النزاع الأذري ــ الأرمني .. تاريخي
حافظ البرغوثي * 

أدخل النزاع المسلح بين الأرمن، والأذريين، جيرانهما في دوامة جيوسياسية، لأن أرمينيا وأذربيجان ترتبطان بعلاقات متباينة المستوى مع روسيا، وتركيا، وإيران، والدول الثلاث ترتبط بعلاقات متقلبة في قضايا أخرى، وتشترك في أخرى. إلا أن تجدد النزاع الأذري الأرمني له انعكاسات اقتصادية، وسياسية، ودينية، بينهما. تركيا السنيّة اختارت أن تكون في صف أذربيجان ذات الأغلبية الشيعية، نظراً لتقاسم البلدين الأصول التركية، بينما وقفت إيران على الحياد ربما للحفاظ على توازن الموقف الأوروبي المؤيد لأرمينيا، لأن إيران بحاجة إلى الموقف الأوروبي في نزاعها مع الولايات المتحدة، حول الملف النووي، رغم أن الأذريين يشكلون ثاني قومية بعد الفارسية في إيران، حيث يشكل الأذريون قرابة خمس السكان. والمشكلة الأذرية الحالية بدأت عملياً عام 1828، بمعاهدة تركمانجاي بين روسيا، والدولة القاجارية، (إيران)، لتقسيم أذربيجان، فأصبحت أراضي أذربيجان الحالية جزءاً من الإمبراطورية الروسية، بينما أصبح جنوب أذربيجان جزءاً من الدولة القاجارية. وبعد عشرين عاماً، تمّ حفر أول بئر نفط في العالم جنوب باكو. ولعل جولة الحرب الحالية هي امتداد لاشتباكات سابقة حول إقليم كاراباخ الانفصالي. وقد طالب مجلس الأمن الدولي في بيان صدر، مساء الثلاثاء، بإجماع أعضائه ب«وقف فوري للمعارك» المتواصلة في الإقليم المتنازع عليه.

وفي البيان «أعرب أعضاء مجلس الأمن عن دعمهم الكامل للدور المركزي للرؤساء المشاركين لمجموعة مينسك، (الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا)، التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا التي أشرفت على وقف إطلاق النار سنة 1994، وحثّوا الجانبين على العمل الوثيق معهم من أجل استئناف الحوار بصورة عاجلة، ومن دون شروط مسبقة».

وتعود جذور النزاع بين أذربيجان وأرمينيا على إقليم «كاراباخ» إلى عشرينات القرن الماضي، عندما قرر الزعيم السوفييتي جوزف ستالين، عام 1923 ضم الإقليم، الذي كانت تقطنه أغلبية أرمنية في ذلك الوقت، ويقع داخل حدود أذربيجان إلى أرمينيا، ومنحه حكماً ذاتياً، في المقابل ضم ستالين إدارياً منطقة ناختشيفان التي تقع جغرافياً في قلب أرمينيا وتسكنها أغلبية أذرية إلى أذربيجان، لزرع بذور صراع بين الدولتين يضمن للحكومة المركزية في موسكو نفوذاً دائماً، وبدأ معها الصراع الأذري الأرمني على «كاراباخ». فروسيا ترتبط بعلاقات جيدة مع الطرفين، وتسلحمها أيضا، بينما تحاول تركيا انتهاز الفرصة للانتقام من أرمينيا على خلفية النزاع التاريخي بينهما حول مذبحة الأرمن التي اعترفت بها كثير من الدول، بينما تقول تركيا إن المجازر كانت متبادلة. وأعلن الرئيس التركي أردوغان دعمه لأذربيجان، وطالب بإنهاء الصراع على الإقليم، وأرسل مستشارين وأسلحة إلى باكو، وبضعة آلاف من المرتزقة السوريين التابعين له من شمال سوريا، وبدأ بسحب مرتزقة من ليبيا لهذا الهدف. وكانت الاشتباكات بدأت سنة 1988، وفي العام التالي ذهب الأرمن بالصراع خطوة إلى الأمام، حينما اتخذ المجلس السوفييتي الأرمني قراراً بإعلان اتحاد كاراباخ مع جمهورية أرمينيا. وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي في عام 1991، وإعلان كل من أرمينيا وأذربيجان الجمهوريتين المنضويتين سابقاً تحت لواء السوفييت استقلالهما، فاجأ القادة السياسيون في الإقليم العالم بإعلان استقلالهم ورغبتهم في قيام جمهورية مستقلة غير تابعة لا إلى أذربيجان، ولا إلى أرمينيا.

وفي حين اعترضت أذربيجان على إعلان الاستقلال، واعتبرته انفصالاً وتمرداً، وأرسلت قوات عسكرية لاستعادته، أعلنت أرمينيا دعمها للقادة السياسيين الأرمن، ومدهم بالمال والسلاح، وهو ما نظرت إليه أذربيجان على أنه بمثابة إعلان الحرب، فاندلع القتال بينهما، واستمرت الحرب الطاحنة طوال الفترة من 1992 حتى التوصل لوقف إطلاق النار عام 1994، بعد أن فقد من الجانبين أكثر من 30 ألف شخص من الأذريين، والأرمن، وشرد نحو مليون آخرين.

وفضلاً عن الخسائر في الأرواح، أرست الحرب حقائق ديموغرافية وجغرافية جديدة، فقد تسبب الصراع بحركة لجوء في الاتجاهين قُدرت بأكثر من 1.2 مليون، أغلبهم من الأذريين. لهذا ظل الصراع مفتوحاً حتى تاريخه. فالعاصفة الحالية كأنها في الفنجان الروسي، لأن موسكو تتحمل عبء الحل، وليس غيرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى