المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية الغائب الأكبر في جريمة شيرين أبو عاقلة
عبد الحميد صيام

بعد انتخاب القاضي البريطاني كريم خان لمنصب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية خلفا للسيدة الغامبية فاتو بنسودا، كتبت مقالا في هذه الصحيفة بتاريخ 6 مارس 2021 حذرت فيه من خطورة هذا الاختيار المشبوه، نظرا لسيرة الرجل الذي كان يدافع عن مجرمي الحرب من قبل.

قلت في المقال: «إن اختيار كريم خان يثير الشكوك من الألف إلى الياء، فحسب القانون غير المكتوب بتناوب المناصب الدولية الرفيعة بين المجموعات الجغرافية وصل الدور إلى «مجموعة الدول الأوروبية ودول أخرى» بعد أمريكا اللاتينية وافريقيا. ضمت القائمة الأولى للمترشحين 89 مرشحا اختصرت إلى 14 وظل اسمه فيها، ثم إلى أربعة وكان اسمه من بينهم. والغريب في الأمر أن اثنين من المرشحين كانا من افريقيا، وبالتالي تم استبعادهما فورا (لأن فاتو بنسودا المنتهية ولايتها من افريقيا) والرابع من كندا. ولأن نائب بنسودا من كندا، وهو باق في المنصب، فمن غير المنطق أن يكون المدعي العام ونائبه من البلد نفسه.

إذن ما كان أمام جمعية الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي إلا انتخاب كريم خان بعد أن تم استبعاد المنافس الحقيقي له القاضي الأيرلندي فرغال غاينور، المتعاطف مع القضية الفلسطينية. انتخاب خان كان أشبه بالانتخابات العربية، التي تضع اسما ثانيا ينافس الرئيس، من دون أن يعرفه أحد لكن النتيجة تكون محسومة سلفا.

تخوفاتي كانت في مكانها. فها قد جاء الامتحان وظهر الرجل على حقيقته معاديا للقضية الفلسطينية ويعمل لصالح بريطانيا وأمريكا ودول المجموعة الأوروبية بكل وضوح، فقد دفن رأسه في الرمال، على عكس كل المسؤولين الدوليين، عندما تعلق الأمر بجريمة اغتيال الصحافية الشهيرة شيرين أبو عاقلة، وهي الجريمة الواضحة المعالم والموثقة بالصوت والصورة، التي تدخل ضمن اختصاصه، بينما خرج الرجل عن أطواره وتدخل شخصيا في مسألة التحقيق في الحرب الأوكرانية، وبدا وكأنه مندوب للرئيس الأمريكي بايدن، وليس مدعيا عاما دوليا يقف على مسافة واحدة من كل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، سواء ارتكبت في أفغانستان أو ميانمار أو أوكرانيا أو فلسطين أو العراق أو الكونغو أو ليبيا.

وأود أن أذكر أن سجل الرجل كان من المفروض أن يستبعده عن هذا المنصب، فمن يدافع عن مجرمي الحرب كيف يتم تقليده مسؤولية محكمة دولية، مسؤولياتها أساسا ملاحقة واعتقال ومحاكمة مجرمي الحرب، فقد دافع في الماضي عن مجرم الحرب شارلز تايلور، رئيس ليبيريا الأسبق، وثلاثة من مجرمي الحرب في دارفور، ودافع عن سيف الإسلام القذافي ودافع عن بيير بيمبا وهو مجرم حرب من جمهورية الكونغو، كما دافع عن مجرمَي حرب في كينيا أحدهما نائب الرئيس الحالي وأجبر مكتب الادعاء على إسقاط التهم عنهما، بعد أن اختفى الشهود فجأة واغتيل أحدهم. ولا عجب أن نرى كينيا هي التي كانت وراء إقناع المجموعة الافريقية بدعم خان.

كريم خان والمسألة الأوكرانية

كي نعرف مدى انحياز خان للرواية الأورو- أمريكية في مسألة الحرب الدائرة في أوكرانيا، تحرك المدعي العام بعد أربعة أيام فقط من بدء الحرب وانتشار أخبارٍ، مصادرُها غربية في معظمها، عن ارتكاب القوات الروسية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، أصدر مكتبه عددا من البيانات حول الحرب وأعلن عن نيته التحقيق في تلك «الجرائم». قام شخصيا بزيارة لبلدة بوتشا يوم 13 إبريل بعد انتشار صور وفيديوهات، شككت روسيا في صدقيتها، حول مجازر ومقابر جماعية عثر عليها في البلدة. وصل بوتشا بعد أقل من ثلاثة أسابيع على انتشار أخبار المذبحة، ووقف على ما قيل إنه قبر جماعي. وأعلن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان يوم 17 مايو، نشر فريق من 42 محققا وخبيرا في أوكرانيا، مؤكدا أن مكتبه أرسل هذا الفريق المكون من خبراء الجنايات وموظفي مساندة قائلا، إنها «أكبر بعثة من حيث العدد تم نشرها حتى الآن في منطقة دفعة واحدة». وقال «بفضل نشر فريق من المحققين سنتمكن من درس الخيوط بشكل أفضل وجمع الشهادات المتعلقة بهجمات عسكرية قد تشكل جرائم مشمولة في ميثاق روما». إضافة إلى هذا طلب خان من جميع الدول الأعضاء في جمعية الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي أن تتعاون، مع مكتبه بإحالة ما لديها من معلومات ووثائق للمحكمة، فوصله أكثر من 40 إحالة. كما وقع اتفاقيتين مع بولندا وليتوانيا، إضافة إلى مذكرة أخرى مع حكومة أوكرانيا للعمل على تشكيل فريق تحقيق مشترك والتعاون مع فريقه الضخم الذي أرسل إلى أوكرانيا. وقد تلقى مكتب خان تبرعات فورية أو تعهدات مالية من 20 دولة غربية، منخرطة في الحرب في أوكرانيا، بينما لم يكلف خان نفسه إجراء أي اتصال مع روسيا حتى من قبيل المساءلة، بحجة أن روسيا ليست عضوا في المحكمة الجنائية الدولية.

إن لم يشعر كريم خان المدعي العام للمحكمة الجنائية بالموقف الجدي الضاغط والفاضح لممارساته التمييزية فلا يتوقعن أحد أنه سيرعوي عن تلك الممارسات
جريمة شيرين أبو عاقلة وقضية فلسطين

من الملاحظ أن مكتب المدعي العام لم يصدر أي بيان يتعلق بالجريمة البشعة في اغتيال شيرين أبو عاقلة يوم 11 مايو، وكأن الأمر لا يعنيه، علما أنه يقع ضمن اختصاصاته، فهو صامت تماما عندما يتعلق الأمر بفلسطين، صامت حول جريمة الاستيطان التي تستشري كل يوم، وصامت على قتل الأطفال وصامت على الاغتيالات المتعمدة، بل الأخطر من هذا أنه عاد ليضع القضية الفلسطينية والجرائم التي ترتكب ضد المدنيين الفلسطينيين في إطار مصغر، واصفا إياها في مقابلة مع قناة «الجزيرة» مع برنامج «لقاء اليوم» بتاريخ 15 أكتوبر 2021 بأن «نظام روما الأساسي ليس مختصا بقضية واحدة. هناك قضايا مرفوعة أمام المحكمة منذ عام 2002 منها يوغندا وجيش الرب وساحل العاج ومالي، حيث ارتكبت جرائم باسم الإسلام وهدمت مساجد في تمبكتو. فلسطين حالة من تلك الحالات». وهذا تصريح خطير جدا يضع قضية احتلال وطن بكامله وتشريد شعب وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك قتل مئات الأطفال على المستوى نفسه مثل ارتكاب قائد عسكري متهور، أو مجموعة إرهابية لجرائم كبيرة. هذه خطورة هذا الرجل الذي تم ترتيب انتخابه بطريقة مشبوهة كما أشرنا.

الاختبار المقبل

أعلنت السلطة الفلسطينية رسميا أنها سلمت يوم الاثنين 23 مايو التقارير الخاصة بملابسات اغتيال الشهيدة شيرين أبو عاقلة للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، لإضافته إلى سجل الجرائم التي ارتكبها الاحتلال ضد الفلسطينيين منذ عام 2014. المدعي العام ظل صامتا ووضع الملف ضمن ملفات أخرى لتأخذ دورها ضمن قائمة الملفات المؤجلة. وعندما يتم تأجيل التحقيق والمساءلة وجمع الأدلة، إعلم أن هناك نيّة مبيتة لتهميش الموضوع. كما أن نظام التكامل الذي تقر به المحكمة، أي قبول المحاكمات محليا أولا قبل وصولها للمحكمة الجنائية، يخدم إسرائيل بالأساس. فقد تبدأ بمحاكمة صورية لأحد الجنود لتعطي مبررات لإلغاء إدراجها على جدول أعمال المحكمة الجنائية. إن الاعتماد على المحكمة الجنائية الدولية فقط بوضع الملفات بين أياديها سيؤدي حتما إلى ضياعها أو تضييعها. الواجب الوطني والأخلاقي أن يتم تكوين لجنة متابعة وضغط والاتصال بجمعية الدول الأعضاء في المحكمة الـ123 لطرح المسألة أمامهم لإجبار خان على التحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل منذ 2014 إلى الآن، وبالإضافة إلى جريمة اغتيال شيرين أبو عاقلة، أصبحت إسرائيل تمارس نظام الفصل العنصري «الأبرتهايد» في التعامل مع الفلسطينيين، وهو جريمة أخرى كبيرة تضاف إلى سلسلة جرائم الحرب الكبرى التي تشمل الاستيطان والأسرى وضحايا الحروب.
يجب أن يقوم الفلسطينيون، رسميين وممثلين ومحامين من المجتمع المدني، بإطلاق حملة شرسة تشبه تلك الحملة القوية التي أطلقها الأفارقة في الأعوام 2015- 2016 ضد المحكمة وانحيازها السافر ضد افريقيا، ثم قام الاتحاد الافريقي يوم 1 فبراير 2017 باتخاذ قرار (غير ملزم) بالانسحاب الجماعي من المحكمة، بعد جدل أثناء قمة رؤساء الدول في العاصمة الإثيوبية، وهو ما أرسل رسالة إلى المحكمة اضطرت بعدها أن توسع نطاق عملها وتفتح ملفات أفغانستان وميانمار وإسرائيل. إن لم يشعر كريم خان بالموقف الجدي الضاغط والفاضح لممارساته التمييزية فلا يتوقعن أحد أنه سيرعوي عن تلك الممارسات. وليبحث عندها الفلسطينيون عن طرق أخرى لتحقيق العدالة والانتصار لقضيتهم المقدسة.
* محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بولاية نيوجرسي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى