المطلوب فلسطينياً في مواجهة قرار «الضم»
محمد عايش  

الخلافات الداخلية الفلسطينية يجب أن تظل هامشية، ويجب أن تظل كذلك أمام التحديات المصيرية والاستراتيجية التي يواجهها الشعب الفلسطيني، والتي تتمثل بمشاريع إسرائيلية تهدف إلى مسح كل ما هو فلسطيني، وخلق واقع جديد يجعل من المستحيل مستقبلاً إقامة دولة فلسطينية، بل يجعل المجتمع الفلسطيني مهددا بالذوبان والاختفاء.

على الفلسطينيين أن يدركوا أن المرحلة المقبلة من الصراع مع الاحتلال مختلفة تماماً عما كان عليه الحال في السابق، وأهم ما يميز المرحلة المقبلة هو، أن الخلافات الفلسطينية الداخلية لم تعد ذات معنى، فالسلطة الفلسطينية، التي تشكل محوراً للانقسام الداخلي، والصراع على السلطة لم تعد موجودة أصلاً، ولا هي قائمة، وتحولت إلى سلطة أمر واقع تعمل على تسيير الحياة المدنية للفلسطينيين، ولو أدرك الفلسطينيون هذه الحقيقة عندها سيفهمون بأن خطوط الاختلاف لم تعد موجودة، وأن الجميع، سواء من كان في حركة فتح أو في حماس أو في غيرهما، أصبح اليوم في سلة واحدة وفي مواجهة واحدة مع الاحتلال.

“ثمة هامش للحركة يمكن أن يلعب فيه الفلسطينيون، وهذه ليست المرة الأولى التي يجدون فيها أنفسهم وحيدون في المواجهة “.

خلال العام الماضي ارتفعت أعداد المستوطنين في الضفة الغربية إلى أعلى مستوى لها على الاطلاق، أي منذ عام 1967، وهذا يعني بالضرورة أن إسرائيل واصلت التهام الأراضي الفلسطينية، التي كان الفلسطينيون يأملون في أن يبنوا دولة لهم عليها، وخلال العام الحالي تعتزم إسرائيل تنفيذ «خطة الضم» في أكبر عملية التهام ستشهدها الضفة الغربية أيضاً، وفي أكبر انتهاك للقانون الدولي، وأكبر عملية نسف لاتفاقات السلام المبرمة مع منظمة التحرير والأردن ومصر.

في السنوات الأخيرة ثمة تطورات استراتيجية كبيرة على الأرض الفلسطينية، وأهم نتيجة لهذه التطورات هي، أن اسرائيل تقوم بإحداث تغييرات جذرية، وهذه التغييرات تعني بالضرورة أن شكل الصراع مع الاحتلال تغير بالكامل، لأن اسرائيل تريد أن تفرض حلاً على الفلسطينيين، لا أن تتوصل لحل معهم، وهذا يعني أن السلطة لم تعد موجودة بالنسبة لإسرائيل، وأن الأردن لم يعد مهماً كما كان في السابق، وهنا نفهم كيف ولماذا يتم الاعلان عن صفقة القرن في واشنطن، من دون وجود أي ممثل عن الفلسطينيين، أو عن الأردن أو عن مصر، بينما لم يكن ممكناً مثلاً أن ينعقد مؤتمر مدريد قبل ثلاثين عاماً، من دون وجود هذه الأطراف الثلاثة، ولم يكن ممكناً القفز عنهم في أي عملية تفاوض. المشهد الفلسطيني اليوم يحتاج لجملة تحركات داخلية، أهمها ما يلي:

*أولاً: التوجه لاجراء مصالحة داخلية عاجلة، تُنهي الانقسام بين حركتي فتح وحماس، وتنهي الجمود السياسي الداخلي، لأن أي مواجهة مقبلة مع الاحتلال لا يمكن فيها لغزة أن تنفصل عن الضفة، ولا لحماس أن تنفصل عن فتح. ويتوجب أن ينبثق عن المصالحة الداخلية، تشكيل مجلس أعلى يضم كافة الفصائل الفلسطينية للتنسيق والتشاور الدائم والمستمر.

*ثانياً: يتوجب إعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية فوراً بكل مؤسساتها، والتعامل مع المنظمة على أنها البديل للسلطة، وهي صاحبة الولاية الأعلى والصوت الأقوى.

*ثالثاً: لا يمكن مواجهة قرار الضم الإسرائيلي، من دون وجود تنسيق فلسطيني أردني، حيث أن السياسة الإسرائيلية الراهنة، والمدعومة من الولايات المتحدة، تشكل تهديداً وجودياً للأردن، وهو ما يجعل هذه المواجهة مصلحة مشتركة لكل من الأردنيين والفلسطينيين.

نُدرك ويُدرك الجميع أن الوضع العربي والفلسطيني بائس، وأن الحال اليوم أسوأ من أي وقت مضى، خاصة مع وجود سباق عربي نحو التطبيع مع إسرائيل وإقامة علاقات صداقة معها، على حساب قضايانا القومية وحقوقنا التاريخية كأمة عربية، لكن هذا كله لا يُبيح للفلسطينيين الوقوف كمتفرجين على ما يجري، ومواجهة السياسات الإسرائيلية بالسكوت. ثمة هامش للحركة يمكن أن يلعب فيه الفلسطينيون، وهذه ليست المرة الأولى التي يجدون فيها أنفسهم وحيدون في المواجهة، وقد سبق أن تصدوا للاحتلال بالحجارة في عام 1987 عندما أذهلوا العالم حينها وأثبتوا أنهم قادرون على الحركة ولو كانوا تحت الركام.

*كاتب فلسطيني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى