المراجعة التي لم يتداوى بها  حمدادوش وتياره بعد!
بشير عمري

تابعت باهتمام كبير النقاش الذي حفل به المقهى السياسي بومنتريال، الذي استضاف، من جهة الحقوقيين، الأستاذين نبيلة إسماعيل وصالح دبوز، من جهة أخرى السياسيين رشيد مقراني وناصر حمداودش عن حزبي، على التوالي، جيل جديد وحركة مجتمع السلم، حول موضوع التدخل الأجنبي والتدويل، حيث بدا من الوهلة الأولى أن تشكيلة الحوار كانت في طبيعتها مفيدة لفهم عمق المعضلة السياسية في الجزائر، أين يطغى الحساب الأيديولوجي والسياسوي على الحق في المواطنة بصفتها الممارسة السياسية لـ”حقوق الانسان” أو الممارسة “الحقوقية الانسانية” للسياسة لما يغدو المواطن إنسانا وليس عبدا مملوكا من جماعة أو أيديولوجية أو سلطة رمزية أو قهرية، يفخر في الانتماء بحمل بطاقة هوية “وطنية” !

وأكثر ما أثار دهشتي في النقاش هو ذلك السعي الحثيث من ناصر حمدادوش، لتكريس خطاب وخط حركته القابع بلا تطور  ولا التغير في وسطيات الأحداث بخالها ربما من صميم الوسطية التي يزعم تياره أنها معيار رباني ليس يفهم ويمتلك سحر وسر تفعيله إلا هم، فبدا مرة مقرا ومنتصثرا لحق المضطهدين المعتقلين بسبب آرائهم، ومرة مشككا في حركتهم وحراكهم لا سيما لما أثار مسألة توصية البرلمان الأوروبي المطالبة باطلاق سراح المعتقلين فورا، لائما إياها على هاته الصياغة إذ يرى أنه كان عليها أن تتحدث عن ضرورة محاكمتهم محاكمة عادلة!

كما أنه راح يعطي قراءة كيدية لبيان البرلمان الأوروبي، ويتقفى ما يراه النقائص ناتجة عن خلفية ثقافية، كإيراد البيان لاسم خالد درارني (الصحفي الفرنكفوني) دون الاشارة إلى مضايقات تعرض لها مناضلون وناشطون وشخصيات من تياره، كالشيخ علي بن حاج.

الأمر بالنسبة لناصر حمدادوش ليس يتعلق بأكثر من تحفظ أيديولوجي ثقافي على مبادرة البرلمانيين ألأوروبيين التي لجئوا إليها بفعل أو تفعيلا لاتفاقات مشتركة وقع عليها الطرفان الجزائربي والأوروبي، ما يكشف عن هوس الهوية الطاغي على عقول هاته التيارات على حساب حق الانسان، وحق الوطن كأولوية على حق المواطن، في رؤية متجاوزة لمنطق الوجود الوطني، ذلك لأن الأولوية يفترض أنها انقلبت في بنية السياسة من حركة تحرير الوطن، إلى حركة تحرير المواطن في سياق طبيعي وليس طارئ للتاريخ، حيث تتقلب الأولويات داخل منظومة المبائ الثابتة .

على النقيض من موقف حمدادوش وحزبه، المضحي بالفرد لمصلحة الجماعة، والمواطن لمصلحة الوطن، ما أفقد الجماعة قوة افرد وأضعف الوطن بمحو المواطن – على النقيض منه – ظهر علي بن حاج أكثر دراية وفهما ليس فقط لطبيعة المعضلة السياسية في الجزائرية وبنيتها الصلبة المتمثلة في الحكم، بل في فهم الحاجة الملحة لحقوق الانسان، كقاعدة أساسية لإطلاق مجرى السياسة المحتبس عمدا، ولتحقيق التغيير الجذري والعميق المنشود في البلد.

فعلي بن حاج من عمق مأساته والظلم الذي يُسلط عليها يوميا، أدرك بوعي عملي وتجربة واقع مرير أن ما كتبه من قبل من رؤى متعلقة بالتاريخ وقوانين وآلياته كالديمقراطية التي كفرها، والتعددية التي لم يشاورها أو يشاركها في معركته لاقتلاع النظام قبل أن يقتلعه هذا الأخير، حين كان يتكاثر حضور حزبه في الشارع، صار من الماضي بما قد يعني مراجعة ذاتية غير معلنة الظاهر أنه أخضع نفسه لها.

هاته المراجعة التي لا نراها في التيار النقيض لتيار المغالبة الذي ظهر بظهور الجبهة الاسلامية للانقاذ، ونعني به تيار المشاركة الذي أسس له الشيخ محفوظ نحناح، وهو ما يضعه اليوم محل أزمة خانقة على مستوى الخطاب (الذي حمله في النقاش حمدادوش) وعلى مستوى الممارسة السياسية من خلال سلسلة التخبطات في الاختيارات، كالمشاركة في الحراك حين انطلق مع المباركة لخطوات السلطة في قمعه، رفض مشروع الدستور مع الدعوة للمشاكرة بقوة في الاستفتاء، كل ذلك بسبب عدم خضوع الحزب لمراجعة ذاتية كبرى تنقله من دائرة التفكير (المشاركاتي) الأولى التي تحجج بكونها خيار للحفاظ على الدولة من السقوط أيام الحرب الأهلية، إلى دائرة تفكير وتدبيبر جديد، حيث الظروف العالمية والعولمية التي تلقي اليوم بأشراطها وشروطها داخل القطريات، لا تفتأ تتطور وتتغير في كل لحظة وحين. .

لقد سقطت الاخوانية في مصر بسبب عدم قدرتها على فهم المعادلة التاريخية التي استحال إليها العمل السياسي والدبلوماسي الدولي، وهي التي كانت معتقدة اعتقادا راسخا أنها تملك حقائقه في شعارها الفضفاض (الاسلام هو الحل) وأنها بما تملك من رصيد نضالي حركي شارف عن الثمانين سنة، بوسعها حكم بلد ملغم استراتيجيا وعلى مائدته تتبارى كل السكاكين وأشواك إلتهام اللحم والعظام معا، فكانت النتيجة أن ظهر الاخوان أضعف وأخف من أن يستمروا في قيادة ثورة شعب، فعصف بهم العسكر، ولا أدري ماذا كان سيكون موقف حمدادوش فيما لو أصدر البرلمان الأوروبي وقتها بيانا يواجه فيه نظام الانقلاب في مصر، هل كان سيرفضه باعتباره تدخلا في شؤون مصر الداخلية أم يباركه؟

صار إذن، لزاما على العقل الحراكي الاسلامي في الجزائر أن يعيد النظر في بنيته بحيث يعدل من خارطته الاداراكيبة لذاته ومحيطه، ويترمجع في بشطه ونشاطه السياسي للواقع حيث تدور طاحونة التاريخ، وليس للماضي، أو للرصيد النضالي الحركي الضيق، فاليوم تموت الأوطان التي ليس فيها الانسان الحر، الخلاَّق والمتمتع بكل شروط المسئولية الوطنية، وليس ذلك الفرد أو العبد الذي يرعى في مراعي وبراري الوطن همه الكلأ وتكاثر، ولا ينالها إلى بعد عسر ليس يُرى له يسر.

إن مهمة حراسة الهوية والقيم الرمزية، التي يمارسها تيار حمدادوش وبعض نواقضه من غلاة العلمنة ومتطرفي التغريب، أضحت وسيلة قتل إرادة التغيير في نفس المواطن، الذي يرى نفسه يُفترس بعنف وقوة في قوته في حقوقه ووجوده، وهؤلاء يغنون مآسه بماقطع الغرام الرمزي على آرائك الترف السياسوي الخاوي، سلوك ونهج خاطئين في لحظة التاريخ الثورية الحراكية بالجزائر، تؤكدها فلسفة الحراك الجامعة للجزائريين في حوض الوطن والمواطنة وليس في مستنقع أيديلوجية أي أيديلوجية كانت.

 

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى