النخب وقضية جاب الخير في سياق ثور التغيير
بشير عمري

اتضح جليا أن ثمة مشكل كبير يلاحق ويلاصق المثقف في آدائه لمهامه المجتمعية في لحظة الاستثناء التاريخي، أين تتعثر لديه آلياب الحساب والقياس في استراتيجية التغيير أمام  مكر سياسي السلطة المناوئ لكل أفق تغييري، فتكثر عثراته وكبواته، بعد أن يفقد بوصلة المسير، هذا ما نلمسه من تساقط رهيب لبعض الأصوات المسموعة بمصداقية في الحراك الثوري، كما كان الشأن مع لهواري عدي ومحسن بلعباس اللذان انخرطا في جدل عقيم متعلق بالمتابعة القضائية لمثقف مهوس بمسائل عقلية لا عقلانية تخصه (صراع الديني والدنوي) في خضم حراك ثوري يسعى بمبادرته لما هو أشمل من تلك الجزئية الجدلية العقيمة، يسعى إلى تحرير الكل من سلط الكل، فظهروا هؤلاء المثقفين والأكاديميين كمن يهتم بالفرع علاى حساب الأصل.

قد يعترض أحدهم عما وصفناه بالجدل العقيم في ما يطرحه سعيد جاب الخير من أفكار، معبرا أن الفكر يسبق السياسة، وأن الأمة التي لا تفكر ليس بمقدورها أن تفقه معاني وتطبيقات السياسة، لكن هل بالمقابل يمكن أن تفكر أمة ما وتفقه معاني السياسة وتطبقها خارج فضاء الحرية؟

إن الحرية هي أساس الوجود الانساني بكل معانية ووظائفه، بدونها لا يمكنه تحقيق معنى ذلك الوجود، والتفكير الحر لا يتأتى إلى داخل مناخ طليق خال من تحاذابات وحسابات الصراعات الشللية والتسلطية، وإلا صار رقما مضافا في صراعات المجتمع، به تؤجج تلكم الصراعات وعليها يتم تكسير مناعة المجتمع في مقاومة الاستعباد والاستبداد من لدن من لا فكر له عدا كيفية تحقيق البقاء في السلطة  !

سعيد جاب الخير واضح من انزياحه وتنحيه المقصود عن حركية المجتمع ولحظته الثورية لتحقيق الحرية التامة التي تتيح للجميع التعبير عن قناعاته ورؤاه، في ظل توافق قوى الحرية المتصرة على قوى التقييد والاقتياد، إنما يمارس بذلك القطيعة السلبية مع تاريخانية مجتمعه، يرتكن إلى الجدل المثالي النظري الذي تتزين به كتب الفكر ومن خلالها يتخيل المقدرة على التغيير في الذهنيات والقناعات، والحاصل أن كل من انفصلوا وانفصموا عن حركية المجتمع وظلوا يتكلمون مثالية ونتظيرا من على محاربهم ومآذنهم وأبراجهم العالية، لم يفلحوا قط في مبارحة صفرية الظاهرة الصوتية.

لكن أن تنخرط أسماء وازنة من نخب الفكر والسياسة في مثل هكذا انحراف لمثقف أو متعلم  شاذ عن حاجات ومتطلبات مجتمع في سلاليم أولوياتها، وخصوصا في طبيعة لحظتها (الثورية الحراكية) هذا ما يصعب تفسيره بل مجرد الحديث فيه

في حوار له مع موقع الثقافة الجزائرية الناطق بلفرنسية، انتصر الأكاديمي الاجتماعي المقيم بفرنسا والولايات المتحدة الامريكية لهوري عدي للباحث سعيد جاب الخير المتابع قضائيا بمتهم تتعلق بالاساءة إلى الدين، منوها إلى أن هذا (الباحث) إنما يسعى لفرض الاستعمال العمومي للعقل، من خلال ملامسته للطابوهات المتعددة التي تراكمت مع توالي سنوات الصمت، وليس ما يعيب هذا الموقف سوى لكونه يخون السياق اللحظي الثوري الذي يروم أصلا، تحرير المجتمع من مسببات هذا التراكم في الطابوهات بكسر كل حواجز وآليات فرض الصمت والسكوت على كل صعد المجتمع الثقافية والفكرية والسياسية والاقتصادية، فما كانت نظم الحديد في أروبا الشرقية أن تسقط فيما لو انقسمت نخبها بين، معاد للغرب، ومنتصر له، متحفظ من الليبرالية ومهلل لها، لأن القصدية كانت الحرية أولا، الاقلاع من محتجز المكان  والتاريخ، بعدما، تم دوس نظم الاستعباد الشيوعي وتوحدت ألمانيا، وانفصلت تشيكوسلوفاكيا وانفرط عقد يوغوسلافيا لأن الوحدة كانت بالقهر الفوقي وليس بالوعي الحر.

كما أن هذا العقل العمومي الذي يسعى جاب الخير لتعميم استعماله ويسوق له في غير توقيته لهواري العدي، هو في الحقيقة من يقود اللحظة الثورية الوطنية، أليس الحراك الشعبي العمومي (الميداني وليس المثالي النظري النخبي) هو من يصنع التاريخ في شوارع الجمهورية، في وقت تتبلادل النخب الرؤى والمشاهد والكلام المنهق بممعاجم الاجتماع والعلوم السياسية؟

فسؤال هنا بات حقا يطرح نفسه عن مصدر الايقاظ والايعاز بتفجير هاته النقاشات الجدلية التي يحبذها المتحكمون في خيوط اللعبة في السلطة حتى يمكنهم تشتيت قوى التغيير ما استطاعوا، وبالتالي الابقاء على الوضع الراهن أطول وقتت ممكن، بما يسهم في فتور الحس الثوري التغييري.

لسنا ضد حرية سعيد جاب الخير في أن يفكر ويعبر كيف شاء ومتى شاء، لكننا ضد أن يستبيح وحدة الروح الثورية المناشدة للحرية وتحرير العقل الوطني ككل من كل قيود كُبل بها بليل، وواضح أن هناك بعض المتعالمين والمتعلمين وحتى بعض النخب الفنية، لا تريد تغييرا في المجتمع أو تحررا إذا ما كان يبدو فيه تهديدا لمصالحها الجزئية، تماما كما فعلت نخب السينما المصرية التي تمردت على ثورة الشعب وأركسته بتواطئها مع الطغمة العسكرية إلى ما اتضح أنه أسوأ من ديكتاورية مبارك، فبعض نخب الفن والأدب أو كما ينعتون هم أنفسهم، سارع للمجاهرة بنقده للحراك حتى في أيامه الأولى في قمة عنفوانه وقوة هديره، مثل السينمائي بشير درايس، والروائي الفرانكفوني بوعلام صنصال، وحتى البعض من أصوات المعارضة السابقة لنظام بوتفليقة من حركة بركات كأميرة بوراوي الذين لجأوا في عز الاندفاع الثوري الشعبي صوب تحقيق مطلب الحرية إلى إثارة الاختلافات الايديولوجية بين مكونات المجتمع، وإيقاظ آلام وجراحات التسعينيات.

وإذا كان لهوراي عدي قد أثار قضية سعيد جاب الخير من باب التناصر الوظيفي الفكري والثقافي وربما العلمي، فكيف يمكن فهم موقف السياسي محسن بلعباس، الذي يفترض فيه الالتزام بالخصوصية اللحظية الثورية الجامعة التي لا ينبغي أن تخدشها أي جزئية تتعلق بالخلافات أو الاختلافات الفكرية والأيديولوجية؟

واضح إذن أن الحراك الثوري لم يكشف فقط عن عوامل وعلامات النهاية للنظام الحاكم، بل كشف أيضا عن أزمة في العقل النخبي المعارض، تتعلق بفقدانه لآليات التقدير في سلاليم الأولويات، فتخونه الحاجة اللحظية التي بفضلها وحدها يقوى على ترجيح كفة الصراع لصالحه، في مواجهة سلطة اللا عقل التي تتحكم في كل شيء في المجتمع منذ الاستقلال.

فهل معقول أن نضحي بمصير ثورة شعبية كبرى تروم تحرير العقل الوطني، بفرعيات في مأساة هذا العقل، تمارس على نطاق فردي انفرادي غير عملي وبالتالي غير تاريخي؟ شخصيا لم أعد أفهم كيف تفكر بعض النخب الصادقة في الكثير في ما تقول والخاطئة في بعض ما تفعل.

بشير عمري

كاتب سياسي جزائري

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى