المعارضة الأميركية والاتفاق النووي
وليد فارس

انقسمت أميركا حول انتخاباتها، واتجاهاتها السياسية والثقافية بشكل غير مسبوق تاريخياً على مدى العام المنصرم، ما يطرح السؤال دولياً وداخلياً حول انقسامها بشأن السياسة الخارجية بعامة وتجاه إيران بخاصة، حالياً وفي الأشهر والسنوات المقبلة. إلا أن الجواب غير تقليدي، ففي عقود مضت، كان معروفاً عن الولايات المتحدة أنها تنقسم انتخابياً وسياسياً حول الشؤون الداخلية، لكن “بيروقراطيها” كانت تؤمّن الاستمرار في سياسة الأمن القومي والسياسة الخارجية. وكان ذلك واضحاً خلال الحرب الباردة والعقد الذي سبق ضربات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001. لكن منذ اندلاع “الحرب على الإرهاب” والإدارات الأميركية تسير في اتجاهات متناقضة في السياسات الخارجية، بشكل غير مسبوق.

خلافات السياسات الخارجية

شنت إدارة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش حملة على تنظيم القاعدة وصنّفت إيران و”حزب الله” كطرفين إرهابيَين. كما أخرجت القوات السورية من لبنان، ووقفت إلى جانب عرب الاعتدال بوضوح لا يحتاج إلى تفسير. أما إدارة الرئيس السابق باراك أوباما فقلبت الاتجاه رأساً على عقب، وفتحت ذراعيها لـ “الإسلامويين” لا سيما “الإخوان”، وبنت جسراً مع نظام الخميني. ووصلت إدارة أوباما إلى توقيع اتفاق مع طهران حول تجميد التخصيب النووي في مقابل الحصول على مليارات من الأرصدة المجمدة. كذلك تغيرت سياسة البيت الأبيض في عهد أوباما اتجاه السعودية والبحرين والإمارات بسبب تصديهم لإيران والاتفاق النووي، وتجاه مصر بسبب انتفاضتها ضد الرئيس السابق محمد مرسي والإخوان. أوباما عكس سياسة بوش بشكل كامل.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

لا أولوية للخارجية

إلا أن الرأي العام الأميركي تقليدياً لا يولي السياسة الخارجية كثيراً من الاهتمام، ولا يعتبرها ضمن الأولويات. لذا فالتبدلات الطفيفة بين الرؤساء جورج بوش الأب وبيل كلينتون، وبين الأخير وبوش الابن لم تكن لها تأثيرات عميقة في المواقف الدولية، بما فيها الموقف من إيران. إذ إن الأزمة العميقة التي تفجرت بين البلدين إثر أزمة السفارة والرهائن في عام 1979 طبعت النظرة الأميركية العامة للنظام الإيراني، كخطر على أمن الأميركيين وليس كشريك في أي صيغة.

تغيير أوباما

إلا أن الأمر تغير مع وصول أوباما إلى البيت الأبيض، إذ سارع فريق عمله إلى إجراء تغيير عميق في السياسة الأميركية تجاه طهران الخمينية. فمنذ رسائل أوباما إلى المرشد الإيراني علي خامنئي في عام 2009 بهدف توقيع الاتفاق النووي في عام 2015، انقلبت السياسة الأميركية رأساً على عقب، وتم إنتاج “عقد تبادلي” هائل بين الطرفين، تفتح بموجبه الإدارة الأميركية أبواب التمويل لطهران، بما فيها تحويل الأموال المجمدة، في مقابل التزام إيران عدم تخصيب اليورانيوم.

وقامت معارضة من الحزب الجمهوري ضد هذه السياسة منذ بدايتها في عام 2009، وانتقدها ميت رومني، المرشح الرئاسي في عام 2012. إلا أن إدارة أوباما وقّعت الاتفاق النووي على الرغم من المعارضة الكثيفة في الكونغرس. وبرز ثلاثة مرشحون كبار للرئاسة في خريف ذلك العام في مجابهتهم للاتفاق وهم السناتور تيد كروز والسناتور ماركو روبيو ورجل الأعمال حينها، دونالد ترمب. و مع اختيار الاخير كمرشح رئاسي للحزب الجمهوري، بات رأس حربة المعارضة ضد الاتفاق بين أوباما وخامنئي.

حملة ترمب

في المقابل، فإن حملة ترمب، التي كانت في المعارضة قبل نجاحها في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، اتهمت إدارة أوباما بمحاربتها سراً. وبعدما دخل ترمب البيت الأبيض، اتهم مؤيدوه المعارضة التي قادها سلفه بشكل غير علني، بالعمل على تقويض سلطة إدارة الرئيس الجمهوري عبر “التحقيق الروسي” ثم “الأوكراني” وأحداث الشغب التي جرت في ولايات أميركية عدة الصيف الماضي.

معارضة الجمهوريين وترمب لأوباما وكلينتون شملت ملف إيران عبر رفض الاتفاق النووي. وعندما دخلوا البيت الأبيض، ألغوا الاتفاق في عام 2018. في المقابل، حشدت المعارضة الديمقراطية قوتها لإسقاط ترمب، بطريقة أو أخرى، لتعيد العمل بالاتفاق النووي. ومع خروج ترمب من السلطة، بات واضحاً أن إدارة بايدن عائدة إلى الاتفاق، والمعارضة التي سيقودها ترمب ستطالب بالخروج منه مجدداً.

طريق بايدن

يبدو واضحاً أن البيت الأبيض الحالي سيسلك طريق “العودة” إلى الاتفاق، ولكن بتأنٍ ظاهر، وسرعة خفية. في المواقف العلنية، ستطمئن إدارة بايدن الرأي العام، وبخاصة المعارضة المحافظة ومؤيدي إسرائيل في الولايات المتحدة، إلى أن هنالك شروطاً كثيرة ومواقف متشددة من إيران قبل أي “عودة”. ولعل الغارة الأميركية الأخيرة على موقع لميليشيا عراقية مرتبطة بايران على الحدود السورية، هي مَثَل على ذلك. فالغارة ليس رسالة تتعلق بمحتوى الاتفاق النووي، لأن العودة إليه تم التفاهم حولها، بل إنها “ضرورة” عسكرية للإبقاء على صورة الردع قائمة، بعد قصف موقع أميركي في كردستان العراق. ورسالة إلى الداخل الأميركي لتفادي انتقادات المعارضة إدارة بايدن.

أما في الواقع العملي، فإن إدارة بايدن تحاول “إضعاف” المعارضة الإقليمية، من جانب العرب من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، للاتفاق، عبر الضغط في اليمن، وعلى السعودية والإمارات، وحكومة بنيامين نتنياهو، ليسهلوا العودة إلى “طاولة الاتفاق”. وأحد أهم أهداف البيت الأبيض من هذه الضغوطات الشرق أوسطية هو نزع هذا الملف من بين يدي الجمهوريين وترمب “العائد” إلى الساحة السياسية. وذلك عبر تمييع موقف “شركائه” السابقين في المنطقة. فكيف يمكن استشراف موقف المعارضة الأميركية بقيادة ترمب من سياسة بايدن تجاه إيران؟

معارضة ترمب

بعودته إلى الساحة السياسية عبر خطابه أمام منظمة “سيباك” CPACللمحافظين، في مؤتمرها السنوي في فلوريدا الأسبوع الماضي، هاجم ترمب المعارض، السياسة الخارجية لإدارة بايدن، لا سيما في ما يتعلق بإيران و”العودة إلى دعمها مالياً بمقابل استمرارها بالنهج العدواني”. إذاً دخلت أميركا مرحلة جديدة، حيث باتت المعارضة ذات قوة مؤثرة في السياسة الخارجية للإدارة.

أوباما نظّم المعارضة سراً منذ عام 2017 لإسقاط ترمب والعودة إلى “الاتفاق”. وترمب الآن عارض هذا الاتفاق “علناً”، وسيعمل مع أنصاره في الحزب الجمهوري على “إسقاط العودة”.

قدرات المعارضة

لكن السؤال الحقيقي الآن هو، ماذا بإمكان ترمب المعارض أن يفعل في هذا الموضوع وما هي قدراته؟ في السنوات الأربع الماضية حشدت المعارضة كل طاقاتها عبر أوباما ونانسي بيلوسي وزعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر، واسترجعت مجلس النواب الذي تحول إلى رأس الحربة ضد ترمب، ولكن السيطرة على البيت الأبيض ومجلس الشيوخ هي التي سمحت بقلب الأوضاع لصالح اللوبي الإيراني.

ترمب، الذي أنقذ رأسه في محاكمة العزل الأخيرة، عاد إلى الحلبة مع جيش سياسي كبير من ملايين الناخبين، وعشرات الولايات، وبعض الإعلام المحافظ. كذلك فإن أنصاره في مجلسَي الكونغرس، على قاب قوسين أو أدنى من انتزاع الأكثرية. إذاً لترمب قدرات كبرى للضغط داخلياً على السياسة الخارجية. إلا أن الواقع هو أنه على الرغم من قوته السياسية لن يكون بإمكانه فرض سياسة المعارضة على الإدارة، لأن السياسة الخارجية تنحصر بيد السلطة التنفيذية.

 السيناريوهات المحتملة

إذاً ما هي السيناريوهات المحتملة؟ هنالك احتمالات عدة. الأول، هو أن يعود بايدن إلى الاتفاق بسرعة عبر قرار تنفيذي، وعلى الرغم من المعارضة.

الثاني، هو أن يعود الجمهوريون أكثرية في الكونغرس في عام 2022 ويقيّدوا إدارة بايدن تجاه إيران.

أما الثالث، فهو أن يعود الجمهوريون إلى الببت الأبيض في 2024 ويغيروا السياسة من جديد.

السيناريو الرابع، هو أن تعصف رياح جديدة في الشرق الأوسط قبل الانتخابات الأميركية، وتغّير المعادلة كلياً.

سنعود إلى هذه السيناريوهات خلال تطورها.

* الأمين العام للمجموعة الأطلسية النيابية

وليد فارس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى