيلي بالخطر الكبير جراء استمرار انتشار الفيروس ، يعطي المؤسسة الأمنية دورا هاما في كل مجالات وتفاصيل الحياة في إسرائيل المدنية قبل الأمنية والعسكرية ، ويعيد إنتاج الوعي الذي أراده قادة المشروع الصهيوني من جابوتنسكي ودافيد بن غوريون وموشي ديان وغيرهم ، والذين اعتبروا الأجهزة الأمنية والجيش الإسرائيلي بمثابة البقرة المقدسة الممنوع انتقادها ، وانه لا مستقبل لإسرائيل بدون جيش قوي كما عبر عنه بن غوريون وموشي ديان في أكثر من محل حتى أن بن غوريون كان قد قال في كلمة أمام حشد كبير من الجنود الإسرائيليين بعد حرب العام 1948 ، أن إسرائيل بدون البندقية والقبعة الحديدية لن تتمكن من بناء طوبة ولا من غرس شجرة في إشارة لإدخال الأمن والجيش في كل تفاصيل الحياة الإسرائيلية ، لإنتاج وعي يصف إسرائيل بالجيش الذي له دولة،وبدون الجيش لا مستقبل لإسرائيل في المنطقة نهائيا ، مما عمق مكانة ومركزية الجيش الإسرائيلي والأمن في وعي المجتمع الإسرائيلي ، وهذا ما أعادت إسرائيل إنتاجه في الأيام الاخيره مستغلة خوف المجتمع اليهودي من الكورونا ، ليطمئن المجتمع اليهودي على إجراءات حكومته في مواجهتها للفيروس، طالما أن الجيش يقوم بالحرب عليها ، وفي نفس الوقت تفهم وتقبل أي فشل مستقبلي في مواجهة وحصار الكورونا طالما أن الجيش قاد تلك الحرب ، وبذلك يكون الجيش والأمن عادا ليصبحا البقرة المقدسة في الوعي العام ، وفي نفس الوقت أن يكون الجيش جدارا يحتمي خلفه القادة ونتنياهو مستقبلا في حال تم تشكيل لجنة تحقيق للإخفاق في السيطرة السريعة على الوباء .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى