المطلوب أميركيا.. احتواء الفلسطينيين للتفرّغ للصين

السياسي – لا نية للإدارة الأميركية للدفع باتجاه تسوية لقضية فلسطين أو حلّ دائم لها، إذ إن التحرّكات أخيرا تدلّ على خطةٍ قيد التحضير والتطوير والتنفيذ لتهيئة بيئةٍ ملائمةٍ لحل مستقبلي، توقيته غير ذي أولوية، تمنع المواجهات، ولا تغلق الباب على تأسيس كينونة فلسطينية، فيما تستمرّ عملية تطبيع إسرائيلية – عربية تُجبر الفلسطينيين على قبول الأمر الواقع المفروض بالقوة الإسرائيلية مع تحسيناتٍ في الوضع الاقتصادي تحت شعار حل الدولتين، بشرط بقاء الهيمنة الإسرائيلية.

لا تختلف الرؤية كثيرا عن خطة الرئيس السابق، دونالد ترامب، التي أراد فرضها بعلاج الصدمة، ومن دون حاجةٍ الى أيٍّ من مظاهر الدولة أو السيادة الفلسطينية، فالرؤية الجديدة في واشنطن، وهي منسجمة مع خط وزارة الخارجية الأميركية في العشرين سنة الماضية، تعتمد على “التدرجية” التي أصبحت مفردةً مستعملةً بشكل لافت في أروقة اتخاذ القرار ومراكز الأبحاث الصهيونية والمتنفذة في واشنطن.

يتطلّب مفهوم “الرؤية التدريجية” للحل “دعم السلطة الفلسطينية وتمكينها”، ومنعها من الانهيار، فعملها ضروري لضبط الشارع الفلسطيني أولا، والتوقيع على حل مستقبلي ثانيا.

وإن كان مسؤولون في الإدارة ومراكز الأبحاث يفضّلون إيجاد قيادات جديدة، وتشجيعها، أملا في أن تكون ذات مصداقية، حين يأتي ميعاد المفاوضات النهائية على مخرجات، باستثناء بعض التفاصيل، مقرّرة مسبقاً.

لكنّ هناك شروطا وضعتها الإدارة الأميركية، وكشفتها تصريحات مسؤولين ومقالات كتّاب مقرّبين من البيت الأبيض، للرؤية التدريجية لتنجح، يتجاوز عمادها توثيق التنسيق الأمني إلى تغيير المفاهيم الفلسطينية النضالية، وأهمها حقوق الأسرى وعائلات الشهداء.

فمسألة الإصرار الأميركي المستمر على وقف (أو “إصلاح”) نظام رواتب الأسرى وأهالي الشهداء، ليست تقنية، بل هي في صميم تقويض الوعي الجمعي المقاوم في فلسطين، فلا يمكن تدجين الفلسطينيين من دون القضاء على مكانة الفعل المقاوم وكرامته وشجاعته، فالمطلوب أن يصبح الشهيد صريع عمل عنف غير مشروع، والأسير مجرما خارجا عن القانون.

وعليه، فإن “إصلاح” نظام رواتب الأسرى وأهالي الشهداء، أو تغييره، شرط رئيسي لتأهيل السلطة الفلسطينية لمرحلة جديدة، تشترط إنهاءً كاملا لثقافة تاريخية مجتمعية، والأهم ذاكرة شعب منخرط في مرحلة تحرّر وطني، فهذا أهم من منع عمليات ضد الجيش الإسرائيلي.

بل إعادة تأهيل الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، خصوصا أن الخطوة تقترن برقابة صارمة على المنهاج التعليمي والإعلام، وهي شروطٌ ليست جديدة، ولكن من الواضح أن هناك قرارا أميركيا بالبدء بتنفيذها في عهد هذه الإدارة ومن دون تأجيل.

مقابل هذه الشروط، تسعى أميركا إلى تمديد التأجيل الإسرائيلي الرسمي لضم أراض من الضفة الغربية وغور الأردن (وإن كانت إسرائيل مستمرة في بناء المستوطنات ومصادرة الأراضي) وفتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وإعادة تفعيل القنصلية الأميركية في القدس.

لكنها كلها مشروطة بقبول السلطة الفلسطينية بالشروط الأميركية، وإن كانت قد تعيد عمل القنصلية، إذا وافقت إسرائيل كبادرة حسن نية”، لتليين موقف السلطة من الشروط الأميركية، وهي الشروط نفسها التي فشل ترامب بفرضها على السلطة، إذ اقترنت بقبول صفقة القرن وإنهاء حقوق الشعب الفلسطيني.

اختلفت، هذه المرّة، شخوص المبعوثين الأميركيين، واختلفت لهجة الإدارة، وهذا بحد ذاته مهم لفهم أجواء وربما سيكولوجية الأحداث والمحادثات الأميركية الفلسطينية، فإدارة بايدن لجأت إلى أسلوب الدبلوماسية الناعمة بهدوء اللهجة، وليس في مضمونها.

واختارت مسؤولَين عُرفا بمعارضتهما العلنية، وأحيانا  الحادّة، لمشروع صفقة القرن، فمدير وكالة المخابرات، وليم بيرنز، ومن خلال مؤسسة كارنيغي للدراسات، أطلق تحليلات ونشر آراء تفنّد صفقة القرن، وتعتبرها غير عادلة وغير مقبولة.

وشن مساعد وزير الخارجية للشؤون الإسرائيلية والفلسطينية، هادي عمرو، قبل تسلمه منصبه، أكثر من هجوم لاذع على طروحات ترامب، ساخرا من فريقه الصهيوني المتطرّف.

فكان أنه، وهو اللبناني المولد والنشأة، والذي افتخر يوما بتأثره بالانتفاضة الفلسطينية، بأن يكون حامل رسالة الشروط القاسية التي تسلب، في حال تنفيذها، حق الفلسطيني في النضال ومقاومة الجيش الإسرائيلي!

حتى وإن كان يدافع، بصدره العاري، عن بيته وأرضه من التهديم، أو عن أسرته المعرّضة للتهجير والاقتلاع، فوفقا لما يقوله مقرّبون من السلطة، تقمص هادي عمرو، وهو من آمن علنا بالقضية الفلسطينية يوما، لغة المستعمر، وكأنه استمرأ دوره الجديد.

الجدير بالذكر أن هناك في العالم العربي من فرح بتعيين هادي عمرو. ولكن في تاريخ السياسة الأميركية قلما يتم تنصيب شخص من دون أن يهجر مواقفه السابقة غير المتفقة معها، لكن إدارة الرئيس بايدن اعتمدت على معرفته باللغة العربية والثقافة وتاريخ القضية الفلسطينية، إضافة إلى علاقاته الواسعة، وسنواته في لبنان.

فقد نسج علاقات وثيقة مع أكاديميين ونشطاء، وحتى قادة فلسطينيين، في فترة إدارته مركز بروكينغز في الدوحة، فأصبح شخصا مألوفا، بل وصديقا لبعضهم، عدا عن أن احتكاكه بقيادات في حماس، حين تولى مهمات لمؤسسات دولية وأكاديمية، تجعله مقبولا من الفلسطينيين والعرب.

لكنه فاجأ من كان على معرفة به بوصوله إلى القدس على متن طائرة عسكرية أميركية محمّلة بالأسلحة إلى إسرائيل، في أوج القصف الإسرائيلي إلى غزة، والهبة الفلسطينية الممتدة على أرض فلسطين التاريخية، ونزل من بوابة الطائرة مختالا مزهوا، فرحا بانتقاله إلى موقع المتحكم ينقل رسالة تهديد، ليس إلى السلطة الفلسطينية فحسب، بل إلى الشعب الفلسطيني الذي كان ملهما له في يوم بعيد، بأوامر سادته الجدد.

أما وليم بيرنز، فهو ليس مديرا تقليديا للمخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، فهو دبلوماسي متمرّس، اشتهر بدفء علاقاته وسحر شخصيته وقربه من الناس خلال عمله سفيرا لبلاده في الأردن، وأتاحت له سنوات عمله رئيسا لمؤسسة كارنيغي بتوثيق معرفته بالفلسطينيين، من كل الاتجاهات والأعمار.

فهو أقرب إلى خبير، ويفهم أبعاد القضية الفلسطينية، لكن ذلك قد يجعله أخطر من سابقيه، وإن كان لافتا التزامه بحل الدولتين، لكن إدارته مؤسسة أمنية معنية بالعالم الخارجي تجعل هدفه الأساس مواجهة المد الصيني، وليس حقوق الشعب الفلسطيني.

وإذا صحّ ما تسرّب عن طلب أميركي، تشكيل لجنة مشتركة إسرائيلية – فلسطينية “لمراقبة ملف الأسرى والتعليم”، فذلك يعني أن إدارة بايدن اختارت خيار إدارة الصراع، بتمكين إسرائيل ليس بالوصاية على السلطة فحسب، بل على الشعب الفلسطيني وعقله ووعيه، فيما تتفرّغ لأولويتها الاستراتيجية في مواجهة تمدّد نفوذ الصين، كما أقرّ بذلك بيرنز، في مقابلة مع إذاعة إن بي أر الأميركية.

فمدير “سي آي إيه” لم يأت إلى المنطقة للتوسط أو فرض حل، بل لتأجيل اندفاع الإسرائيليين نحو ضم الضفة وغور الأردن، وتهجير أهل القدس، ومحاولة إعادة تأهيل الشعب الفلسطيني بالترهيب والترغيب.

المحصّلة أن قبولا للشروط الأميركية ليس تخليا عن الشعب الفلسطيني فحسب، بل المساهمة في تهميش القضية لصالح بناء حلف إقليمي عسكري عربي إسرائيلي، وتوسعة التطبيع الإبراهيمي لعزل الشعب الفلسطيني وقضيته، فلا بديل عن الصمود والمقاومة، فهمت السلطة أو لم تفهم.

* لميس أندوني كاتبة وصحفية من الأردن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى