المحاكمة التي لم تتم
بقلم مهند طلال الاخرس

المحاكمة التي لم تتم رواية تسجيلية ضخمة تقع على متن 575 صفحة من القطع المتوسط للكاتب عاصم المصري، وهي من اصدارات الفرات للنشر والتزيع في بيروت بطبعتها الاولى سنة 2002.
الكتاب يسميه صاحبه بالحوارية، رغم انه يأخذ صفة الرواية بإقتدار. وبعيدا عن الخوض في نوع الجنس الادبي لهذا الكتاب، فما يعنينا هنا بانه عمل ادبي متقن، ويتسم بالقيمة الوطنية والمعرفية الرفيعة، علاوة على كونه عمل توثيقي وتاريخي ضخم يستحق الثناء والاقتناء.
الكتاب/الرواية يتناول الجوانب المسكوت عنها للصراع العربي الاسرائيلي، فهو يتناول اصل الصراع واسسه وخلفياته الدينية والتاريخية والاجتماعية، ومراحله ومداخله المتعددة والمتشعبة والمعقدة، وذلك من خلال مدخل وحدث مهم يتمثل في عملية ميونخ الفدائية، وهي العملية التي قامت بها منظمة ايلول الاسود في مدينة ميونخ الالمانية أثناء دورة الالعاب الأولمبية عام 1972، حيث قام أفراد من منظمة أيلول الأسود باقتحام القرية الاولمبية ونجحوا باحتجاز أفراد الفريق الأولومبي الإسرائيلي كرهائن بغية مبادلتهم باسرى فلسطينييون وعرب في سجون الاحتلال الاسرائيلي، واسفرت العملية في النهاية عن مقتل 11 رياضي إسرائيلي، 9 منهم خلال عملية الإنقاذ الفاشلة التي قام بها الألمان والقوات الاسرائيلية الخاصة، بالإضافة إلى ضابط شرطة ألماني. كما استشهد 5 من الخاطفون الثمانية على يد قوات الشرطة أثناء محاولة الإقتحام وتحرير الرهائن، هذا بالاضافة الى الخسائر المادية وتفجير الطائرات. وبالنتيجة أطلقت ألمانيا سراح الخاطفين الثلاثة الناجين إثر عملية خطف لطائرة تعود لشركة لوفتهانزا الألمانية.
في الكتاب/الرواية يتم استعراض الخلفية التاريخية والدينية للصراع مع الصهيونية وهذا الطرح يستتبع مداخل وحوارات ثانوية بالاضافة الى اسباب ودوافع المتهمين ورغبتهم في توكيل هانس غلوبنكة بالذات دون غيره، وهذه الاسباب يكشف عنها الكاتب في ثنايا الرواية، فهانس هو احد واضعي قوانين محكمة نورنبيرغ الشهيرة ، وهو ايضا احد المدعين العامين فيها، بالاضافة الى اسباب اخرى تبوح بها الرواية…
تبدا فصول الرواية بحبس الانفاس والتشويق عند طرح بطل الرواية هانس غلوبنكة رغبته بالتوكل والمرافعة في هذه القضية على زملائه بشركة المحاماة التي يعمل بها، وهنا تبدا الفصول الاكثر تعقيدا وكثافة في الرواية، حيث تدور نقاشات حامية وصاخبة بين مجموعة المحامين للوصول الى نتيجة بقبول القضية او رفضها، وخلال هذه الحوارات ينجح الكاتب بتوظيف العديد من الحقائق والقرائن والادلة التي تتكفل بدحض زيف الادعائات الاسرائيلية وكذبها وتدليسها على العالم الغربي ولا سيما الالمان بالذات، هذا عداك ايضا عن تفرع الحوارات ووصولها لاتهام المانيا بمساعدة اليهود على اقامة دولتهم، وذلك من خلال الدعم المالي والعسكري وتعويضات الحرب والهجرة والقبول بالرواية الصهيونية التوراتية ومحاولة تصديرها على انها منزلة ومصدقة علاوة على تأطيرها ضمن قوانين تسمح بتجريم كل من ينكرها لا سيما فصول واحداث المحرقة النازية بحق اليهود، وهو فصل لا يقل اهمية عن فصل دحض الرواية الصهيونية واثبات كذبها وزيفها بالاضافة الى تقديم براهن علمية وادلة وشهادات تثبت زيف كل الادعاءات التي رافقت كذبة المحرقة وصولا لنفي وتكذيب المحرقة نفسها.
تتطور الاحداث وتتسارع في حبكات روائية متصاعدة ينجح من خلالها الكاتب في توظيف كل مايريد دون ان يثقل على النص او يسمح له بالذهاب بعيدا عن الفكرة المرجوة والهدف المقصود من هذه الرواية.
تبدأ الراواية بفصل مهم يشكل عصب الرواية وفكرتها الاساسية من خلال محاكمة اسرائيل والصهيونية ومسانديها وداعميها بدل محاكمة الفدائيين منفذي العملية.
وقد احسن الكاتب صُنعا وابدع بإنتقائه هذه الحبكة (المحاكمة)، واحسن صنعا وتميز بقدرته على التوظيف للافكار والمصطلحات والمرويات والنصوص الدينية والتاريخية وفي استعراض الوثائق والشهادات وفي طرح اسماء العديد من الكتب والمصادر والمراجع اللازمة لصحة الحوار ورصانته بغية الوصول للحقائق الدامغة والتي تستهدف ضحد الرواية الصهيونية وكذبها وتلفيقها.
كذلك احسن الكاتب وتميز في ابتداع الشخصيات اللازمة لانجاح الحوار وغناه بالمعلومات والنصوص والاحداث، وايصال الفكرة المرجوة من كل هذا ومن الرواية بمجملها الى القاريء والمتلقي.
تتصاعد احداث الرواية وتبدأ فعليا عندما يبدأ هانس غلوبنكة بسماع اسباب ودوافع الفدائيين للقيام بالعملية، وحينها تبدا مرحلة عرض النكبة واحداثها المتنوعة من خلال قصة وسيرة كل عائلة من عائلات الفدائيين، من خلال حوارية تدور على لسان الفدائيين في معرض اجابتهم عن اسباب ودوافع العملية.
فالكتاب/الرواية يتناول العملية الفدائية ليس من خلال تفاصيل العملية والاعداد والتنفيذ لها، -فهو يتعرض لاحداث العملية بايجاز- فالكتاب/الرواية يتناول العملية من خلال نص تخيلي تدور احداثه في اروقة القضاء، وذلك من خلال تخيل الماحكمة واجرائاتها، وتلك الاحداث وتفاصيلها تبدا على لسان المحامي الالماني هانس غلوبنكة عند الصفحة ٢٧، حيث تأتيه رسالة من مدعي عام ولاية بفاريا لحضور التحقيق مع منفذي عملية ميونخ بغية التوكل للترافع عنهم في هذه القضية.
وقبل ان يلبي المحامي هانس غلوبنكة الطلب والموافقة على التوكل عن المنفذين (الفدائيين) يشرع بالتفكير والتدبير والمشاورة، وخلال هذه المرحلة تبدا احداث المحاكمة المُتخيلة، واثناء مشاوراته والتفكير في قبوله للقضية والمرافعة عن المتهمين تبدا الاسئلة والحوارات المعمقة عن الاسباب والدوافع التي دفعت المنفذين للقيام بهذا العمل، فيتم اولا الاستفهام عن سبب تسمية العملية باسم اقرت وكفر برعم؟ ص ٧٣-٨٤.
ثم يلتقي المحامي هانس غلوبنكة بحضور هيئة الدعم والاسناد والمؤازرة مع المتهم الاول ص ٨٥-١٢٤ فيتناول تفاصيل حياته وتدور الاحداث والتفاصيل حول المقاومة ومشروعيتها واساليبها وحول سيرة الفدائي المتهم واصل عائلته وجذوره والنكبة والتشريد واللجوء وعن سبب التحاقه بصفوف الثورة ابتداء، وعن تعسف اسرائيل في الاعتقال والتعذيب والابعاد فيقول المتهم الاول في ص ١١٢:” حين تجد القناعة التامة بالرغبة في استلامها، وفق المستوى الذي جمعت وركزت فيه مواهبك للايقاع بمجرمي الحرب النازيين، سنوقع لك توكيل الدفاع. بعدها لا يهمنا كيف وبماذا سيحكم القضاء. فنحن نعرف مدى تغلغل النفوذ الصهيوني، ومع ذلك سنضع بين يديك البراهين والوثائق التي قد تساعدك اذا قررت معالجة القضية من منظور العدل الانساني…
فيرد المحامي هانز: ” الا تتوقع فشلنا في تبرئتكم وان نتواطأ ضدكم؟
فيجيب الفدائي:” نحن لا تهمنا البراءة، وما فعلناه هو نضال يومي مستمر وسنقوم بمثله او بغيره حتى يتم تحرير وطننا. دوركم هو قدرتكم على تنبيه العالم لقضيتنا، ولفت انظار حكومات المجتمعات الغربية الى جرائم الكيان الصهيوني..”.
وهذا ما حصل ايضا مع المتهم الثاني على متن الصفحات ١٢٧-١٦٨ تقريبا مع اختلاف مضمون الحوارات والاسئلة الموجهة والاجابات المتمخضة عنها، وفي هذا السياق يقول المتهم الثاني سامر :” فأنت المدعو لاستخراج العبر ان وجدت فيما ساقصه عليك معطيات وسوف أساعدك في تكوين مرافعتك فيما بعد، كل ما يهمنا ان تتفهم قضيتنا، وان يكون دفاعك عنها لا عنّا” ص ١٢٩.
ثم تدور حوارات اخرى عن اخوان الصفا ص ١٢٩ والمخيم ص١٣٦، ودعم المانيا للكيان الصهيوني ص ١٣٩، وتعاليم النازية والصهيونية والتطابق بينهما ص ١٤٠، وعن صحة التوارة من عدمها ص ١٤٢، وعن سيدنا ابراهيم وموسى ونوح، وعن مجزرة قلقيلية ص ١٤٨، وجابوتنسكي الاب الحقيقي للصهيونية ص ١٤٩، وعن صك الانتداب وسبب اصطناع الكيان الصهيوني واقامة دولته في هذا المكان بالذات ص١٥١ وص ١٥٦ وص ١٦٠.
ونفس الامر مع المتهم الثالث سعود بدران ص١٦٩-٢٠٠ ، وفي هذا الفصل يجيب المتهم سعود عن احد اسئلة المحامي هانز ص ١٧٤ فيقول:” نحن لم نعتدعلى المنشآت والاراضي الالمانية، وانما احتجزنا الفريق الرياضي الصهيوني، لاننا نعتبرهم جنودا متستعمرين احتلوا وطننا وهجرونا، وحكومتكم الالمانية سهلت لقواتهم الصهيونية محاصرتنا وافتعال المعركة التي جرت فوق ارضكم”.
ثم يتم عرض مجموعة كبيرة من مسلسلات الخطف المتكرر التي قامت بها حكومة اسرائيل وجيشها وعصاباتها ويستشهد بها المتهم وفريق المؤازرة والدعم(المتمثل باتحاد المحامين العرب وبمسؤولين فلسطينيين من تنظيم فتح) ص ١٨٦-١٨٨، ثم يختم المتهم الثالث شهادته عن المعركة التي نشبت بين الفدائيين والقوات الالمانية في المطار العسكري عند نهاية العملية ص ١٩٥-١٩٦.
وهذا ايضا ما جرى مع المتهم الرابع في العملية وهي صبية فلسطينية تنتمي لفتح وتدرس في جامعة ميونخ واسمها عائدة خوري ص ٢٠١-٢٢٤ مع اختلاف مضمون الحوار، فتتحدث عن دور المانيا في الهجرة الصهيونية لفلسطين ٢٠٩، والدعم المالي والعسكري ٢١٠ وحديث عن حقيقة الدعاية الصهيونية الاثيرة بان العرب يريدوا ان يقذفوا اليهود في البحر ٢١٣، ثم تتحدث المتهمة عائدة عن دورها في العملية ص ٢١٩-٢٢٤.
بعد انتهاء المحامي هانس غلوبنكة من لقاء المتهمين ٢٢٧ وبعد بدء ظهور الحقائق الدامغة، وبعد بدء تكون صورة حقيقية وواضحة ومدعمة بالحجج الدامغة والادلة والوثائق الصحيحة والقاطعة، جاء شوماخر ليخبر هانس بان هناك ضغطا سياسيا يمارس باتجاه انهاء التحقيق مصدره المستشار والمعارضة.
يلتقي هانس مع عبدالله الافرنجي احد ابطال فريق الدعم والاسناد ص ٢٣٠ ويثور سؤال لدى هانس حول سبب تسمية التنظيم التي تنتمي اليه هذه المجموعة الفدائية باسم ايلول الاسود، فيتكفل عبد الله الافرنجي بالموضوع ويقدم الافرنجي ملفا كاملا ومعد بعناية حول الموضوع ص٢٣٢-٢٥٢.
ثم يعود هانس للقاء طاقم مكتب المحاماة وشركائه في العمل ٢٥٥:” حين التأم الاجتماع، ابديت رغبتي في تولي القضية، اعترض معظمهم اول الامر، بحجة ان مكتبنا يناهض الارهاب، ويمثل العديد من الشركات المرموقة متعددة الجنسيات”.
ويعارضه زملائه بحجة الارهاب فيرد عليهم في ص٢٥٧ بقوله:” كيف نطلب ممن اغتُصِبَ منهم كل شيء علانية، ان يلتزموا بضوابط عقلانية؟ لا تنسوا ان الحلم بوطن حر، بالنسبة اليهم، والحنين الى منازلهم والرغبة في استردداها، تجعلهم يحملون في قلوبهم عشقا، ويضيفون على مفهومهم للحرية، جمالية الحلم بالوطن الحر. تذكروا انهم فقدوا كل شيء بالاضافة الى الوطن، كل ماكانوا يملكوه: الماء والتراب والهواء وقدراتهم وطموحهم واحلامهم والعدالة والثقة والقربى ثم الامل بالتحرير”.
ويستمر الحوار في هذا الفصل بين هانس وزملائه في مكتب المحاماة حول قبول الترافع في هذه القضية ام لا، وطبعا يشتد الحوار والمقارعة، فيطلب منه احد زملائه ايجاز نتائج مقابلاته للمتهمين ص ٢٥٦ فيحدثهم عن العملية ٢٦٢-٢٦٣ واسبابها والظلم الذي لحق بالفلسطينيين مستشهدا بكتابات المؤرخ البريطاني ارنولد تونبي ص ٢٦١.
وبالتيجة وبعد دراسة القضية من كافة جوانبها يقول هانس:
“بانه وجد تشابها كبيرا بينها وبين محاكمات نورينبيرغ التي كان لمعظمنا دور فيها ٢٩٠، ويرد عليه زميله روبن: “ليس هناك وجه شبه بتاتا، تلك المحاكمة كانت لمجرمي الحرب، وهؤلاء ارهابيون قتلة، كيف ستنبري لتدافع عنهم؟ ص ٢٩٠. وياتي جواب هانس على ص ٢٩٤ مضمنا رده اسبابا ومعلومات وحقائق كافية تدفعه لقبول هذا التوكيل.
قُدم لهانس ملف من قبل احد ابطال فريق الدعم والاسناد والمؤازرة-الاستاذ غسان- يحتوي ملخصا لمعلومات تتعلق بالمعتقلين في السجون الاسرائيلية ٢٩٩، ثم تتناول الصفحات التالية فيه سيرة شهداء العملية بحيث تتبع حياتهم وحياة عائلاتهم من الولادة وحتى العملية، كحكاية الشهيد يوسف (تشي جيفارا) ٣٠٤ .
وفي فصل المداولة ص ٣٢٧-٣٥٤ يتناول الكاتب ما خلص له المحامي هانس بان هجرة العرب من فلسطين لم تكن بمحض ارادتهم، وان الاسرائيليون قد نكلوا بهم، واجبروهم على ترك بيوتهم واراضيهم ص ٣٢٧.
المميز والملفت في هذا الفصل هو كثرة المراجع والمصادر والكتب والشهادات التي تدعم هذه الرواية وتؤكدها ، وبالتالي تكشف زيف الرواية الصهيونية وكذبها، وبالذات اكذوبة بيع الاراضي، واسطورة ارض الميعاد، وكذبة ارض بلا شعب، وغيرها من الافتراءات.
وفي فصل المفاجأة ص ٣٥٧-٣٧٠ يرد ذكر تلك المفاجأة والمتمثلة بقرار البرلمان الالماني ايقاف التحقيق في حوادث ميونخ!! وتليه الاسباب والمبررات لذلك، والمتلخصة بنفوذ اللوبي الصهيوني وادراكه لمرمى المحاكمة واتجاهاتها والمآلات التي ستنتهي بفضيحة وتعرية كيان الاحتلال، واظهار مدى الظلم التاريخي الذي وقع للشعب الفلسطيني.
امثال بطلنا لا تُهزم حتى وان اشتدت المكائد؛ وهذا ما فعله بطلنا بعد ايقاف المحاكمة، فيقرر بطلنا المحامي هانس غلوبنكة الاستعاضة عن اجراءات المحاكمة بمؤتمر صحفي يوضح فيه خلفيات العملية واسبابها ودوافعها التاريخية، اضافة لقيامه بفضح زيف الادعائات الصهيونية وافتراءاتها المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني، اضافة لتسليطه الضوء على حجم جرائم ومجازر اسرائيل بحق الشعب العربي الفلسطيني ص ٣٧١-٣٨٩.
ثم يستعرض الكاتب في الفصل الذي يليه حجم الضغط والردود المترتبة على المحامي هانس غلوبنكة نتيجة هذا المؤتمر ونتيجة تلك التصريحات ص ٣٩١-٤٠٤.
وتتوالى الاحداث ووتعاقب بصورة دراماتيكية، فيلتقي بطلنا هانس غلوبنكة بالمستشار الالماني ووزير داخليته، ويطلبا منه البحث عن مخرج للافراج عن الفدائيين المعتقلين لديهم. وتتمخض المداولات عن فكرة سفر هانس لمنطقة الشرق الاوسط ومحاولة الاطلاع على الاوضاع عن كثب، وبغية مقابلة قادة هؤلاء الفدائيين والبحث معهم عن مخرج، خشية من ان تدحرج كرة الثلج اكثر، وخوفا من اتساع دائرة العنف وشمول المانيا بارتداداتها.
يزور بطلنا لبنان ص ٤٠٧ ومخيماتها ص ٤٢٥ ثم يلتقي باحد عائلات الفدائيين المعتقلين في المانيا مسعود بدران ص ٤٤١، ويطلع على الاوضاع في المخيمات عن كثب، ويزور مركز الابحاث ص٤٤٩، وتستمر الزيارة ويلتقي ابو داوود وعددا من المسؤولين والقادة، ولكن الاهم حدث حين قابل احد اهم قادة منظمة التحرير على الاطلاق -ابو اياد- ص ٤١٨ وكانت المفاجأة الكبرى حين باغته ابو اياد بقوله:” نحن نعلم ان هناك محاولة لاطلاق سراح المعتقلين لديكم في المانيا، لذا فان حكومتكم تبحث عن مخرج لها باستخدام احدى المجموعات الفلسطينية، لتتولى اختطاف طائرة المانية، ثم تجري المساومة بواسطتها لاطلاق سراح المعتقلين، فتدعي انه أُسقِط بيدها، وانها أُجبرت على الرضوخ لمطالب الخاطفين، بذلك تخرج نفسها من الورطة التي وُضِعت فيها”.
وحتى يكتمل المشهد وتتضح الرؤيا كان لابد من زيارة هانس لفلسطين للاطلاع على الاوضاع عن كثب، ومعرفة المزيد من الحقائق حول ظروف المعتقلين وممارسات اسرائيل العنصرية والاجرامية تجاه الاهالي والمواطنين ص ٤٥٩-٤٧٨، ولاجل هذا يلتقي بالمحامية اللامعة فيلسيا لانغر. وطبعا يتم الترحاب ببطلنا والاحتفاء به على اكمل وجه، لكن الاهم قيامه برحلة الحج المسيحي هو وعائلته ص ٤٧٩-٤٩٠ وفي هذا الفصل تظهر تفاصيل خطى سيدنا المسيح في فلسطين من خلال تتبع مسيرته واستنطاق تاريخه. وتستمر الزيارة حتى لقاء بطلنا مع مسيحيي فلسطين ص ٥١١-٥٣٠ ومنهم المطران كبوشي ص ٥١٥ والياس فريج رئيس بلدية بيت لحم واخرين.
وفي الفصل الاخير ص ٥٥٦-٥٦٤ والذي جاء تحت عنوان الطُعم، يأتي ختام الرواية باحداث دراماتيكية ومتسارعة ومشوقة، فبعد عودة صاحبنا لالمانيا يتدخل لدى الرئيس لانصاف عائدة والسماح لها بالعودة لالمانيا بغية اكمال سنتها الدراسية الاخيرة، كونها قد أُبعِدت هي والعشرات نتيجة احداث عملية ميونخ ص ٥٥٠-٥٥١، ثم يورد بطلنا حوارا دار بينه وبين ابنه كارل على ظهر الصفحات ٥٣٨-٥٤٦ يحتوي على كثير من الحقائق الدينية والتاريخية والسياسية التي تكشف زيف الادعاء الاسرائيلي، هذا الزيف طبعا هو الذي برر به اليهود احتلال فلسطين، ويتسائل كارل في نهاية هذا الحوار ص ٥٤٦ فكيف نجيب الفلسطينييون عندما يسألون: ماذا نسمي من يسرق منا وطننا؟
وفي الصفحة ٥٥٢ يتم استدعاء بطلنا لمقابلة المستشار الالماني لامر هام ومستعجل، يلبي بطلنا الدعوة ويحضر على عجل، ويطلب المستشار منه المساعدة في ادارة المفاوضات لطائرة المانية مخطوفة، وبرجاء انهاء هذه المأساة بسرعة ودون ضجيج… فيقول صاحبنا في حينها:” ادركت ان واضع الطُعم قد حقق مأربه”.
ثم تظهر الى العيان الفقرة الاخيرة من الصفحة ٥٥٦ والتي تشير بسطورها الى قرب انتهاء الفصل الاخير من الرواية والتي جاء فيها:” سمعت للتو من الاذاعة خبرا اوردته وكالات الانباء مفاده ؛ ان منظمة ايلول الاسود نجحت بعملية مفاجئة، قامت بها اليوم، بهدف الافراج عن الفدائيين الفلسطينيين الثلاثة المعتقلين في ميونخ منذ ايلول الماضي. فقد قام اثنان من الفدائيين بخطف طائرة المانية تابعة لشركة لوفتهانزا وتوجهت الطائرة المخطوفة الى قبرص، وبعد ذلك الى زغرب في يوغسلافيا”.
تنتهي احداث الرواية بسلسلة متعاقبة من الاحداث يكتنفها التشويق ؛ فهكذا احداث تحبس الانفاس تبقى عالقة في الرأس وتصبح شغله الشاغل ولا تغادره إلا بعد ان تأخذ حصتها من الحياة.
وعلى ظهر الصفحة الاخيرة ٥٦٤ يختم بطلنا -المحامي هانس/الكاتب عاصم المصري- روايته بتصريح يختصر فيه فكرته وهدفه من هذه الرواية فيقول:” عندما قبلت الدفاع عن المتهمين في عملية القرية الاولمبية في ميونخ، اخذت اعد نفسي لتقديم مرافعتي عنهم، بالبحث عن البينة والادلة، والتحقق من وجهات النظر، وكشف الجوانب المخفية والمهمة من قضيتهم، لكن قوى الضغط لم تسمح باستكمال التحقيق، وفتح المحاكمة، فرأيت من واجبي ان ابسط للقاريء الكريم هذه القضية، بطرح مواقف وبينات المتهمين، وان استنطق الادعاء المُغيب، بمحاورة اصحاب القرار في كل من المانيا واسرائيل. كذلك نقلت بعض المواقف السياسية والفكرية المتعلقة بهذه القضية، هادفا من ذلك الى الاستمرار بتأدية رسالتي، عسى ان تكون عزيزي القاريء احد اعضاء هيئة المحلفين، فتحكم بما يمليه الحق، وان تعتبر هذه الفصول، بمثابة مذكرة دفاع، أَلقيتُ بها الضوء على الاحداث،وبيّنت ما وصلتُ اليه من نتائج. تاركا لكم الحكم في هذه القضية”.
هانس غلوبنكة في المحاكمة المتخيلة للمؤلف المبدع عاصم المصري يعطينا درسا مهما وملهما في الثقافة والادب وفي كيفية بناء وعي وطني مقاوم، واول ابجديات هذا الدرس:
كيف تكتب الاقلام وماذا تنتج، حتى يكون الادب سلاحا مقاوما، وثاني هذه الدروس: ان على الكلمة ان تغطي عُرِيّ البندقية وتصونها، وثالث هذه الدروس: نحن في صراع مفتوح على طول المدى مع الاعداء والنسيان، ورابع هذه الدروس لخصه امل دنقل في قصيدته “لا تصالح” حين قال:
“إنها الحرب!
قد تثقل القلب..
لكن خلفك عار العرب
لا تصالح
ولا تتوخ الهرب!
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأس!
أكل الرؤوس سواء؟!
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يد.. سيفها كان لك
بيد سيفها أثكلك؟
سيقولون:
جئناك كى تحقن الدم..
سيقولون:
ها نحن أبناء عم.
قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك.
واغرس السيف فى جبهة الصحراء..
إلى أن يجيب العدم”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى