المناسبات الوطنية (العاشقين والورقة الصفراء)
بكر أبوبكر

لقد أقام ياسر عرفات احتفاله في ذات القاعة في الأمم المتحدة من خلال إيراد المادة العلمية التاريخية التعبوية السياسية القوية المتمثلة بالخطاب المؤثر من جهة ولم يتخلى عن الرموز الثقافية التي مازالت حتى الآن تؤرخ للمرحلة وتتناقلها الاجيال.
كانت الرمزية الطاغية بالبدلة الكاكي والحطة (الكوفية) العربية المرقطة، وبحركات ياسر عرفات المفتوحة بيديه في القاعة التي ضجت بالتصبيق.
كما العبارات المبللة بالنور تلك التي أضافها الشاعر محمود درويش فمن ممّن استمع للخطاب أو يستمع له الآن من التسجيلات سينسى العبارات القوية مثل جئتكم حاملا غصن الزيتون بيد وبندقية الثائر بيد فلا تسقطوا الغصن الأخضر بيدي.
ومن منا لا يتذكر الانفعال للرئيس أبومازن ووزير الخارجية والاحتضان من قبل وزير الخارجية التركي في الامم المتحدة حين الاعلان عن موافقة العالم على قبول فلسطين عضوًا مراقبا في الامم المتحدة، وكي يظل الفعل ذو دويّ كان ان استجلب الرئيس فرقة العاشقين الشهيرة التي أعاد المناضل الوطني مالك ملحم رعايتها مجددًا لتجوب فلسطين عام 2021 معلنه قبول فلسطين دولة مراقبة في الأمم المتحدة عبر الأغنية والدبكة والصوت القوي ومن هنا تخلد المناسبات الوطنية وتصبح الذكرى ثريّة وقابلة للاسترجاع بسهولة ويسر.
إعلان استقلال فلسطين والورقة الصفراء للإسرائيلي
كان حوارنا على قناة عودة يتنقل بين المحاوربسلاسة الاعلامية وفكرها المثقف وقدرتها على العطاء فما أهم الملامح الثقافية في البناء الداخلي داخل وثيقة الاستقلال (أو اعلان قيام دولة فلسطين على أرض فلسطين) فلم أجد ردًا أوليًا الا أن أقول أنها وثيقة متعوب عليها نعم وهي كذلك فلقد تضمنت كامل المكونات التعبوية والتاريخية والسياسية كما حال الخطابات الوطنية الكبرى. ففيها نجد “الظلم التاريخي”، ونجد أنه “على أرض فلسطين ولد الشعب العربي الفلسطيني، نما وتطور وأبدع وجوده الانساني والوطني عبر علاقة عضوية لا انفصام ولا انقطاع بين الشعب والأرض والتاريخ”.
ونجد الإشارة الواضحة للاديان السماوية كافة حيث “على كل مئذنة صلاة” و”دق جرس كنيسة” و”ترنيمة معبد” وبوضوح أنها “على أرض الرسالات السماوية الى البشر” ما هو بحقيقة الامر صفعة للورقة الصفراء المسماة “إعلان إقامة دولة إسرائيل” ذات الطابع الاستعماري الإقصائي بل والأسطوري الخرافي المكذوب والتي من الكلمات الخمسة الأولى في الاعلان المذكور بدأت بترداد الخرافية الهزيلة حيث قالت “نشأ الشعب اليهودي في أرض إسرائيل….” ما هو باطل تاريخيًا وآثاريا وفكريًا ومن كافة المناحي فلم يوجد عبر التاريخ شيء أسمه “الشعب” “اليهودي” بل وجدت الديانة، ولم توجد عبر التاريخ شيء أسمه “أرض” “إسرائيل” مطلقًا بل وجدت أرض فلسطين وأرض الفلسطينيين وكانت “إسرائيل” أو إسرءيل القديمة هي صفة لقبيلة وبطونها القبلية فقط، وليس لأرض ولمن تصدمه الحقائق العلمية والتاريخية الرجوع للعالم الإسرائيلي “جوزيفيتش” أو للكاتب الإسرائيلي الحالي “شلومو ساند” في كتابيه الهامين: اختراع الشعب اليهودي، واختراع أرض إسرائيل .
حاشية هامة:
1-يكتب المفكر الكبير أحمد الدبش قائلًا: من رحم التوراة ولد في التاريخ مصطلح اسمه «الشعب اليهودي»، ومنه برزت فكرة أو نظرية «النقاء العرقي»، و«النقاوة الجنسية»، أي رؤية اليهود كعنصر عرقي متميز، وأن يهود اليوم أينما كانوا هم ذلك النسل المباشر لـ «بنى إسرائيل» التوراة، ومن ثم فهم مجموعة جنسية واحدة، وقومية تاريخية واحدة، مثلما هم طائفة دينية واحدة، ومن ذلك جميعاً يخلصون، لا إلى تدعيم خرافة «الشعب المختار»، الشعب النقي الخالص فحسب، وإنما كذلك وفي الدرجة الأولى إلى تدعيم خرافة «أرض الميعاد»، واغتصاب فلسطين. مضيفًا: وبالرغم من انهيار نظرية «النقاء العرقي»، و«النقاوة الجنسية» بمجرد قراءة سريعة لبعض النصوص التوراتية. إلا أن الحركة الصهيونية اخترعت من خيالها شعب تاريخي لتدعيم كيانية «الأمة اليهودية العريقة».
2-الأستاذ جوزفيتيش أستاذ علم الانسان في الجامعة العبرية أجرى عدة تجارب حيوية على المهاجرين اليهود إلى (إسرائيل) وسجل النتائج التي توصل إليها في كتاب بَيّن فيه أن اليهود ليسوا شعباً واحداً، بل طائفة دينية تضم جماعات مختلفة من الناس، اعتنقوا ديناً واحداً، فنسبة ضئيلة من يهود الأقطار العربية هم من نسل يعقوب واسحق. أما يهود أوروبا الشرقية فينتسبون إلى قبائل الخزر، وأما يهود أوروبا فمن أصل أوروبي صميم وقد اعتنقوا الدين اليهودي بعد القرن الثالث الميلادي على أيدى مبشرين من اليهود». والى نفس المدرسة والرأي كما يضيف أحمد الدبش: ينتمى مؤلفو كتاب «نحن الأوروبيين»، وهم جوليان مكسلي وهارون وكار سوندرز: «إن اليهود ـ هكذا يؤكدون ــ من أصل مختلط، وقد ظلوا باستمرار يزدادون اختلاطاً». ثم يضيفون «كان هناك دائما قدر معين من التزاوج بين اليهود وغير اليهود من سكان البلاد التى أقاموا فيها… بحيث إن عدداً من الجينات المستمدة من اليهود المهاجرين يتوزع بين مجموعة السكان.
3-الكتاب: “اختراع أرض إسرائيل” لشلومو ساند، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، 2013. ترجمة: أنطوان شلحت وأسعد زعبي (314 صفحة من القطع المتوسط)، وكتابه الآخر المعنون اختراع الشعب اليهودي صدر عام 2010م. (415 صفحة).
(الجزء الثالث من ورقة المناسبات الوطنية)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى