النظام الإيراني كمعضلة في العالم العربي!
ماجد كيالي

ثمة كثير من المعضلات التي يعاني منها العالم العربي، سواء فيما يتعلق بأوضاعه الداخلية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية، أو بما يتعلق بالتحديات الخارجية التي تواجهه، ويأتي في مقدمتها إسرائيل، وطريقة تعامل القوى الدولية والإقليمية معه، للهيمنة عليه، بهذه الطريقة أو تلك، ويأتي ضمن ذلك الولايات المتحدة وروسيا، كما إسرائيل وإيران وتركيا.
بيد أن النظام الإيراني، متمثلا بنظام “ولاية الفقيه”، بات يشكل، منذ عقود، أحد أهم التحديات التي تواجه البلدان العربية، سيما في منطقة المشرق والخليج العربيين وصولا إلى اليمن، مستغلا، ومستثمرا، في ذلك في إنشاء منظمات ميلشياوية طائفية مسلحة، وقضية فلسطين، وادعاء المقاومة ومصارعة إسرائيل، عبر وسائط محلية.
مع ذلك لا يفترض أن يفهم مما تقدم أن إيران باتت تحتل المكان الأول أو الثاني في سلم التحديات العربية، أو أية تراتبية أخرى، وإنما القصد توضيح ثلاثة مسائل هنا، الأولى، أن إيران هي التي تنتهج سياسات معادية للعالم العربي، منذ عقود، على نحو ما نشهد سيما في العراق ولبنان وسوريا واليمن، فإذا استثنينا ظروف الحرب العراقية ـ الإيرانية، التي انتهت منذ أكثر من ثلاثة عقود، فإن أي نظام عربي لم يتوجه بأي حركة عدائية ضد إيران. والثانية، مثلما أن ردة الفعل تجاه السياسات العدوانية التي ينتهجها النظام الإيراني لا تغطي ولا تبرر إسرائيل، وسياساتها في المنطقة، فإن العكس صحيح، أي إن مواجهة إسرائيل، الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية، لا تبرر ولا تغطي السياسات العدوانية الإيرانية. أما المسألة الثالثة، فهي متضمنة في الإجابة على السؤال التالي: هل أدت السياسات التي انتهجتها إيران في العراق وسوريا ولبنان إلى إضعاف إسرائيل أم إلى تقويتها؟ هل أدت إلى تقويض الدولة والمجتمع في تلك البلدان، أم أضعفتهما؟
مناسبة هذا الكلام التحولات الحاصلة في حرب اليمن المؤلمة، وباهظة الثمن، والتي تتمثل بمحاولة توسيع رقعة الحرب إلى خارج اليمن، إلى بلدين مجاورين، والتغول في سوريا ولبنان والعراق، وضمنه وأد أي محاولة لترسيخ التغيير الديمقراطي في العراق، لصالح تسييد ميلشياتها الطائفية المسلحة، وسعي حزب الله لأخذ لبنان كرهينة، أو كورقة في يد المفاوض الإيراني في فيينا.
الحديث السابق يتعلق بوضع النظام الإيراني كمعضلة للعالم العربي، أما في البعد الإقليمي والدولي لهذه المعضلة فمن المفيد ملاحظة جانبين، الأول، من الخطأ تصور أن الموقف الأمريكي، وتاليا الإسرائيلي، إزاء إيران يتوقف على منعها الحصول على سلاح نووي، إذ أن الأمر يشمل، أيضا، تحجيم قدراتها الصاروخية، والحد من نفوذها الإقليمي، على رغم أن الأولوية في هذه المرحلة تتركز على الحؤول دون تنمية قدراتها النووية. الثاني، من الخطأ، أيضا، تصور أن الولايات المتحدة الأمريكية، ومعها إسرائيل، ستذهبان إلى الأخر، أي إلى الحد الذي يقوض قوة إيران، وامتدادها الإقليمي، لأن الطرفان المذكوران كانا سكتا عن ذلك التمدد، منذ اتاحة المجال لها، ولأذرعها الطائفية الميلشياوية العسكرية، أخذ العراق، ولبنان، وبعده التدخل العسكري المباشر في سوريا، ما جعل عديد من المسؤولين الإيرانيين يتبجحون بأنهم يسيطرون على خمس عواصم عربية (صنعاء، وبيروت، وبغداد، ودمشق (مع غزة). وكما ثبت في التجربة فإن ذلك التمدد، وإن حصل تحت غطاء مقاومة إسرائيل، أو انتصارا للقضية الفلسطينية، إلا أنه أدى إلى خدمة إسرائيل، أكثر من الإضرار بها، لأن ذلك التمدد أسهم في تمزيق وحدة مجتمعات المشرق العربي، على أسس طائفية، إي أنه نجح فيما عجزت عنه إسرائيل منذ قيامها، وإضافة إلى ذلك فهو أدى إلى تقويض بني الدولة في تلك البلدان، وإنهاء ما يسمى جبهة شرقية مفترضة ضد إسرائيل كانت تتمثل ولو شكلا بالجيشين السوري والعراقي.
من كل ما تقدم يمكن الاستنتاج بأن العداء الأمريكي والإسرائيلي لإيران لا يعني أنه وصل إلى المرحلة الحاسمة، كما قد يعتقد أو يرغب البعض، إذ أن التداعيات الناجمة عن ذلك ذات مروحة خيارات واسعة، من تقليم أظافر إيران، إلى انهاء نفوذها تماما، وبين هذين البعدين ثمة خيارات وسط، لكن كلها تتعلق بمدى رؤية الطرف الأمريكي لبقاء الاستثمار، او التوظيف، الأمريكي والإسرائيلي لإيران، وسياساتها، في بلدان المشرق العربي، للقيام بالدور “الوسخ” عنها، أي للقيام بما تعجز إسرائيل عن القيام به، لإضعاف تلك البلدان، بحيث تبقى بمثابة الدولة الأكثر استقرارا وتطورا في المنطقة.
مع ذلك، أو ضمن تلك المروحة يمكن ملاحظة بعض الخلافات، أو التباينات، بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وسبب ذلك شعور إسرائيل بأنها هي التي تتأثر بأي نقطة زائدة لدى إيران، وإنها معنية لهذا السبب بالعمل المباشر للرد، بدل ترك الأمور لمزيد من مراكمة النقاط لصالح إيران، في حين ترى الولايات المتحدة بأن الأولوية الآن يجب أن تتركز على وضع قيود على برنامج إيران النووي، كمرحلة أولى.
في كل الأحوال، فإن المعضلة الإيرانية باتت معضلة حقا للعالم العربي، من دون أن يفهم من ذلك أن إسرائيل باتت في مرتبة أدنى، إذ أن هاتين المعضلتين تتغذيان الواحدة من الأخرى، لذا لا يفترض التخفف من أية واحدة منهما، إذ إن إسرائيل هي التي تستثمر في هذا الواقع، أكثر من أي طرف أخر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى