اللاجئون والابتزاز التركي
محمد نور الدين

تلقى الرئيس التركى رجب طيب أردوغان ضربة غير مسبوقة له في منطقة إدلب السورية، عندما قامت طائرة روسية بقصف رتل عسكرى تركى كان يتقدم لمساعدة مسلحى المعارضة، وقد سقط للجيش التركى على الأقل 36 قتيلًا فضلًا عن عدد كبير من الجرحى.
يعتبر أردوغان أن إدلب جزء من الأراضى التركية التى كانت ضمن حدود الميثاق الملى لعام 1920 ويتصرف على أساس أنها المحافظة رقم 82 في تركيا، لذلك هو يطلب من الجيش السورى أن ينسحب من المناطق التى سيطر عليها في الآونة الأخيرة على اعتبار أنه ينتهك السيادة التركية!.
وهو الموقف نفسه من ليبيا عندما اعتبرها أردوغان «أمانة عثمانية» وأنه هناك لحماية أحفاد أجداده من قبيلة «كور أوغلو» معتبرًا المشير خليفة حفتر متمردًا ويجب وضع حد له.
في خضم الوضع المهزوز لأردوغان في الداخل التركى والغضب من سقوط هذا الكم الكبير من الجنود الأتراك قتلى، تقمص أردوغان شخصية «الدون كيشوت» وراح يضرب خبط عشواء في كل مكان يعتقد أنه سينقذه من مأزقه في سوريا وليبيا وفى كل المنطقة العربية وشرق المتوسط.
وعلى رأس الملفات التى يعود إليها أردوغان من فينة لأخرى قضية اللاجئين السوريين. إذ أعلن بعد مقتل الـ36 جنديًا في إدلب أنه سيفتح حدود تركيا أمام كل لاجئ سورى يريد الذهاب إلى أوروبا، وبالفعل استقدم أردوغان الآلاف من اللاجئين ورمى بهم على الحدود مع بلغاريا واليونان وحاولوا أن يعبروا الأسلاك الشائكة إلى داخل أوروبا. لكن حرس الحدود اليونانى منعهم من ذلك بالغاز المسيل للدموع.
اتخاذ أردوغان هذه الخطوة كان يعكس المأزق الذى وجد نفسه فيه على أكثر من صعيد.
1- لقد انكسرت هيبة أردوغان أمام الرأى العام التركى بعد مقتل الـ36 جنديًا. وتداعت القوى في الداخل التركى متسائلة عما يفعله أردوغان في سوريا كما في ليبيا محملينه مسئولية إراقة دم الجنود خارج الوطن. فكانت خطوة أردوغان لفتح البوابات أمام اللاجئين محاولة لترميم صورته المهشمة والقول للرأى العام إنه قوى إلى درجة القدرة على إحراج الدول الأوروبية وإيذائها.
2- قبل مقتل الجنود الأتراك استنجد أردوغان بحلف شمال الأطلسى والاتحاد الأوروبى من أجل مساعدته عسكريًا ولا سيما لتزويده بمنظومة دفاع «باتريوت» الجوية لمواجهة سلاح الجو الروسى والسوري، لكن أحدًا في الغرب لم يستجب لطلبه. وتكرر الأمر نفسه بعد مقتل الجنود واجتمع حلف شمال الأطلسى والمفوضية الأوروبية من دون نتيجة تذكر. فكان قرار رمى اللاجئين على الحدود انتقامًا من الرفض الغربى لمساعدته عسكريًا.
وفى هذه النقطة كان من الطبيعى ألا يستجيب الغرب لطلبات أردوغان. فهو أبرم صفقة «إس- 400» مع روسيا رغم تحذير واشنطن له. ولما مضى في الصفقة كان الكونجرس الأمريكى بمجلسيه يفرض عقوبات اقتصادية وأمنية ومنع تسليم طائرات «إف- 35» إلى تركيا فضلًا عن قرار الاعتراف بالإبادة الأرمنية. وبالتالى فإن قرار المساعدة من عدمه ليس مرتبطًا بمزاج أردوغان بل له ظروفه وشروطه.
3- يحاول أردوغان من فتح الحدود أمام اللاجئين للتدفق إلى أوروبا أن يضغط على الأوروبيين لتغيير موقفهم الرافض لمساعدة تركيا من جهة والضغط على روسيا من جهة أخرى.
4- واشتهر أردوغان بنهجه الاستفزازى والابتزازى للأوروبيين بأكثر من ملف وفى مقدمتها ملف اللاجئين. وكلما كان يرسل اللاجئين إلى الدول الأوروبية كان مسئولوها يهرعون إليه مقدمين له الدعم المالى لإبقائهم داخل حدود تركيا وخشية من تحريك الجاليات التركية الكثيرة في هذه الدول، والتى يحسب لها رؤساء أوروبا حسابات انتخابية. لذا فإن أردوغان يحاول أن يبتز أوروبا «بتدفيعها» المزيد من المال لإبقاء اللاجئين السوريين وغير السوريين في الداخل التركي، وهو ما ترفضه أوروبا حتى الآن.
على الرغم من أن ملف اللاجئين يزعج الأوروبيين لكنه لن يجعل الأوروبيين يرضخون له في المجال السياسى أو الأمني والعسكري، بل سيزيد أيضًا الاستياء الشعبى الأوروبى من أردوغان وسياساته المستفزة والمبتزة، وفى المحصلة لن تعيد ترميم صورته وهيبته التى تتهشم يومًا بعد يوم وليس آخرها «مقتلة» الجنود في إدلب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى