اللاسامية.. تحصين للاحتلال وشرعنة للضم

السياسي – يحذر باحثون فلسطينيون من محاولات صهيونية حثيثة في العالم لتعميق وتعميم تعريف جديد للاسامية ومن طريقة توظيفه في السياسة العالمية، في إطار محاولة محو اسم فلسطين ونزع الشرعية عن كل طرق النضال في سبيل قضيتها، وتنبه لتواطؤ مستمر من قبل جهات دولية مع هذا المخطط الماكر الداعم للصهيونية.

وينبه بعض الباحثين أنه في نطاق هذا التعريف تتم شيطنة النضال السلمي وضمن محاولة الانتقال من إدارة الصراع إلى حسمه، بل وشطبه، على اعتبار أنه غير موجود، عبر فرض حل غير منصف خاصة بعد طرح “صفقة القرن” من قبل الرئيس الأمريكي في مطلع العام.

وبهذا السياق يستذكر الباحث عصمت منصور في مقال مطول نشره المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية أنه قبل 45 عاما تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 72 دولة ومعارضة 35 دولة قرارها رقم 3379 والذي تبنى التعريف الجديد للصهيونية الذي يصنفها على أنها “شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري وأن على العالم مقاومة هذه الأيديولوجيا لأنها تشكل خطرا على الأمن والسلم العالميين”، لتعيد نفس الجمعية إلغاء القرار الذي لم يعمر سوى 16 عاما، وليشكل هذا الانتقال الذي تزامن مع أحداث كبرى في التاريخ مثل انهيار الاتحاد السوفييتي وحرب الخليج الأولى ومؤتمر مدريد للسلام، أحد الأحداث الرمزية الدالة على عمق وشمولية التحول الذي يشهده العالم ولأي جهة في الصراع تميل دفة الأمور.

وفي هذا الصدد يقول إن تعريف مصطلح اللاسامية يصلح “بشكل رمزي” لأن يكون واحدا من أدوات قياس التحولات السياسية والأخلاقية والعملية في العالم، وأداة قياس للحقب التي مر بها الصراع الذي يسير بشكل صاعد على المستوى الرسمي لصالح الرواية الإسرائيلية وتعريفها للاسامية وتحولها إلى أداة للتصدي للانتقادات الموجهة ضدها وتكميم أفواه الأصوات المعارضة لسياساتها وانتهاكاتها لحقوق الإنسان وتبنيها لسياسات تؤبد الاحتلال وتحوله من حكم عسكري مؤقت إلى نظام أبارتهايد عنصري.

انتصار للدعاية الصهيونية

يعود الباحث للجذور ويستذكر أنه في العام 1998 تم الإعلان عن تشكيل التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة النازية، وهو تحالف ضم في البداية ثلاث دول هي السويد التي بادرت إلى تشكيله بعد أن اتضح من أبحاث أجرتها في أوساط الجيل الشاب أن 35 بالمئة منهم لم يسمعوا بالمحرقة (وهو ما تبين أنه استطلاع خاطئ فيما بعد) والولايات المتحدة وبريطانيا، وكان الهدف المعلن من وراء إقامة هذا التحالف هو التثقيف وإحياء ذكرى المحرقة ومحاربة منكريها.

وتلخص الجهد التثقيفي للتحالف والقيم التي بشر بها ونذر نفسه لنشرها في نهاية الأمر بإعلانه في العام 2016 مقترح تعريف جديد وشامل (وغير ملزم) للاسامية تمت صياغته من قبل 3000 محام وقانوني من الـ30 دولة المشكلة للاتحاد، بهدف (محاربة الإرهاب واللاسامية ونزع الشرعية عن دولة إسرائيل والربط بين القوانين القائمة في دول العالم والتعريف الجديد في كل ما يخص التحريض والتمييز العنصري)، وهو تعريف يتخطى هدف التثقيف ونشر الوعي في أوساط الشباب حول أهوال المحرقة الذي أقيم التحالف لأجله عند تأسيسه.

ويعتبر التعريف الجديد الذي تبناه التحالف اللاسامية على أنها نظرة معينة لليهود يمكن التعبير عنها بكراهية اليهود بتعبيرات لفظية وجسدية، موجهة ضد أفراد يهود أو غير يهود و/أو ضد ممتلكاتهم ومؤسساتهم ومواقعهم الدينية.. تعبيرات يمكن أن توجه ضد دولة إسرائيل التي تعتبر جماعة يهودية… وإنكار حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره والادعاء أن قيام إسرائيل جزء من مؤامرة عالمية.. مطالبة إسرائيل بأشياء لا تطلب من دول ديموقراطية ومقارنة سياساتها بالسياسات التي انتهجتها النازية ومنع اليهود من فرص أو خدمات ممنوحة للآخرين.

وربط هذا التعريف بشكل مباشر بين اللاسامية وبين الموقف من إسرائيل وحدد آلية وهامش التعامل معها وفي أي سياق يجب أن يأتي ووضعها في مكانة تجعلها في موقع أفضلية على الدول الأخرى ولم يكتف بمساواتها بها. ويرى البروفسور اليهودي المحاضر في الجامعة العبرية ديمتري شومسكي، أن التعريف الجديد لا ينحرف عن أهداف التحالف فقط الذي لا يعتبره متحيزا ومشوها من ناحية أيديولوجية فحسب بل إنه يعكس فشلا بحثيا عميقا وإفلاسا أكاديميا صرفا.

ووصف شومسكي التحالف بأنه إحدى الجهات التي تساهم في الرؤية المشوهة للاسامية في العالم. ويوافقه المحلل الصحافي جدعون ليفي الذي يقول في محاضراته وكتاباته إن هذا انتصار جديد للدعاية الصهيونية وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في أوروبا والولايات المتحدة مرجحا أنه سيجبر بلدان العالم على تجريم أي نقد موجه لإسرائيل بما في ذلك الاحتلال. كما سبق أن انتقد أكاديميون وكتاب وشخصيات عامة يهودية من بينها شخصيات حاصلة على “جائزة إسرائيل” التعريف الجديد في بيان وقعوا عليه ونشروه في الصحافة النمساوية، واعتبروا أن الربط بين اللاسامية ونقد إسرائيل يسيء أولا لضحايا النازية أنفسهم لأن جزءا منهم يعارض الصهيونية وينتقد إسرائيل ولأن هذه الصياغة تعطي إسرائيل حصانة من النقد بسبب خرقها لحقوق الإنسان وانتهاك القانون الدولي.

أمثلة عملية

ويستذكر بهذا المضمار موقع “محادثة محلية” الإسرائيلي المناهض للصهيونية أن رئيسة وزراء بريطانيا تريزا ماي أعلنت وقتها تبنيها للتعريف الجديد دون تحفظات وشهدت بريطانيا تحديدا أولى المعارك الداخلية الأشد وضوحا في استخدام التعريف الجديد للاسامية ضد زعيم حزب العمال جيرمي كوربين الذي يعد الأكثر صراحة في انتقاده لسياسات إسرائيل، إذ بعد أن فشلت محاولة إلصاق تهمة أنه عميل تشيكي وداعم للإرهاب ودمية بيد بوتين اهتدى خصومه إلى صفة اللاسامية رغم تاريخه العريق في محاربة اليمين المتطرف والعنصرية ومناهضته للحروب.

ويشير الموقع إلى أنه بعد بريطانيا، تبنت كل من النمسا وأستراليا والولايات المتحدة وإيطاليا وفرنسا التعريف الجديد لتضيف كل واحدة من هذه الدول صيغة خاصة بها لترجمتها على الأرض داخل حدودها في مواجهة التعبير الأكثر شيوعا للاسامية وهو انتقاد إسرائيل وسياساتها الاحتلالية ودعوات مقاطعتها التي تقودها حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات.

ومن ضمن الأمثلة العملية قول المدعي العام الأسترالي إن التعريف يجب أن يشمل حركات المقاطعة ضد إسرائيل، وتبعه مرسوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخاص بمكافحة معاداة السامية في الجامعات الأمريكية والذي يلزم وزارة التعليم بأن تعتمد التعريف الجديد المعتمد من قبل التحالف الدولي لذكرى المحرقة رابطا بين المبالغ التي تتلقاها الجامعات ورفض اللاسامية.

طريقة انتقائية

وينبه المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية أن إضافة عبارة “صيغة غير ملزم” للتعريف الجديد لا تخفف من الطريقة الانتقائية والصارمة التي يتم اعتماده فيها كمرجع وأداة لمحاربة معارضي الاحتلال الإسرائيلي ومنتقدي انتهاكاته لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة في العالم وتحديدا “حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات” التي أخذت بعدا عالميا وانتشرت بشكل واسع في أوساط الطلبة في الجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والحركات الحقوقية، وهو ما جعلها الهدف رقم واحد للحملات الإسرائيلية والمستهدف الأول من مقصلة التعريف الجديد الذي يصنفها في خانة الجهات التي تنكر شرعية وجود إسرائيل وحقها في الوجود.

كما أن محكمة الجنايات الدولية، التي قررت المدعية العامة فيها فاتو بنسودا فتح تحقيق في جرائم الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، واجهت ذات التهمة بصيغتها الطازجة التي أقرها التحالف الدولي ومن قبل رأس الهرم السياسي في إسرائيل بنيامين نتنياهو الذي علق على قرارها بقوله إنه “بمثابة ادعاء بأن لا حق للشعب اليهودي في أن يقيم في وطنه وهو ما يمكن وصفه بأنه لاسامية خالصة تماما مثل الادعاء بأن لا حق لليهود في الدفاع عن أنفسهم في وجه من يريدون إبادتهم”.

ويضيف: “إن قياس البون الشاسع ما بين التعريف الذي تبنته الأمم المتحدة في العام 1975 وما بين التعريف الحالي الذي أقره التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة، لا يكمن في التضاد بين الصيغتين، بل في التحول الذي شهده العالم والانحراف الشديد نحو اليمين والصيغ الأحادية والاستهتار بالمرجعيات الدولية والقانون الدولي والهجوم الحاد على الحريات”. وعلى خلفية ذلك يشار إلى أن رئيس الوكالة اليهودية إسحاق هيرتسوغ اعترف في الشهر الماضي بأن تبني التعريف الجديد سيمكن إسرائيل من العمل وفق مقاييس واضحة وموضوعية لماهية اللاسامية وهو ما تم ترجمته من خلال إطلاق مشروع عالمي في ذكرى المحرقة للمجمع القانوني الدولي من خلال إدارة حملة قانونية عملية تمكن من النضال ضد ظاهرة اللاسامية.

شرعنة الضم

ويؤكد الباحث مهند مصطفى استخلاص زميله الباحث عصمت منصور بضرورة التنبه إلى أن خطر التعريف الجديد لا يكمن في تضييق هامش الحريات وحرية التعبير ولا في إعطاء غطاء لجرائم الاحتلال وقمع أي انتقادات ضدها، بل هو فوق ذلك في شرعنة مشاريع الضم والتوجهات القومية المتطرفة ضد الفلسطينيين في الداخل.

وهذا ما عبر عنه الباحث في مركز مدار رائف زريق بالقول إن تبني التعريف الجديد سيؤدي إلى خنق النضال الوطني الفلسطيني وإلى تضييق مساحات المعارضة معتبرا أن المعركة في مواجهته معركة مهمة، لوقف التضخم الحاد في مفهوم اللاسامية وهو أمر ممكن من خلال عمل مشترك.

ودعا زريق للتفريق بين تعريف اللاسامية نظرياً وبين استخداماته السياسية، وأن أي مناهضة للعنصرية من حيث المبدأ مفيدة للفلسطينيين لأنهم ضحاياها. وقال إنه في المرحلة الحالية يرتبط الحديث عن اللاسامية سياسيا بمهاجمة الفلسطينيين ومشروعهم، بعد أن حولت إسرائيل بنيامين نتنياهو الموضوع إلى عنصر أساسي على الساحة الدولية، ويعبر أيضا عن احتكار اليمين الإسرائيلي للصهيونية، واحتكار صهيونية اليمين لوراثة اليهودية، وإن صهيونية المستوطنين هي الممثل الشرعي والوحيد لمناهضة السامية، وبهذا يتم إلغاء المسافة بين أن تقول لا للاسامية في أوروبا وبين أن تقول لا لسياسة الضم.

وركز زريق على ضرورة تفكيك تعريف اللاسامية الذي بلوره ما يسمى “التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة” ويجري تعميمه دوليا، الذي انعكس أثره في خطوات حكومية وتشريعية في عدة دول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى