الليبيّات يقتحمن المستقبل
كوليت بهنا

على مدى ما يقارب عشر سنوات، أي مع بداية التحولات السياسية التي طالت عدداً من بلدان العالم العربي، لم تتوقف بعض المواقع الإلكترونية المهتمة بالشأن النسوي أو الحسابات الشخصية لناشطات على مواقع التواصل الاجتماعي عن نشر الدعوات المتعلقة بأنشطة وفعّاليات خاصة تتمحور بمجموعها حول هدف رئيسي يعنى بتمكين المرأة.

فعاليات كانت تنظم من حين إلى آخر من قبل جهات رسمية متخصصة، ومع تبدل الظروف العامة التي فرضت احتياجات مستجدة أو طارئة ترافقت بتراجع ملحوظ للاهتمام الرسمي، تقدمت منظمات المجتمع المدني في عدد من البلدان للعب دورها في هذا المضمار، بل تفوقت في كثافة أنشطتها التي تتخذ شكل ورش عمل أو دورات تدريبية تختص بتمكين المرأة.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

بمراجعة عامة، يمكن تقييم أثر هذا التوجه المطلوب نحو تمكين المرأة  بالايجابي في المطلق، أسفر عن نتائج وتحولات هامة ملموسة، وبخاصة في الأماكن التي مازالت الأحداث فيها ساخنة مثل سوريا وليبيا واليمن، لما أفرزته الحروب في هذه البلدان من ضحايا أغلبهن من النساء اللواتي فقدن المعيل وبتن بحاجة إلى تعلم مهنة تساعد على استمرار الحياة.

لكن الملاحظ في هذا التوجه رغم إيجابياته العامة، أن العديد من هذه التدريبات أعادت تعريف المعرف للنسوة المستهدفات، بمعنى تمكينهن بأعمال أنيطت بهن تاريخياً واجتماعياً ويحترفنها تقليدياً في بيوتهن، مثل ورشات الخياطة والتطريز والحياكة أو أعمال الطهي، فيما حظيت بعض النخب النسوية بالتدريبات المتعلقة بالتمكين السياسي أو الحقوقي أو التقني أو الإداري.

لسد هذه الفجوة المتعلقة بالاحتياجات المضافة والطارئة لبعض المجتمعات، بدت واحدة من المبادرات العربية التي أطلقتها مدربة ليبية متخصصة في تطوير وتدريب المرأة  ملفتة ولمّاحة في نوعيتها، حيث أعلنت مؤخراً عن دورة تدريبية متخصصة  في مدينة بنغازي، هي الأولى من نوعها على مستوى ليبيا لتعليم المرأة أعمال النجارة والسباكة والكهرباء والطلاء.

وهي بادرة شهدت إقبالاً واسعاً من ليبيات طامحات لفرص عمل بعد أن فقدن معيلهن الوحيد جراء الحرب، ولقيت ترحيباً من نساء لايرغبن في إدخال رجال غرباء إلى بيوتهن للقيام بمثل هذه الأعمال، وبالتالي كسر احتكار الرجال لهذه المهن كما تشرح السيدة نسرين البشاري صاحبة الفكرة.

قد تبدو للبعض مثل هذه الأعمال وبخاصة الكهرباء والطلاء مجهدة بدنياً للنساء، كما يمكن أن تعرّضهن من الناحية الصحية والانجابية للخطر الناجم عن الاحتكاك المباشر بالمواد الخاصة المرتبطة بمثل هذه الأعمال. لكنها مخاطر يمكن التحكم بها وتجنبها ببعض التوعية الطبية والحرص، وستبدو في النهاية أخف وطأة من المخاطر الاجتماعية العنيفة الناجمة عن تأثير الفقر والحرب، وأبرزها الجوع الذي يمتهن كرامة المرأة مع أطفالها.

كما أن اقتحام المرأة لسوق العمل في مجتمع محافظ في طبيعته مثل المجتمع الليبي، خطوة بنّاءة وضرورية ترفد نجاحها السياسي الأخير في الحصول على خمس مقاعد وزارية هامة، وتساهم  مستقبلاً في سدّ الاحتياجات والأضرار الناشئة عن الحرب. وهو اقتحام سبق لملايين النساء في مجتمعات غربية عانت من حروب ضارية مثل ألمانيا على سبيل المثال أن أقدمن عليه أول الأمر بدافع الاحتياجات التي فرضتها هذه الحروب.

لكنه أفضى لاحقاً إلى نشوء قوة عاملة جديدة، انضمت إلى القوى العاملة من الذكور جنباً إلى جنب، توحدتا في مطالبهما وحقوقهما العمالية من جهة، كما رفدت مطالب الحركة النسوية العالمية وحقوقها من جهة أكثر شمولية. وهو مايؤمل منه عبر التوجه نحو تمكين المرأة العربية في ظل التحولات السياسية الحالية، بحيث لا ينحصر هذا التمكين باحتياجاتها الاقتصادية أو المعيشية الآنية فقط، بل السعي إلى خلق مسارين متوازيين، العمل وتثقيفها حقوقياً، بما يخدم المساواة وعدم التمييز كقضية نسوية جوهرية.

بديهي أن تمكين المرأة، العربية بشكل خاص، رحلة شاقة مازالت تلقى مناهضة صعبة، وبخاصة من أولئك الذين يروجون أنها بدأت تفقد غنجها ونعومتها، وأنها بدأت رويداً رويداً تسترجل وتفقد أنوثتها. رغم أن الشواهد كثيرة وتزداد يوماً بعد يوم، لنساء مدهشات في قواهن الخاصة وتمكّنهن من خلق التوازنات، بحيث تبدو أكثر النساء جاذبية ولطفاً هنّ المستقلات اقتصادياً وقويات الشخصية، وهل هناك من مثالين طازجين في هذا الصدد أبرز من السيدة جاسيندا أرديرن رئيسة وزراء نيوزيلاند على المستوى العالمي، ورئيسة الدبلوماسية الجديدة السيدة نجلاء المنقوش على المستوى الليبي النسوي الواعد؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى