المخيم؛ صور من ماضٍ منكسر‎
بقلم: مهند طلال الاخرس

على كتف المخيم بإتجاه اقصى زاوية في الشمال الغربي يقبع معسكر الثورة، شامخا رغم الخيام، عنيدا رغم قلة العتاد، شجاعا رغم الخوف، عالي الرأس رغم الخنوع، شامخا كالطود، دافئا رغم البرد، تطل من اوسطه سارية عالية، تحمل علما بألوان اربعة، كان العلم الوحيد بالالون، كانت بقية الاعلام زرقاء تشبه السماء، لكنها كلها لم  تكن لنا، وحده ذلك العلم كان يشبهنا، وحده ذلك العلم كان يظلل الجميع.

كان ابي محتفظ بعلم مثله في تلك البراكية الضخمة التي كنا نسميها بيتنا، تجرأت وسألتهة ذات مرة بحضور جدتي هيجر اذ كنت اكون اقوى بكثير بوجودها، لماذا لا تكتفي بذلك العلم الملون المرفوع على سارية المعسكر، اجابني: اخاف ان اموت تحت علم غريب.

كان المعسكر، يطل من على ربوة صغيرة على طريق عودتنا غربا، ويطمئن على جاهزية المخيم شرقا. كان ينتظر ان يشتد العود وتنضج القبضات وتكبر الخطوات.

كان المعسكر يحرس احلام المخيم ويحرص عليها، كان غيره ايضا يحرصون عليها! لكن بهدف واحد، ان تنكسر!!.

منذ ذلك التاريخ لم يسجل ان قام احد بحراسة احلامنا في العودة والتحرير كما كان يفعل المعسكر. كل من جاء من الحُراس بعد ايلول، لم نجتهد كثيرا لنكتشف انهم لصوص.

كان المعسكر يصحوا حين ينام الاخرون، كان يحرس احلامهم وآمالهم، كان يحرس ورد الشهداء، ويطمئن على وصاياهم، كان ليس كمثله شيء، كان اول الخطوات نحو فلسطين.

كان في المعسكر مجموعات واجتماعات وحلقات واعمال، لم ندرك كنه كل تلك الاجتماعات والحلقات، كنا صغارا، وكان هذا اليوم اول بركب الثورة، لكن كحال من ترك لقلبه الدليل ليسد ذلك النقص الحاصل بتلك التفاصيل، لفت نظرنا ثلاث مجموعات تحملقت كل منهم حول بطانية، هؤلاء كانوا هم الاجمل واجمل ما في الدنيا وفي المعسكر، هؤلاء كانوا دائما من الآخرون؛ مغطية وجوههم ولا يرى منهم سوى عيونهم، ان حدقت جيدا لترى ما فيها سترى بريقا يلمع، وبركانا يتفجر من الغضب، ستتأكد وانت تسمع ذلك الصوت المنبعث من البندقية عند سحب اقسامها انك في حضرة الثورة.

حينها تتأكد ان بكرة اصبح اليوم، وهؤلاء ليس آخرون، انهم فدائيون، كيف السبيل اليهم دلني قلت لاحدهم، اجابني من خلف لثامه، بعدك بعمر الورد يابا؟ حينها عرفت اني امام ابي، فارتبكت، جثى على ركبتيه حتى اصبح بطولي، وقال بعد ان عانقني، وبعد ان رايت بكرة وبعضا من الدموع في عينيه، اسمع يابا؛ منذ هذه اللحظة يجب ان تدرك انك امام اب لم يعد كذلك، منذ الان يجب ان تدرك انك امام مسؤليات جسام.

انتفضت وانا لا اعرف من تلك المسؤليات الجسام غير كرت المؤن ورغيف الثورة، وتلك المسؤوليات كانت تتمحور حولها كل حياتي لحين تعرفت خطواتي على طريق المعسكر.

كرت المؤن والذي تصدره الوكالة وتعطيه لكل صاحب خيمة، كان اول مهامي الجسام، لكن لم تكن تلك اول مهامه هو؛ مهمته الاساسية كانت ايضاح علامات الانهزام والانكسار والوجع، هذا طبعا بالاضافة لمهمته الكبيرة والاثيرة بتذكيرك صباحا ومساء بأنك اصبحت لاجئا ولم يعد لك وطن.

كنا نصطف في طوابير ينتظم اولها ويتزاحم ويتبعثر آخرها، كان التدافع والزحام سلوك يرافقنا عند كل طابور طعام او بقج او اي شكل من اشكال المساعدات والهبات.

لم يكن النظام والاصطفاف غائبا بالمطلق، كنا نراه بأحلى صوره  عند دق الابر في المدرسة او في عيادة الوكالة “الحكمة”، وعند الاجابة على اسئلة الاساتذة في المدرسة. لم يكن اي زحام هناك، كان الكل يؤثر الكل، لم يكن احد ليتقدم على احد، كان الجميع يعلم حجمه ومقداره.

كان من الصعب ان يغيب الزحام عند طوابير الطعام، وكذلك الانتظام، كنا نستجدي كل اشكال الذل والمهانة وكل وجع القلوب، كان يُقوّم صفنا وينظمه كرباج وصراخ وشتم وضرب وعراك، واحيانا كثيرة الشرطة والتي لم يشكل حضورها فرقا كبيرا عن غيابها، كان حضور الشرطة مؤلما، لم يكن حالهم بأحسن من حالنا، في كثير من اللحظات كان حالهم اسوأ من حالنا؛ كنا قد عرفنا علب اللحمة “بولو ليف” وربطة الخبز الاجنبي وزيت السمك منذ النكبة،

لم يكونوا يعلموا ما هية تلك الاشياء، لم يفقدوا وطنهم، ليحن عليهم الاجنبي ويعطيهم الفتات، كانوا اشد فقرا وعوزا منا.

كثير من المصطلحات دخلت قاموسنا اللغوي منذ النكبة، كان على رأس تلك المصطلحات كل ما يتعلق بالطعام، استمر هذا الوضع حتى جاءت الثورة، جاءت ومعها كل شيء جميل، لكن سريعا ذهب ما بنته مع الريح، ورغم كل ذلك لم نتعلم ولم نشبع.

لم تعد تحضر الشرطة، واصبحت سمعتها في الحضيض، كانت دورياتها قد امتهنت الصندقة والرشوة. لاول مرة يدخل قاموسنا اللغوي ذلك المصطلح(الرشوة)، كانت جملة “راضيته بعلبة لحمة” كلمة السر التي تتردد في آذان الجميع، كان لتلك الجملة وقع السحر، كانت تلك الدوريات تتحسس طريقها الى ساحة المؤن بدعوى حفظها للنظام والتظلل بفي اشجار الكينيا، لم يعد هناك من يعيرهم اهتماما، ولم يعد هناك من يبتزه الالم، فالكل جياع.

كان في شخص قائد مخفر الشرطة ما يلخص الكثير من اصل الحكاية، فهو رفيقنا في الحل والترحال منذ كنا في مخيمات اريحا(عقبة جبر، عين السلطان، النويعمة)، لكنه لم يذق طعم اللجوء يوما، رحل برحيلنا، كان قائدا للمخفر في اريحا، هُجرنا وشردنا من جديد الى مخيم الكرامة وجدناه قد سبقنا واقام المخفر هناك، في البقعة كانت المفاجأة الكبرى، جاءت الخيام وجاءت الشرطة معها لتنظيم الدور، لم تحسن الشرطة تنظيم الدور، وانصرفت لبناء مخفر لها من الخيام، كان قائد المخفر رفيقنا الدائم في الحل والترحال زكي بيك، لكنه لم يكن مثلنا لاجئا، كان ابن بلد وابن اصل! كنا نحن قد اصبحنا اولاد مخيمات.

جاء الكفاح المسلح، لم يكن حضوره يعني لنا شيئا، كان شريكنا في الجوع والالم، والاسوأ شريكنا في الانكسار.
كان ذلك المنظر اكثر شيء مؤلم في المخيم…
كان كل ما فينا قد انكسر، ولم يبق لدينا ما يبتزه الالم..

لم يكن كرت التموين سيئا لهذ الحد؛ فقد كان يعطينا الحق لنصطف، ولنتحصل على دور في طابور يسد رمق من ينتظرونا، ولنصرف كثيرا من الوقت الزائد عن حاجتنا، فقد اصبحنا في العراء، لا نأبه للايام ولا نحسب لها اي حساب.

ومن مآثر كرت التموين ان ادخل على حياتنا في المخيم لغة ومصطلحات جديدة؛ فهذا الطابور والمعترك والذي نتحصل في نهايته على بعض الاطعمة والاغذية والمعلبات وهو ما اصبحنا نسميه (بالسندقة) اثرى لغتنا بكلمة جديدة، ولم يقف عند هذا الحد بل اثر في سلوكنا حتى شاع استخدام المؤن لامور اخرى اقل ما يقال في وصفها انها سيئة، اصبحت جمل مثل “بلاقيك في المؤن” بآخذك على المؤن” بنتفاهم في المؤن، تعني الكثير، وانضمت اليها كلمات كثيرة على هذه الشاكلة، لكن كلها كانت تعابير نابعة من كلمة واحدة تعني الهزيمة والانكسار.

اصبحت الصندقة كلمة ذات وقع موسيقي في المخيم، حتى اننا عرفنا السندقة قبل الموسيقى والكتابة والقراءة، كانت الموسيقى والكتابة والقراءة ترفا لا يمكن احتماله في المخيم.
كان الجوع والقهر سيد الموقف.
كان الموقف قاسيا على كل المخيم.
لم يكن لاحد افضلية على احد.
كان الجميع ينامون ويستيقظون على حقيقة واحدة، لقد اصبحنا لاجئين، لم يعد لدينا وطن.

لم يكن المخيم بائسا تماما، فقد استطاع دون عناء او اي جهد يذكر ان يضيف الى لغتنا مصطلحات جديدة.

لم نبدع في اللغة العربية ولم يخرج من المخيم شعراء او ادباء، كنا نرى لغتنا العربية فقيرة وجدباء، وإلا ما هذه اللغة البائسة التي لا تحتوي على كلمة مثل السندقة…

اصبحت كلمة السندقة اكثر كلمة محظوظة في المخيم، لم يكن احد يستطيع منازلتها في ذلك المعترك، كان شباب المخيم ورجاله يغارون منها، كانت السندقة على لسان الصبايا والنساء في المخيم ومدار حديثهن دائما، كن يتغنين بها وهن يعبئن المياه من حنفيات الوكالة، كان الرجال لا يحتملون ذلك، كانت حماماتهم خلف الحنفيات، كانوا يسمعون كل احاديث الصبايا وخراريفهن واحيانا كثيرة كانوا يذهبون لينصتون و “يبصبصون”، كانت السندقة دائما هي المسيطر في الحديث: ابوي راح يتسندق، اخوي اجا من السندقة، بس تيجي اغراض السندقة. احدهم فاض به الكيل وسب دين السندقة عندما سمع احدى الصبايا تقول: مش زلمة ولا عمره بكون من الزلام اللي بيتسندق…

سمعنه الصبايا فجفلن الا واحدة، كانت اجابتها على راس لسانها دائما، كان الجميع يحسن وصفها ولا ينادوها إلا يا رداحة. وكانت هي عند حسن ظن الجميع، لم تخيب ظن احد، كانت مختصة بكل بفنون الردح، كان لديها دائما كل ما هو جديد في الردح، لم يكن هناك “ازفر” من لسانها، لم يكن هناك احد يستطيع مجاراتها، كانت امنية الجميع في المخيم بأن لا يقعوا تحت لسانها، كانت الرداحة احد علامات الانكسار الجديدة التي نمت في المخيم، لكنها كانت صادقة.

“شتلت الرداحة ثوبها” وربطت منديلها على نصف وجهها وبدا كما لو انها تتحضر لطوشة، واقتربت من حائط الحمام اكثر، وبدأت تصفق بيديها وتشهق وتزعق، وصرخت من خلف الجدار: “هي، هي، إصحك على حالك، اللي بيسمع بفزع، واللي بيسمعك بصدق انك مبلل بنطلونك لخصرك وانتا كل يوم قاطع الشريعة رايح جاي اطخ على اليهود، له يا هامل الزلام، هو احنا من قليلة طلعنا من لبلاد”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى