المشهد الفلسطيني 2020
وسام عفيفة

ينتقل المشهد الفلسطيني إلى العام 2020 محملا بالعديد من الملفات الساخنة، التي من المتوقع أن تترك آثارها على الواقع الفلسطيني بأبعاده الإقليمية والدولة، أمام حالة المد والجزر في الصراع من الاحتلال.

ولا يغيب عن استشراف الوضع الفلسطيني في العام الجديد تداعيات المرحلة الانتقالية في المشهد الإسرائيلي الذي أوصلته أزماته السياسية إلى جولة انتخابية ثالثة خلال عام ونصف، من المفترض أن تجري في آذار/ مارس القادم، وما سينتج من توجهات للحكومة القادمة تجاه الفلسطينيين، وتحديدا خيارا التهدئة والتصعيد مع غزة من جانب، وفرص انفجار الضفة الغربية، ومن جانب آخر، في ظل تصاعد الانتهاكات والاستيطان، وجرائم تدفيع الثمن التي يرتكبها المستوطنون ضد أهل الضفة.

داخليا، سيرحل ملفا الانتخابات والمصالحة الأكثر تعقيدا إلى العام الجديد بكل ما يحملان للمواطن الفلسطيني من خيبات وإحباطات، وسيظل إنهاء الانقسام شعارا فصائليا دون أفق بتغير جوهري في سلوك ونهج السلطة. وسيتواصل استنزاف الموقف الفلسطيني في ظل إصرار السلطة وضع غزة وحماس على رأس سلم العداء.

في تفاصيل استشراف معالم العام الجديد على الفلسطينيين، فهناك خمسة متغيرات تتحكم في مسار المشهد الفلسطيني خلال 2020، وتتلخص هذه المتغيرات في: جدية الاحتلال في تطبيق استحقاقات تفاهمات التهدئة، ودرجة سخونة الميدان وفقا لحالة الاشتباك في ظل إعادة جدولة وتقييم مسيرات العودة كفعل شعبي أسبوعي تحول إلى موسمي، إلى جانب قدرة أجنحة المقامة كافة الالتزام بالتوافق العسكري ضمن غرفة العمليات المشتركة، بينما تساهم تطورات المشهد الإقليمي في ظل استعراض القوة بين إيران والولايات المتحدة إلى التأثير على قرارات حكومة الاحتلال، وأخيرا المتغير المتربط بالرؤية الأمريكية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي بعد فشل تمرير صفقة القرن.

ومما لا شك فيه أن الإقليم المتفجر يفرض تحديات على القضية الفلسطينية، ويضع حركات المقاومة في مواقف صعبة في ظل صراع المحاور وموجات التطبيع، ومحاولة المتصارعين في الإقليم استدراج مواقف من قوى المقاومة الفلسطينية أو السلطة تدعم توجهاتهم السياسية والعسكرية في المنطقة.

وفي هذا السياق، ستحرص القاهرة الحفاظ على الوكالة الحصرية لها في ملفي التهدئة بين المقاومة والاحتلال، والمصالحة بين الفرقاء الفلسطينيين. وستتأرجح العلاقة بين حماس والقاهرة بين الفتور والجدية في إطار مصلحة الطرفين، دون تغير أو تطور في المشهد الفلسطيني يدفع القاهرة للعودة إلى مربع المواجهة مع حماس.

في المقابل، قد يدفع استمرار انسداد الأفق السياسي والميداني والإنساني في قطاع غزة؛ الأطراف المتحكمة بمستوى النيران، خصوصا الاحتلال وحركة حماس، إلى إعادة النظر في تكتيكاتها بناء على مجموعة من المؤثرات، كي تكون أكثر حسما في ملفي التهدئة والمواجهة خلال المرحلة المقبلة.

على صعيد حركة فتح، فان الخشية من خسارة امتيازات السلطة، وتخوف الحركة من فقدان سيطرتها على الضفة الغربية، ومجابهة حماس في غزة، يحول دون تفعيل خيار المقاومة في الضفة، كبديل لفشل مشروع التسوية والمفاوضات، بديل يمكن الفلسطينيين من التصدي للتغول الاستيطاني على الأقل.

كما أن تشابك المصالح الأمنية والاقتصادية بين السلطة والاحتلال، تجعل أي تهديدات لعباس أو خطواته بشأن وقف الاتفاقيات أو القيام بخطوات مضادة على الأرض فارغة، بالإضافة الى عدم الجاهزية لقبول حماس كشريك فاعل في المشروع الوطني، يمنع حركة فتح المضي قدما في ملف المصالحة، أو الانتخابات إلا على قاعدة تنازلات واسعة من حماس، واحتفاظ فتح بالشرعية والتحكم في منظمة التحرير.

وعليه، فإن حجم الأزمات والتحديات التي تواجها السلطة ومحمود عباس سيدفعهما لخوض معارك سياسية وإعلامية داخلية للتغطية على مسيرة الفشل للسلطة، لهذا فإن سياسة المناكفة لغزة، والمواجهة مع حماس ستتواصل خلال العام الجديد.

وأمام المتغيرات الإقليمية المتسارعة نحو الاصطفاف والتمحور وتبدل الأولويات اتجاه القضية الفلسطينية، لا يبدو أن السلطة سوف تجد دعما أو حراكا سياسيا يخرجها من عزلتها، بينما سيكون المشهد الفلسطيني عرضة لمتغيرات في ساحة الضفة لغربية على ضوء التطورات في المتسارعة، وأبرزها التهديدات الاستيطانية والفلتان الأمني.

وأمام هذه الصورة الملتبسة فلسطينيا فإن من مصلحة المقاومة في غزة تأخير المواجهة العسكرية مع الكيان خلال الشهور القادمة، مع استمرار الضغط بضرورة توسيع نطاق التسهيلات في غزة، واستثمار حالة الإرباك السياسي في الكيان لتمتين الجبهة الداخلية، استعدادا للمرحلة القادمة التي قد تشهد تطورات دراماتيكية في دولة الاحتلال والمنطقة، خصوصا وأن خيار المواجهة العسكرية يبدو مستبعدا في المؤسسة العسكرية للاحتلال خلال الفترة الانتقالية قبل تشكيل الحكومة في الكيان، حتى وإن حاول نتنياهو استخدامها كوسيلة لخلط الأوراق، وذلك لوجود كتلة مانعة في جيش الاحتلال والأجهزة الأمنية حذرة وغير راغبة بخوض مغامرات دون مكاسب مضمونة على جبهة غزة.

ورغم أن عام 2019 استنزف الفلسطينيين في صراعاتهم الداخلية، إلا أن المصالحة تبقى ورقة رابحة ومجال حيوي للمقاومة عموما ولحركة حماس تحديدا، لتعزيز رصيدها السياسي، وحماية السلاح الفلسطيني من الفتن والعبث، وللبناء على التجربة النضالية الشعبيةالناجحةلمسيرات العودة، للمضي قدما فيكسر الحصار عن غزة، والاستعداد للمعركة الأقسى التي يتهيأ لها الاحتلال في الضفة الغربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى