المعركة القانونية الفلسطينية الإسرائيلية تحتدم في أروقة المحكمة الجنائية الدولية

بقلم/ د. محمد شتيه
استاذ القانون الجنائي الدولي ـــ جامعة الاستقلال
شكل قرار نشأة المحكمة الجنائية الدولية في يوليو 1998 أملا لضحايا الجرائم الدولية بإمكانية إنصافهم عاجلا أم آجلا، خاصة أن الجرائم الدولية لا تسقط بالتقادم، وكان الأمل قريبا عندما دخل النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية حيز النفاذ وأصبحت بمثابة جهاز قضائي دولي قادر على ملاحقة المجرمين الدوليين منذ الأول من يوليو 2002 الذين ارتكبوا اخطر الجرائم الدولية، وتنحصر في جرائم الابادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية وجريمة العدوان.
ورسخت هذه الولادة القانونية الأمل لدى المدنيين الفلسطييين ضحايا الجرائم الدولية الخطيرة التي ارتكبها القادة العسكريين والسياسين الإسرائيليين أو حرضوا على ارتكابها او خططوا لها أو لم يمنعوا وقوعها، في ملاحقة هؤلاء المجرمين ومقاضاتهم عما اقترفوا من جرائم اخلت بالسلم والأمن الدوليين ليس بالنسبة للفلسطينيين فحسب بل للعالم أجمع.
وقد سعت دولة فلسطين وبذلت جهود حثيثة لتصبح عضوا في النظام الأساسي لهذه المحكمة من اجل قيام المحكمة بواجبها في ملاحقة ومقاضاة المجرمين الإسرائيليين؛ لكن في كل مرة تصطدم فلسطين بعقبة انها ليست دولة ، والعضوية متاحة للدول فقط.
ولأن فلسطين دولة تحترم القانون، وترى فيه احد السبل الرئيسية في رفع الظلم عن شعبها، استمرت في انتزاع حقها بإعتراف دول العالم بها دولة كباقي الدول، وقد تحقق ذلك في نوفمبر 2012 ان تم الاعتراف بفلسطين دولة غير عضو بصفة مراقب في الأمم المتحدة، كأول خطوة في إزالة العوائق التي وضعتها السياسة العنصرية في سبيل تحقيق العدالة القضائية الدولية.
وخاضعت دولة فلسطين معركة شرسة في الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية مع الولايات المتحدة الأمريكية وكيل إسرائيل في ظلم الشعب الفلسطيني ومصادرة حقوقه المشروعة، حيث هددت الولايات المتحدة بقطع المساعدات عن دولة فلسطين إذا ما استمرت في طريق الانضمام للمحكمة، وقد تحقق ذلك، لكن كل هذه التهديدات والعقوبات الأمريكية، لم تثنِ القيادة الفلسطينية عن مسئوليتها الوطنية والأخلاقية تجاه ضحايا الجرائم الإسرائيلية، وقدد تحقق لدولة فلسطين ما تريد في الأول من أبريل 2015، وبهذأ اصبح بإمكان دولة فلسطين تحريك الدعوى الجنائية الدولية ضد المجرمين الإسرلائيليين عن الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية التي اعترف بها العالم كحدود لدولة فلسطين.
وتم تحريك الدعوى الجنائية امام هذه المحكمة لتشمل ثلاثة ملفات ذات أهمية كبيرة وهي: الاستيطان، العدوان على غزة 2014 وملف الاسرى والمعتقلين، وقد كانت احالة هذه الملفات بناء دراسة وتكتيك جيد من القيادة الفلسطينية.
وبعد طول انتظار وتقديم ما يلزم من بينات لمكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ، اصدرت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية قرارها بأن هناك جرائم حرب ارتكبت وترتكب في فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس) وطلبت من الدائرة التهميدية سرعة حسم هذا الأمر، لإمكانية مباشرة الدعوى الجنائية الدولية؛ وهذا يتطلب من المؤسسات الفلسطينية الرسمية والوطنية دعم الدائرة التمهيدية في دراستها لولاية المحكمة على حالة فلسطين بتقديم الدرسات والأسانيد القانونية التي تؤكد امتداد ولاية المحكمة على اقليم دولة فلسطين بالحدود المعترف بها ودحض أي مزاعم إسرائيلية لوقف المحكمة عن واجبها.
وهذا الأمر لم يعجب اسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية أعداء العدالة الجنائية الدولية منذ البدايات الأولى لولادة المحكمة، حيث اعتبرت اسرائيل المحكمة اداة سياسية معادية للساميةّ! فهل العدالة الجنائية وانصاف المظلومين معادة للبشرية!! وهددت الولايات المتحدة باعتقال قضاة المحكمة اذا ما لاحقت اي من المجرمين الإسرائيليين، فهل هذه الدولة التي تتغنى بالديمقراطية وحقوق الإنسان وتتدخل في شئون الدول لوقف انتهاكات حقوق الانسان دزلة ديمقراطية وتحترم حقوق الإنسان!!
لقد احتدم وطيس المعركة القانونية بين فلسطين واصدقائها من انصار حقوق الإنسان من جهة ، وبين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل اعداء الإنسانية وغلاة التطرف بأقنعة زائفه لم تعد تخف على أحد من جهة أخرى.
وكلما اشتد سواد الليل اقترب بزوغ الفجر، فنحن قاب قوسين أو ادنى من حقوقنا المشروعة في كافة الشرائع السماوية والأعراف والمواثيق الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق