المحافظون والعمال يتنافسون على صداقة إسرائيل رغم جرائمها

السياسي – تناول الكاتب جوناثان كوك، على موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، حظر بريطانيا لحركة حماس، وتصنيفها منظمة إرهابية، قائلا، إن حزبي المحافظين والعمال يتنافسان على صداقة إسرائيل، رغم أنها دولة فصل عنصري، وترتكب جرائم بشعة.

وأضاف كوك بالرغم من أن حزب العمال البريطاني أحرز تقدما صعبا على مدار أربعين عاما في موضوع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وأصبح بإمكانه انتقاد إسرائيل وسلطتها الغاشمة، إلا أن هذه المكاسب تلاشت بين عشية وضحاها.

وتاليا النص الكامل للمقال :

حين يتعلق الأمر بإسرائيل فإن السياسة البريطانية تتراجع إلى الوراء. وها هي المكاسب التي تحققت على مدى عقود وأمكن بفضلها انتقاد إسرائيل وسلطتها الغاشمة على الفلسطينيين يتم إبطالها بين عشية وضحاها – وفي داخل كلا الحزبين.

ولا أدل على ذلك من تتابع سلسلة من الأحداث سراعاً خلال الآونة الأخيرة، ومنها:

كلا الحزبين، حزب المحافظين الحاكم وحزب العمال المعارض، نددا بقوة باحتجاج نظم في الشارع ضد تسيبي هوتوفلي، سفيرة إسرائيل اليمينية المتطرفة لدى المملكة المتحدة، والتي تعد من زعماء حركة الاستيطان غير القانوني وممن ينكرون التاريخ الفلسطيني.

زعم كبار السياسيين في جانبي البرلمان أن الاحتجاج كان معاد للسامية، بل واعتبروه – في لحظة من قمة النشاز المعرفي – هجوماً على حرية التعبير.

ثم، في الأسبوع الماضي، انضم زعيم حزب العمال السير كير ستارمر إلى هوتوفلي متحدثاً على المنصة في دفاع عن إسرائيل. حيث أزال كل الفوارق بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية، واصفاً إسرائيل بأنها منارة للديمقراطية، وذلك في تحد صارخ للقرار الذي صدر مؤخراً عن حزبه واعتبر إسرائيل دولة فصل عنصري. بل ذهب إلى حد التنديد بكافة أشكال النشاط المتعاطف مع المقاطعة، بما في ذلك تلك التي تستهدف مستوطنات إسرائيل غير القانونية.

وبعد ذلك بوقت قصير، وفي تحرك روجت له الشخصيات الكبيرة داخل الحزب باعتباره جزءاً من “مواجهة معاداة السامية”، أعلنت حكومة المحافظين عن توجهها نحو حظر حماس “بأسرها”، بما في ذلك جناحها السياسي، متوعدة كل من يوفر منصة لزعمائها بالسجن لفترة قد تصل إلى عشر سنين.

من الملاحظ أن حزب العمال لم ينطق ببنت شفة للاحتجاج رسمياً على الحظر – وما من شك في أن صمت وزراء الظل فيه يعبر عن تأييدهم لتصنيف حماس منظمة إرهابية، رغم أنها تمثل شريحة ضخمة من الفلسطينيين الذين يعيشون في ظل احتلال عسكري إسرائيلي لا يبدو أنه له نهاية.
دلالة هذا الهجوم الكاسح والشامل من قبل الحزبين السياسيين على حقوق البريطانيين في الوقوف تضامناً مع الشعب الفلسطيني تحتاج لأن توضع في سياق تاريخي وسياسي.

انتصارات تحققت بشق الأنفس

يتم الآن التراجع بعجالة عن انتصارات تحققت بشق الأنفس على مدى عقود.
بدأ النشطاء في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين يتحدون ما كانت ترسمه وسائل الإعلام على نطاق واسع من صورة للاحتلال العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية باعتباره نموذجاً للإحسان والاستنارة. ثم ما لبث الناس أن أدركوا أخيراً مدى بشاعة ووحشية الاحتلال بعد انتهاج إسرائيل لسياسة “كسر عظام” الفلسطينيين الذين كانوا يشاركون في الانتفاضة الشعبية السلمية ضد الاحتلال، وهي الانتفاضة التي انطلقت شرارتها أواخر عام 1987.

تصادف هذا التوجه مع بروز حركة مقاطعة إسرائيل، والتي تشبه تلك الحركة التي استهدفت من قبل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وكما في تلك الحالة، تزايد الوعي بأن إسرائيل تحظى بمساعدة جماعات ضغط قوية في العواصم الغربية الرئيسية تسعى لتحصينها من التعرض لأي نقد.

بعد أن أعاقت إسرائيل محادثات أوسلو للسلام في عام 2000، ثم قامت بكل وحشية بإخماد الانتفاضة الفلسطينية الثانية، انتقل التركيز لينصب على إسرائيل ذاتها. أثيرت تساؤلات للمرة الأولى حول ما إذا كانت توجد مشاكل جوهرية سياسية وقانونية وأخلاقية في هذه الدولة التي تعلن عن نفسها بأنها “يهودية” وتعرف نفسها بناء على الانتماء العرقي والطائفي.

وصلت هذه العملية الطويلة والبطيئة ذروتها بصدور تقارير في وقت مبكر من هذا العام عن منظمتين حقوقيتين رئيسيتين – إحداهما إسرائيلية هي بيتسيلم والأخرى دولية هي هيومان رايتس واتش – تم فيها تصنيف إسرائيل على أنها دولة فصل عنصري.
بدا لبرهة وجيزة كما لو أن النقاش بخصوص إسرائيل قد وصل أخيراً إلى درجة من الوضوح والشفافية.

ضغوط مقابلة

من خلال العمل مع مؤسسة الحكم البريطانية ووسائل الإعلام المملوكة لكبار الأثرياء، أحرزت مجموعات مناصرة لإسرائيل نجاحاً بارزاً ضد جيريمي كوربين بعد فوزه في الانتخابات زعيماً لحزب العمال في عام 2015. فعلى الرغم من سجله البطولي في الدفاع عن القضايا المناهضة للعنصرية، إلا أن كوربين تعرض للتشهير واتهم بمعاداة السامية لمجرد تأييده للعدالة للشعب الفلسطيني. ثم قام خليفته في الزعامة، كير ستارمر، بتعليق عضويته في الحزب.

على خلفية تلك الحملة تمكنت مجموعات مناصرة لإسرائيل من الدفع قدماً بتعريف جديد لمعاداة السامية – وهو في الأصل تعريف روجت له من وراء الكواليس الحكومة الإسرائيلية – غايته تحويل التركيز بعيداً عن حماية اليهود من الكراهية إلى حماية إسرائيل من النقد.

وسرعان ما تقوضت الانتصارات الصغيرة التي تحققت عبر عقود دعماً للقضية الفلسطينية العادلة.
والنتيجة؟ ما أشبه اليوم بالبارحة، فقد عاد حال النقاش على المستوى الوطني حول إسرائيل شبيهاً بما كان عليه في ثمانينيات القرن العشرين، ولم يعد مطروحاً للنقاش على الطاولة أي شيء يتعلق بكون إسرائيل نظام فصل عنصري، أو بممارسات مجموعات الضغط القوية الموالية لها، أو بدعم حركة المقاطعة. والأسوأ من ذلك أن حزب العمال، مثله مثل حزب المحافظين، بات مرة أخرى متردداً حتى في انتقاد الاحتلال.

ولقد تجلى ذلك بوضوح هذا الشهر عندما ندد الحزبان بحماسة منقطعة النظير بالاحتجاج الذي استقبلت به السفيرة الإسرائيلية هوتوفلي أمام معهد الدراسات الاقتصادية في جامعة لندن. فبعد أن ألقت محاضرتها خرجت مسرعة لتركب سيارة كانت في انتظارها بينما هتف جمع من الناس في وجهها: “عار عليك” و “فلسطين حرة”.

كانت لدى المحتجين مبررات قوية للتجمهر أمام معهد الدراسات الاقتصادية، فالسفيرة هوتوفلي تحمل رؤى متطرفة جداً، حتى بمقاييس السياسة الإسرائيلية.

وكان تعيينها سفيرة في العام الماضي قد أثار خلافاً شديداً لدرجة أن المئات من اليهود البريطانيين أعربوا في خطوة غير مسبوقة علانية عن معارضتهم لذلك التعيين. وفي الشهر الماضي نظمت “نعمود” وهي جمعية يهودية معارضة للاحتلال، احتجاجاً صامتاً في الذكرى السنوية الأولى لتعيين هوتوفلي، ورفع المحتجون يافطات كتب عليها “العنصرية ليست كوشير” و “توقفوا عن استضافة هوتوفلي”.

قبل أن تصبح سفيرة، شغلت هوتوفلي منصب أول وزيرة لشؤون الاستيطان. ومثلها مثل بقية من ينتمون إلى اليمين في إسرائيل، ترى في هذه المستعمرات غير القانونية، والتي تقتصر حصرياً على اليهود، أسلحة لانتزاع الأرض من الفلسطينيين وحرمانهم من أي أمل في أن تقوم لهم ذات يوم دولة فلسطينية.

لا تخفي هوتوفلي كراهيتها وعداءها للإسلام والمسلمين وتجهر بإنكارها تاريخ الشعب الفلسطيني. وفي شهر ديسمبر من العام الماضي وصفت النكبة بالكذبة العربية، رغم أن طرد مئات الآلاف من الفلسطينيين من أراضيهم في عام 1948 من قبل دولة إسرائيل التي كانت قد تكونت للتو مثبت بالوثائق ولا سبيل لإنكاره.

كما تدعم هوتوفلي الجماعات المتطرفة التي تؤمن بالنقاء العرقي، مثل ليهافا التي تناضل من أجل منع التزاوج بين اليهود وغير اليهود، وتتبجح بالتفوق الديني اليهودي الذي يدعي أصحابه أحقيتهم في امتلاك كل فلسطين التاريخية. وعبرت في خطاب لها في عام 2015 عن رفضها لحل الدولتين قائلة: “هذه الأرض لنا، كلها لنا. ولم نأت هنا لكي نعتذر عن ذلك.”
لم تستجب السفيرة الإسرائيلية لطلب موقع ميدل إيست آي التعليق على هذا التقرير قبل نشره.

مشاعر جريحة

أعرب زعماء الجالية اليهودية عن ذعرهم من احتمال تعيين هوتوفلي سفيرة لإسرائيلي في بريطانيا. وحذر جريمي بيتشام، عضو مجلس اللوردات عن حزب العمال، من أن تعيينها “لن يساهم في كسب الأصدقاء داخل بريطانيا – ولا حتى في أي بلد آخر معقول”.

ولكن كم يبدو ذلك التقدير خاطئاً الآن، إذ أن هوتوفلي ليست فقط موضع ترحيب من المنظمات اليهودية الرائدة في البلد، بل غدت تعامل كحليف موقر من قبل حزبي العمال والمحافظين على حد سواء.
لا قيمة إطلاقاً للحديث عن أن مشاعرها ربما تكون قد جرحت بسبب الاحتجاج الذي نظم ضدها، وهي التي ساهمت سياساتها في تحويل حياة ملايين الفلسطينيين إلى جحيم.

كما هو متوقع، أعربت وزيرة الداخلية بريتي باتيل عن اشمئزازها من الوقفة الاحتجاجية، واعتبرتها مكافئة لمعاداة السامية، حيث قالت: “لا وجود لمعاداة السامية في جامعاتنا ولا في بلدنا. ولسوف أستمر في بذلك كل ما هو ممكن للحفاظ على أمن وسلامة الجالية اليهودية من التخويف والتضييق والأذى”.

ينبغي ألا نحتاج إطلاقاً للتأكيد على أن الاحتجاج ضد الرؤى العنصرية لمسؤول في الحكومة الإسرائيلية لا علاقة له إطلاقاً بمعاداة السامية ولا يهدد سلامة الجالية اليهودية بأي شكل من الأشكال.

إن افتراض باتيل أن هوتوفلي تمثل يهود بريطانيا – وما يوحيه كلامها من أنها موجودة في بريطانيا للمساعدة في حمايتهم – هو معاداة السامية بعينها. فالهجوم على هوتوفلي ليس هجوماً على اليهود البريطانيين لأن إسرائيل لا تمثل اليهود البريطانيين، وإنما تمثلهم الحكومة البريطانية بينما لا تمثل إسرائيل سوى الإسرائيليين.

ورغم وضوح هذه الفكرة إلا أن حزب العمال ضل عن رؤيتها كذلك. فقد وصفت ليزا ناندي، وزيرة خارجية الظل، الاحتجاج ضد هوتوفلي بأنه “مفزع” واعتبرت الوقفة الاحتجاجية “محاولة لإسكاتها”، بينما كرر نيك توماس سايموندز، وزير داخلية الظل، نفس عبارات وزيرة الداخلية حين قال ملطخاً سمعة المحتجين: “معاداة السامية لا مكان لها في مجتمعنا”.

خطاب العار

بعد أيام، بادر زعيم حزب العمال كير ستارمر بالتعبير عن مزيد من الدعم لهوتوفلي، حين شاركها المنصة في مناسبة نظمتها مجموعة أصدقاء إسرائيل في حزب العمال، وهي مجموعة ضغط مناصرة لإسرائيل بدون قيد أو شرط.

وكان خطاب عار أعاد عقارب الساعة إلى الوراء، كما لو أن أربعين عاماً من البحث العلمي الذي كشف عن الجرائم التاريخية البريطانية والإسرائيلية ضد الفلسطينيين لم تكن.

ما ورد في الخطاب من أفكار رئيسية كان بمثابة تحد على المكشوف للموقف الذي تبناه مؤتمر حزب العمال قبل شهرين حين أعلن أن إسرائيل دولة فصل عنصري وطالب بفرض المقاطعة على المستوطنات الإسرائيلية.

ادعى ستارمر الفضل لحزب العمال عن التقليد الاستعماري الذي أفضى إلى وعد بلفور في عام 1917، وهو الوعد الذي التزمت بموجبه بريطانيا بمساعدة اليهود الأوروبيين في استعمار فلسطين وتشريد الفلسطينيين، سكانها الأصليين، منها. وأشار في هذا الصدد قائلاً: “منذ أيامنا الأولى – وحتى قبل وعد بلفور – دعمنا إقامة وطن يهودي في فلسطين”.

وفي تكرار لما قالته هوتوفلي، أنكر ستارمر ممارسة دولة إسرائيل الوليدة للتطهير العرقي ضد الفلسطينيين في عام 1948. وتحدث عن الجيل المؤسس الذي أشرف على الاقتلاع المنتظم للفلسطينيين من وطنهم باعتبارهم “رفاقاً في النضال الدولي من سبيل المساواة والسلام والحرية”.

واعتبر ستارمر أن تدمير إسرائيل لمئات القرى في عام 1948 وزراعة الغابات محل المنازل الفلسطينية المدمرة للحيلولة دون عودة سكانها إليها كان بمثابة تحويل الصحراء إلى جنة غناء – وهو الزعم الذي كان الصهاينة تاريخياً يكررونه ولم يبق متمسكاً به سوى أتباع اليمين الإسرائيلي.

وتفاخر بأن مثل هذا الإنكار لواقعة النكبة موقف تقليدي لحزب العمال، مشيراً إلى كتاب مكون من مجموعة من المقالات التي كتبها زعماء حزب العمال ونشر قبل ما يقرب من خمسين عاماً قائلاً إنه عازم على إعادة الاعتبار لذلك الإرث الفكري.

وفي تجاهل لتقارير كل من بيتسيلم وهيومان رايتس واتش التي تصنف إسرائيل على أنها دولة فصل عنصري، وكذلك في تجاهل للموقف الذي اتخذه حزبه في مؤتمره الأخير، احتفى ستارمر بدلاً من ذلك بإسرائيل باعتبارها “ديمقراطية صعبة المراس” تلتزم بسيادة القانون، الأمر الذي يعتبر خبراً جديداً بالنسبة للأقلية الفلسطينية الكبيرة داخل إسرائيل، والتي يعتبر أبناؤها مواطنين من الدرجة الثانية بموجب قانون الدولة القومية الذي سنه حزب هوتوفلي في عام 2018.

أما حصار إسرائيل المستمر منذ خمسة عشر عاماً لقطاع غزة والحروب المتكررة التي تدمر البنية التحتية بموجب عقيدة الضاحية لدى الجيش الإسرائيلي، والتي تعيد القطاع شديد الازدحام إلى “العصر الحجري”، فقد اختزله ستارمر بشكل عابر في كونه “أزمة إنسانية” يفترض في إسرائيل أن تعمل على معالجتها.

“نظرة مانوية”

مثله مثل سابقيه، يتطلع ستارمر – ولا أكثر من مجرد التطلع – إلى إقامة دولة فلسطينية، وهي الدولة التي عملت إسرائيل كل ما في وسعها للحيلولة دون قيامها على مدى نصف قرن من الزمن. ولكنه قال إن أولئك الذين اعتبروا أولويتهم هي النضال لتحرير الفلسطينيين من الاحتلال الإسرائيلي يقعون في قبضة “نظرة مانوية” تمنعهم من نصرة إسرائيل أو نصرة فلسطين أو نصرة السلام”.

هؤلاء، كما أوحى ستارمر بقوة، وكما قرر في مواضع عديدة في خطابه، إنما هم معادون للسامية.
وفي معرض حديثه صاغ زعيم حزب العمال مصطلح “معاداة السامية المعادية للصهيونية” – والتي بدا أن الهدف منها هو الخلط بين الانتقادات الموجهة لأيديولوجيا التفوق العنصري اليهودي التي تتبناها دولة إسرائيل والعنصرية الموجهة ضد اليهود. علينا أن نتذكر أن التفوق العرقي هو السبب الذي حفز منظمتين حقوقيتين على تصنيف إسرائيل دولة فصل عنصري.

يضع هذا الخلط ستارمر في معسكر الجناح الأكثر تطرفاً داخل اللوبي المناصر لإسرائيل، والذي سعى لإخماد كل صوت ناقد للصهيونية داخل حزب العمال بدءاً من كوربين وصولاً إلى قواعد الحزب، من خلال اتهامهم بأنهم معادون سريون للسامية.

وهذا الخلط هو القوة المحفزة التي تقف من وراء استمرار عمليات التطهير داخل حزب العمال ضد الأعضاء المتهمين بمعاداة السامية، وكثير منهم من اليهود الذين ساندوا كوربين. في الأيام الأخيرة قام الحزب بطرد غراهام باش، اليهودي المعادي للصهيونية وعضو حزب العمال منذ خمسين عاماً، كما طرد جو بيرد، وهو يهودي وعضو مجلس بلدي عن حزب العمال في بلدة ويرال.

من ضمن ما قاله ستارمر في خطابه: “معاداة السامية المعادية للصهيونية مناقضة تماماً للتقليد العمالي، فهي تنكر الحق اليهودي في تقرير المصير”.

أثارت تلك العبارة، وبحق، ردود فعل غاضبة من قبل اليهود البريطانيين اليساريين مثل الصحفية رفقة براون، والتي وصفت زعيم حزب العمال بأنه “معاد للسامية”، وفسرت ذلك قائلة: “من خلال خلطه المفتقر للياقة بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية فإنه يوحي بأن جميع اليهود يريدون دولة قومية، وبأن من لا يريدون ذلك منا فإنهم كارهون للذات”.

وبالفعل، بدا ستارمر كما لو أنه يدافع عن فكرة أن تقرير المصير بالنسبة لليهود يمكن أن يعبر عنه فقط بشكل جماعي (ديني أو عرقي)، وأنه ينبغي أن يكون متجذراً في دولة إسرائيل، على الرغم من التطهير العرقي الذي تمارسه إسرائيل بحق الفلسطينيين من أجل أن يصبح تقرير المصير اليهودي ممكناً.

وانطلاقاً من منطقه هو في الحديث عن تقرير المصير، يمكن أن يتهم ستارمر كذلك بأنه يعبر عن عنصرية معادية للفلسطينيين. فعلى مدى عقود، لم تلبث إسرائيل تنكر حق الفلسطينيين في أن تكون لهم دولة خاصة بهم وفي نفس الوقت ترفض الاشتراك معهم في دولة واحدة. وحولت إسرائيل من خلال ذلك عن قصد وسابق إصرار تقرير المصير إلى قضية دينية صفرية المآل، وذلك من خلال التصرف كما لو أن تقرير المصير لا يكون إلا لليهود أو للفلسطينيين ولكن ليس لكليهما. بالرغم من ذلك الموقف، أثبت ستارمر أنه يقف بكل حزم إلى جانب إسرائيل في تلك المعركة المفترضة بين تقريرين للمصير.

ولم ينته الأمر عند ذلك. ففي تكرار لحديثه السابق ضد ما اعتبره “معاداة للسامية معادية للصهيونية” اتهم ستارمر من يقفون وراء حركة المقاطعة باستهداف الدولة اليهودية الوحيدة في العالم، ووحدها دون غيرها.

ويكون بذلك قد أوحى بأنه سيكون من معاداة السامية أن يصوت مندوبو حزب العمال – كما فعلت الأغلبية منهم – لصالح مقاطعة المستوطنات كوسيلة ملموسة وغير عنفية لمعاقبة إسرائيل على رفضها الانخراط في صناعة السلام.

إقرار صامت

في هذا الوقت تبدو حكومة المحافظين عازمة على سد الطريق في وجه أي فرص لصناعة السلام في الشرق الأوسط – ويساندها في ذلك حزب العمال بقيادة ستارمر.

أعلنت وزيرة الداخلية بريتي باتيل في الأسبوع الماضي عن إجراء جديد ضد حماس، التي تعد إحدى أكبر حركتين سياسيتين تمثلان الفلسطينيين، مصنفة إياها منظمة إرهابية بكل مكوناتها – أي بما في ذلك الجناح السياسي. وبذلك فإن أي بريطاني يتواصل مع زعمائها السياسيين – كما فعل كوربين في الماضي – فإنه سيكون عرضة للسجن للمدة طويلة.

يبدو أن حزب العمال أقر مشروع باتيل الذي سيفضي إلى اعتبار قطاع كبير من الفلسطينيين أنصاراً للإرهاب.

لم يستجب أي من الحزبين لطلب ميدل إيست آي التعليق على هذا الأمر.

ويوصد التحرك الأخير بإحكام الباب في وجه الجهود التي تبذل لمحاكاة عملية السلام التي أنجزها طوني بلير بين الكاثوليك والبروتستانت في إيرلندا الشمالية في تسعينيات القرن الماضي. لم يتسن توقيع اتفاق السلام في 1998 إلا بعد أن أغرى بلير جميع الأحزاب، بما في ذلك الشين فين، الجناح السياسي للجيش الجمهوري الإيرلندي، بالجلوس إلى طاولة المفاوضات.

وبعد أن عين مبعوثاً للسلام في الشرق الأوسط عام 2007 التقى بلير بزعماء حماس في محاولة لتكرار ذلك النجاح.

أما بالنسبة لحزبي المحافظين والعمال اليوم، فإن ممارسة الضغط على إسرائيل لحملها على تقديم أي نوع من التنازلات السياسية للفلسطينيين لم يعد وارداً. وبدلاً من ذلك أعلن ستارمر في كلمته التي ألقاها الأسبوع الماضي أن إسرائيل “صديق حقيقي” وكشف عن أن أولويات بريطانيا هي الفوائد المكتسبة من “التبادل التجاري الذي يزيد عن 8 مليار جنيه إسترليني” وكذلك “التعاون الأمني والاستخباراتي” في الشرق الأوسط.

بالنسبة لستارمر، يبدو أن الفلسطينيين وأنصارهم داخل حزبه باتوا عقبة في طريق مزيد من الازدهار في تلك الصداقة. وبالنسبة للفلسطينيين يعني ذلك أن المكاسب السياسية التي تحققت خلال عقود من النضال والتضامن قد تلاشت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى