المحكمة الجنائية الدولية وإسرائيل و”معاداة السامية”
أسامة أبو ارشيد

أصدرت المحكمة الجنائية الدولية، الأسبوع الماضي، قراراً يقضي بتكييف “الأراضي التي احتلتها إسرائيل منذ عام 1967، أي غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية”، واقعة ضمن اختصاصها القضائي، ما يمهد الطريق أمامها لإجراء تحقيقاتٍ بشأن “جرائم حرب” قد تكون ارتكبت هناك. وكانت المدّعية العامة في المحكمة، فاتو بنسودا، أشارت عام 2019 إلى رغبتها في إجراء تحقيقٍ في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014، لتحديد ما إذا كان ارتكبت إسرائيل وحركة حماس خلاله جرائم حرب. كما أنها لم تخف نيتها، حينئذ، أنها ستسعى إلى التحقيق في السياسة الاستيطانية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، فضلا عن التعامل الإسرائيلي الوحشي مع المظاهرات الفلسطينية السلمية ضمن “مسيرات العودة”، عامي 2018 و2019، على الحدود بين قطاع غزة والدولة العبرية، كـ”جرائم حرب” محتملة. وكانت إسرائيل قتلت في تلك المسيرات عشرات من المدنيين الفلسطينيين وجرحت مئات منهم. وبناء على قرار المحكمة الجنائية الدولية اعتبار الأراضي الفلسطينية تقع ضمن “اختصاصها الإقليمي”، فإن هذه التحقيقات قد تبدأ قريباً، وحينها قد يجد مسؤولون إسرائيليون كثيرون، مدنيون وعسكريون، أنفسهم عرضة لمذكّرات اعتقال دولية على أساس أنهم مجرمو حرب.

كما كان متوقعاً، استفزّ قرار المحكمة إسرائيل التي تقدّم نفسها دائماً ضحية مزعومة للـ”إرهاب الفلسطيني”، في محاولة لكبت أي انتقادات دولية لسياساتها القمعية، وخرقها التزاماتها القانونية كدولة احتلال. اللافت أن الرد الإسرائيلي سارع، هذه المرة، إلى نشر ذخيرة ثقيلة للتصدّي لتبعات القرار المحتملة. “عندما تحقق المحكمة الجنائية الدولية مع إسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم حرب مزيفة، فإن ذلك يعد معاداة صريحة للسامية”. هكذا صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من دون أن يرفّ له جفن. طبعاً، لا يحتاج الأمر إلى تفكيك وتركيب وبناء مرافعات دَفْعٍ لإسقاط هذا الاتهام المتهافت، فإسرائيل دولة عضو في الأمم المتحدة وتخضع للمعاهدات والمواثيق والقوانين الدولية والقرارات ذاتها. أو هكذا يفترض. ولكن إسرائيل تعتبر نفسها دولة فوق القانون. وبالمناسبة، حتى هذا التعبير الأخير تُكَيّفُهُ هي وأنصارها على أنه شكل محتمل من أشكال معاداة السامية.

معاداة السامية مشكلة حقيقية قائمة، وهي كما الإسلاموفوبيا، أو أي شكل من الكراهية والتمييز ضد مجموعة ما مرفوضة مبدئياً. ومن ثمَّ، فإننا حين نرفض، من منطلق أخلاقي، معاداة السامية لناحية العداء أو التحيز أو التمييز ضد اليهود من حيث كونهم يهوداً، ومحاولة تحميلهم شرور العالم، فهذا لا يعني أنه يحق للدولة العبرية استتباعاً أن تزعم حصانة لها ولأفعالها. المشكلة أن هذا هو بالضبط ما تحاول أن تقوم به إسرائيل واعتذاريوها حين يصرّون على جعل أي نقد لها ولسياساتها كدولة صنواً لمعاداة السامية. ينطبق الأمر نفسه على مساعيهم لجعل أي انتقاد يطاول أفعالاً ومواقف لمسؤول من أصول يهودية، فضلاً عن أي محاولةٍ لمساءلة مقولاتٍ صهيونيةٍ تأسيسيةٍ لتبرير اغتصاب فلسطين، أو شنّ عدوانٍ على أهلها والعرب، أموراً مشمولة أيضاً ضمن تعريف معاداة السامية! هذا ما فعلوه من قبل بحق عضوي الكونغرس، رشيدة طليب وإلهان عمر.

يأتي ما سبق ضمن منهج مدروس ومعدّ بعناية لجعل هذه التهمة سيفاً مسلّطاً على رقاب كل من يعارض إسرائيل، وبالتالي ردع أي نقاش موضوعي حولها وحول سياساتها وأفعالها بوصفها دولة. وإذا أردت دليلاً على ما سبق، فلنعد إلى ردِّ نتنياهو الغاضب على قرار المحكمة. “تزعم محكمة الجنايات الدولية، بشكل شائن، أنه عندما يعيش اليهود في وطنهم فإن هذه جريمة حرب”. لا يحتاج المعنى هنا إلى تحليل عميق، فنتنياهو يقصد بعبارة “اليهود في وطنهم”، المستوطنين غير الشرعيين، حسب القانون الدولي، في قطاع غزة والضفة الغربية، بما في ذلك شرقي القدس، والتي تُكَيِّفُها قرارات الأمم المتحدة أنها أراض محتلة. وبهذا، يساوي نتنياهو بين رفض عمليات التغول الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حسب القانون الدولي، وتهمة معاداة السامية!تدرك إسرائيل وأنصارها خطورة هذه التهمة وحجم وطأتها في عالم اليوم، ومن ثمَّ فإنهم لا يتردّدون في إشهارها في وجه كل من يحتج على أفعالهم المشينة والإجرامية. ولا يكتفي هؤلاء بذلك، بل تجدهم في جهدٍ دؤوبٍ لتوسيع نطاق ما تشمله هذه التهمة. مثلاً، تعكف إدارة “فيسبوك” حالياً، بضغط من إسرائيل وأنصارها، على النظر في ما إذا كان ينبغي إدراج النقد الموجه لـ”الصهيونية” و”الصهاينة” ضمن سياسة الموقع المتعلق بـ”خطاب الكراهية”، على أساس أنه أحد أشكال معاداة السامية! أليس هذا خلطاً فاضحاً ما بين اليهودية كدين، واليهود كمؤمنين به، وما بين الصهيونية كإيديولوجيا يتبناها بعضهم ويرفضها بعضهم الآخر؟

نعود إلى محاولة الحركة الصهيونية إحداث خلط متعمد بين القول إن إسرائيل تعد نفسها دولة فوق القانون ومعاداة السامية. يورد “التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست” جملة من الأمثلة التي قد تدخل في تعريف معاداة السامية. من ذلك: “مظاهر (معاداة السامية) قد تشمل استهداف دولة إسرائيل، التي ينظر لها أنها جماعة يهودية”. هذه لغة فضفاضة وغامضة تهدف إلى ردع أي انتقاد لإسرائيل وجرائمها كدولة. هذا ما فعله نتنياهو بالضبط في حملته على قرار المحكمة الجنائية، كما سلفت الإشارة. مثال آخر يورده أصحاب هذا التعريف: “إنكار حق الشعب اليهودي في تقرير المصير، من ذلك، مثلاً، الادّعاء بأن وجود دولة إسرائيل يمثل مشروعاً عنصرياً”. إذا أخذنا بهذا المعيار في تعريف معاداة السامية، نكون أمام حالةٍ يحظر فيها علينا أن نشير إلى عنصرية إسرائيل، وهي الصفة التي تثبتها هيَ لذاتها من دون رتوش ولا تردّد.

في عام 2018 أقر الكنيست الإسرائيلي “قانوناً أساسياً” (يعادل بنداً دستورياً) تحت عنوان: “قانون الدولة القومية لليهود في إسرائيل”، وينصّ على أن: “إسرائيل هي الوطن التاريخي للأمة اليهودية”، وبأنه “لليهود فقط في إسرائيل الحق في تقرير المصير”، وبأن “العبرية هي اللغة الرسمية للدولة”، وبأنه “لكل يهودي الحق في الهجرة لإسرائيل والحصول على الجنسية الإسرائيلية في إطار القانون”. إذا لم يكن هذا القانون الناضح بالعنصرية إلغاءً لحق أصحاب الأرض الأصليين من الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، والذين يشكلون 20% من مواطني إسرائيل، فماذا يكون؟ ولا يقف القانون عند هذا الحد، بل إنه يلمح إلى أن المستوطنات غير الشرعية، في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، حسب القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، تعد حقاً لليهود من دون غيرهم: “تعمل الدولة على تجميع شتات اليهود في الخارج وتعزيز المستوطنات الإسرائيلية في أراضيها وتوفير الموارد لذلك”. الآن، إذا قلنا إن هذا يمثل اعترافاً صريحاً من إسرائيل بأنها دولة أبارتهايد، حينها نكون معادين للسامية!

قد يجادل بعضهم ولماذا نهتم بما تقوله إسرائيل، فلتزعم ولتتهم كما تشاء. في الحقيقة، الأمر ليس بهذه البساطة. مثلاً، مطلع شهر فبراير/شباط الجاري، أعلنت إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، أنها تتبنّى تعريف “التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست” لمعاداة السامية. وهو ما سبق أن فعلته إدارة الرئيس السابق، دونالد ترامب. وكان وزير الخارجية السابق، مايك بومبيو، حاول، في الأشهر الأخيرة من ولاية ترامب، أن يصدر إعلاناً يصنف منظمات دولية مرموقة، حقوقية وإغاثية، غير حكومية، كـ”العفو الدولية” و”هيومان رايتس ووتش” و”أكوسفام”، أنها معادية للسامية، بسبب دفاعها عن “حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات” على إسرائيل (BDS)، وانتقادها المستمر المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. وخلال جلسات الاستماع في مجلس الشيوخ، أواخر الشهر الماضي (يناير/كانون الثاني)، لتثبيتها سفيرة لبلادها في الأمم المتحدة، اعتبرت ليندا توماس غرين فيلد أن حركة المقاطعة “تقترب من معاداة السامية، ومن المهم ألا يُسمح بأن يكون لها صوت في الأمم المتحدة”. وكان الكونغرس، عام 2019، استحدث منصب “المبعوث الخاص لمراقبة ومكافحة معاداة السامية”. وفي الأسبوع الأخير من ولايته الرئاسية، وقّع ترامب مرسوماً بترقية من يشغل هذا الموقع إلى رتبة سفير. وهناك ضغوط تمارس اليوم على بايدن للاستعجال في شغل هذا الشاغر.

باختصار، توظف الحركة الصهيونية وأنصارها تهمة معاداة السامية تكتيكا لردع كل من يتجرأ على مساءلة إسرائيل على انتهاكاتها القيم الإنسانية، والقرارات الأممية، والمعاهدات الدولية. هذه المحاولات، وعلى الرغم من شراستها، تدلّ على أن الحركة الصهيونية وأنصارها يدركون أن إسرائيل ماركة سيئة السمعة، وأن تسويقها عالمياً، ضمن مواصفاتها الحالية، أصبح مستحيلاً، ومن ثم لا بد من تسويقها بالترهيب. المشكلة أنه حتى الترهيب لم يعد يجدي، فقد ملّ العالم التزوير، والأهم أن كثيرين من اليهود أنفسهم هم من يقودون حركة المقاطعة لإسرائيل، بسبب سياساتها العنصرية البغيضة. المعنى، أن تهمة معاداة السامية منتفية من حيث الأساس، عندما يتعلق الأمر بنقد إسرائيل وسياساتها الظالمة المجرمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى