المشرق العربي .. الفوضى والانهيار
غازي دحمان *

وفق معايير الأمن والسياسة الدولية، يبدو المشرق العربي مولجاً في الخراب منذ زمن، وما هو موجود مجرّد هياكل خاوية، أو واجهات تسندها أطرافٌ إقليميةٌ ودوليةٌ، لتؤدي وظائف إستراتيجية تهم هذه الأطراف. أما الدول التي كانت قائمة في هذه البقعة، فقد ماتت منذ اللحظة التي تلاعبت بها، بخفةٍ واستهتارٍ، سلطات أنظمة عابثة، تبخّرت على أيديها السيادة، وتاهت الشعوب في أركان الأرض الأربعة.

انهارت الدولة، في العراق وسورية ولبنان، تحت ضغط الفساد وحروب الطوائف وصراع اللاعبين الخارجيين. في هذه البلاد ملايين العاطلين عن العمل، وانهيار دراماتيكي للعملات والاقتصاديات الوطنية، وغالبية الشعوب تحت خط الفقر، فضلاً عن ملايين الأطفال خارج المدارس، أو لم يكملوا تعليمهم، وتعيش شعوب هذه البلدان في العتمة، ويهدّدها العطش بالفناء.

تتحوّل هذه البلاد بسرعةٍ إلى مصانع لإنتاج المخدّرات ونشاط المافيات برعاية العائلات والطبقات والطوائف الحاكمة التي باتت ترتبط بعلاقاتٍ عضويةٍ مع شبكات المافيا العالمية، وتستخدم مراكزها السياسية والدبلوماسية، من أجل تجميل صورتها والتغطية على أعمالها، وليس لخدمة بلادها التي تعرضها للبيع بالجملة والمفرق في أسواق مشاريع اللاعبين الإقليميين والدوليين.

“كل الحلول غير قابلة للترجمة على الواقع الذي صنعته سياسات النخب الحاكمة والتدخلات الخارجية “.

ولسنا بعيدين عن ذلك الزمان الذي ستتحوّل فيه هذه البلاد إلى طوائف وعشائر وأحزاب، تعيش متجاورة، ولكنها تتبع قوى إقليمية ودولية معينة. دخلنا هذا الزمن منذ فترة، عندما حوّلت إيران شعوب العراق ولبنان مرتزقة، وفعلت تركيا الأمر نفسه مع السوريين. ويبدو أن انهيار الدول في المشرق العربي سيجعل من الارتزاق صنعة مزدهرة، وربما الصنعة الأكثر إتقاناً لشعوبٍ جائعةٍ وعطشى، ومحرومةٍ من التعليم وفرص التأهيل.

تكشف معدلات ارتفاع الجريمة في بلدان المشرق العربي جزءاً من قتامة المشهد وواقع الأحوال في هذه المنطقة، واللافت، في هذه الجرائم، أن الجزء الأكبر منها يحصل ضمن الأطر العائلية، مثل قتل الأزواج زوجاتهم أو العكس، أو قتل الإخوة بعضهم، وإنْ تعكس هذه الجرائم مدى استبطان المجتمعات العنف الذي عاشته أو شاركت به في السنوات المنصرمة، إلا أنها تكشف حجم الانهيار الحاصل في المنظومات القيمية والأخلاقية، وما نتج عنه من تفكّك للروابط المجتمعية، والذي لم يقتصر على تفكك اللحمة الوطنية بين المكوّنات الكبرى، بل طاول الأجزاء الأصغر، مثل العائلة والعشيرة والطائفة.

“طوائف وعشائر وأحزاب، تعيش متجاورة، ولكنها تتبع قوى إقليمية ودولية معينة “.

ويبدو أن كل ما يحصل في المشرق العربي نتيجة طبيعية ومنطقية لسياق أزموي طويل، ولواقعٍ تعفّن على مدار سنوات عديدة، فطوال المرحلة السابقة، أدارت الأنظمة والأجهزة الأزمات التي واجهتها، والتي كانت، في الغالب، مطالب شعبية بالإصلاح والتغيير والشفافية، لتتمكّن المجتمعات من تدبير شؤونها، عبر مواجهة هذه المطالب بسياسات الفوضى، وذلك بغرض دفع المجتمعات إلى التراجع عن مطالبها والقبول بما تعرضه عليها تلك الأنظمة من حلولٍ تحفظ لها الحد الأدنى من الأمن والسلامة. وكان العنف، بأقصى درجاته واستعراض القوّة، أهم استراتيجيات المواجهة لدى هذه الأنظمة، وهو ما نتجت عنه تصدّعات شاملة في المستويات الاقتصادية والاجتماعية أودت، بعد تراكم مديد، إلى هذا الانهيار المرعب.

وما زاد من تعقيد الأوضاع تحوّل هذه البلدان ساحاتٍ لصراع الآخرين الذين جعلوها ساحاتٍ لتجريب الأسلحة واللعب مع الخصوم، حيث شكّلت المنطقة حقولاً لتدريب الجيوش على فائض الشعوب الموجودة فيها، وتجريب الإستراتيجيات التفاوضية والتدرّب على الصبر الإستراتيجي، ما دامت هذه الأطراف تقاتل بجيوشٍ من شعوب هذه البلدان، وتصرف على نشاطاتها من ثروات هذه البلدان أيضاً. ولا بأس من تجريب المؤامرات، حيث تتوعد الأطراف بعضها بتحويل تدخلاتها في المنطقة إلى مستنقعاتٍ لإغراق احلامها الجيوسياسية. وذلك يستدعي تجهيز البنية التحتية لهذه المستنقعات، والتي لن تكون سوى تدمير بلدان المشرق، وتحطيم عمرانها ومجتمعاتها.

“حوّل التنافس الإقليمي والدولي منطقة الشرق الأوسط إلى حقول من رماد، وقتل جميع محرّكات الحياة فيها”.

لقد حوّل التنافس الإقليمي والدولي منطقة الشرق الأوسط إلى حقول من رماد، وقتل جميع محرّكات الحياة فيها، حتى الثورات التي شكّلت بارقة أملٍ لإنقاذ المنطقة وشعوبها، انطفأت بفعل تآمر الأنظمة والقوى الخارجية، وجرى إفقار الطبقات الوسطى، بعد استنزافها إلى أبعد الحدود، وباتت في حاجةٍ إلى وقتٍ تستجمع من خلاله قواها المنهكة وتستعيد قدرتها على الثورة والتمرّد، في ظل حالة الحرب التي تعرّضت لها وحطمت مرتكزات قوتها.

تبدو كل الطرق في المشرق العربي باتجاه مستقبل أفضل، مغلقة بإحكام، ويبدو أن الحلول المنطقية فات أوانها، ولم يبق سوى انتظار الاستحقاقات الكارثية، وحتى أبواب اللجوء تم إغلاقها وكأنه بات محكوماً على شعوب المنطقة بالفناء داخل جدران معازلهم، وكل الحلول غير قابلة للترجمة على الواقع الذي صنعته سياسات النخب الحاكمة والتدخلات الخارجية، بل إن المشهد ذاهب باتجاه أكثر قتامةً مع احتمال انهيار السلطة الفلسطينية جرّاء إصرار اليمين الإسرائيلي على قرار ضم الأغوار، وما سيعكسه هذا الأمر من تداعيات على الأردن الذي يبقى بؤرة أمان في وسط إقليمي مفكّك وفوضوي.

* غازي دحمان كاتب وباحث سياسي سوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى