النظام الرئاسي التركي يُعيق مكافحة تفشي كورونا
حسين صفا جافدار أوغلو

في عام 2018، تحوّلت تركيا إلى نظام الحكم الرئاسي، الذي وضع جميع السلطات التنفيذية في يد شخص واحد، ومنحه سلطات تشريعية واسعة ونفوذاً مباشراً على القضاء.

ومن خلال طرحة النظام السياسي الجديد، تعهّد الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان بتسريع وتيرة صياغة السياسات وتحسينها من خلال القضاء على المعوّقات البيروقراطية. وقال آنذاك إن هذا سيساعد على معالجة المشاكل الأمنية والاقتصادية التي تواجهها البلاد. لكن الواقع أن مخاوف تركيا الأمنية تفاقمت ولم تنحسر. وكان لاستحداث سياسات غير مجرَّبة، والتحوُّل عن السياسات الاقتصادية المُحافظة – نتيجة لتقويض عملية المشورة – دور مهم في هذا التراجع.

وفي الماضي، ساعدت المشاركةُ العامة في صياغة السياسات تركيا على التعامل بنجاح مع الأزمتين الماليتين في عامي 2001 و2008 من خلال المجلس الاقتصادي والاجتماعي الدستوري. لكن بعد إقرار النظام الرئاسي، أصبحت إجراءات صياغة السياسات مركزية وغير شفافة.

وبسبب تعامل تركيا غير المُرضي والمثير للجدل مع تفشي فيروس كورونا، فقد صارت عيوب النظام الرئاسي الآن في دائرة الضوء.

وعادة ما تتبنى الأنظمة المستبدة إجراءات شديدة القسوة، تشبه إجراءات وقت الحرب، لمحاربة انتشار مثل هذا الفيروس بصورة أكثر فاعلية، كما حدث في الصين والهند على سبيل المثال. لكن في الحالة التركيّة، فقد حدث العكس. تعاملت الحكومة التركية مع هذه الجائحة بشكل متوسط الحدة، بينما دعا الرأي العام إلى تبني إجراءات أكثر صرامة. ومن ثم فإن تركيا لم تتمكن من استخدام نظامها المستبد لفرض سياسة كانت مطلوبة.

وكان هناك تفاؤل كبير لدى الحكومة التركية والرأي العام في بداية تفشي الجائحة. وفي يناير، أسست وزارة الصحة مجلساً علمياً ضم عشرات الأكاديميين، للوقوف على الإجراءات التي ستتخذها في مواجهة الجائحة.

ووفقاً للبيانات الرسمية، فإن تركيا تأثّرت بالجائحة بعد الكثير من جيرانها؛ وأرجع المعلّقون الموالون للحكومة، والرأي العام المؤيد، الفضل في ذلك إلى إدارة أردوغان. هؤلاء أنفسهم أشادوا بعادات النظافة التركية المتميزة، بل وحتى بجينات الأتراك، التي يقولون إنها تقاوم المرض بالفطرة.

لكن بعدما أعلنت الحكومة اكتشاف أول حالة إصابة بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في 11 مارس، أخذت الجائحة تنتشر بسرعة. بعد ذلك، جذبت اجتماعات المجلس العلمي اهتماماً كبيراً من الرأي العام. غير أن الرأي العام لم يكن يستطيع سماع توصيات المجلس مباشرة. فقد كانت تلك التوصيات تُرفع أولاً إلى أردوغان ويُنفّذ منها ما يرى هو أنه ملائم. وأحجم أردوغان بعد ذلك أكثر من مرة عن إعلان الإجراءات التي يوافق عليها للرأي العام مباشرة، تاركاً هذه المهمة إلى وزير الصحة فخر الدين قوجة.

ولم يكن هناك مفر من تأخر الاستجابة السياسية، حيث كان يتعين الحصول على إذن أردوغان في كل خطوة. ولا توجد قناة أفقية مباشرة للحوار بشأن السياسات بين الوزراء في ظل النظام الرئاسي التركي – فصانع القرار الأول والأخير هو أردوغان، حتى في الأمور التافهة. ولا يستطيع الوزراء أخذ زمام المبادرة، حيث أنهم يشعرون أنهم مسؤولون أمام أردوغان، لا أمام الرأي العام.

والنظام الرأسي الصارم في صنع القرار يمنع تركيا من الاستفادة الكاملة من خبرات المؤسسات العامة وقدراتها. على سبيل المثال، فإن أحد الأسلحة المهمة لتركيا هو أن تضع هيئة الكوارث وإدارة الطوارئ – التابعة لوزارة الداخلية – في الخطوط الأمامية لمكافحة جائحة كوفيد-19.

ومن خلال وجود قناة تواصل مباشرة مع وزارة الصحة والمجلس العلمي، قد يكون لهيئة الكوارث وإدارة الطوارئ دور رئيس في فرض الحجر الصحي وتوفير الخدمات التكميلية لمتخصصي الصحة، ومن بينها السكن والنقل.

ووجود درجة من المرونة والاستقلال على المستوى الفني، يتمتع بها مسؤولو العموم من المستويين الأوسط والأعلى مهم جداً لتقديم الخدمات التي لا علاقة لها بالسياسة دون معوقات خلال هذه الأزمة غير المسبوقة. وفضلاً عن التكنوقراط، فإن الوزراء حتى يفتقرون إلى هذه السلطة، ومعظمهم يملكون القليل من الأدوات.

ووزير الخزانة والمالية بيرات البيرق استثناء من هذه القاعدة، لكونه أحد أفراد أسرة أردوغان. وكثيراً ما يشير البيرق، صهر أردوغان، إلى قضايا تتشابك فيها اختصاصات الوزارات، ويتصرف في بعض الأحيان كما لو كان رئيساً للوزراء. يستطيع البيرق إقناع أردوغان بسهولة، ومن ثم فإنه بوسعه أن يحدد أولويات الاستجابة وأن يأخذ زمام المبادرة في صياغة السياسات دون أن يخشى من اتهامه بعدم الولاء.

بيد أن البيرق أيضاً يضطلع بوظائف متضاربة، ومن ضمن ذلك أنه يدير المالية العامة والدين العام، ويحافظ أيضاً على رفاه الشركات الكبرى المقرّبة من أسرة أردوغان.

في عامي 2018 و2019، عمل البيرق جاهداً من أجل تعزيز الأرصدة النقدية المتوافرة لدى الخزانة، من خلال تأجيل المدفوعات المستحقّة لشركات المقاولات الصغيرة والمتوسطة الحجم وفرض إجراءات تقشف مالي. لكنه أيضاً عدّل بسخاء عقود الشراكة الكبرى بين القطاعين العام والخاص، والتي مُنحت للمقرّبين من الحكومة، ودفع لهم مستحقاتهم في موعدها دون أي تأخير.

وفي مكافحته لتفشي كورونا، تجاهل النظام معظم الإجراءات التي أوصى بها أعضاء المجلس العلمي – مثل حظر التجول أو الحجر الصحي الواسع النطاق – أو تأخر في تنفيذها لأسباب في مقدمتها كلفتها على الاقتصاد.

وتُعطي الحكومة أولوية للمخاوف الاقتصادية على الصحة العامة، لأسباب ربما يكون من بينها حظوة البيرق لدى أردوغان.

وقبل التحول إلى النظام الرئاسي في تركيا عام 2018، كانت بيانات وزير الصحة وآراؤه تهيمن على اجتماعات الحكومة. أمّا الآن، فقد بات غير واضح ما إذا كان قوجة يستطيع أصلاً التواصل مع غيره من الوزراء. في الوقت ذاته، فإن قوجة يشكر في كل اجتماع للمجلس العلمي أردوغان والبيرق شخصياً على الجهود التي يبذلانها.

وفيما يتعلق بالاقتصاد، فإن حزمة المساعدات العاجلة التي طرحتها الحكومة بقيمة 100 مليار ليرة (15 مليار دولار) – والتي أُعلنت في وقت سابق من مارس – لا تكفي لمعالجة مخاوف وتوقعات أصحاب العمل والعمال والأسرة ذات الدخل المنخفض.

ويتوقع الشعب التركي رسالة مشابهة لتلك التي صدرت عن حكومات كندا وفرنسا وبريطانيا، كأن يُقال لهم “لا تقلقوا على أوضاعكم المالية، فقط ابقوا في المنزل”. بيد أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة إلى الآن فشلت تقريباً في تعويض من لا يستطيعون العمل بسبب تفشي الجائحة. وتستلزم أي حزمة من إجراءات الصحة العامة الأشمل – مثل تشديد حظر التجول – استجابةً ماليةً أكثر شمولاً من جانب الحكومة. ويجب أن تعالج تلك الحزمة أوجه القصور المختلفة.

والنموذج المثالي في وجهة نظر البيرق وأردوغان هو الاستجابة المالية المتواضعة، إذا كانت قابلة للتطبيق. فمثل هذه الاستجابة ستُبقي عجز الموازنة عند مستويات يمكن السيطرة عليها، وهو ما يعني القدرة على تمويل الشراكات بين القطاعين الخاص والعام دون توقف، عبر ضمانات الخزانة. في المقابل، فإن الشركات المعنية ستحصل على حماية من الأزمة الحالية، ويمكنها حتى تحقيق أرباح، نظراً لأنها تحصل على إيراداتها بالكامل بالعملات الأجنبية، فضلاً عن أن نفقاتها وتكاليفها كلها بالليرة، التي تهبط بوتيرة سريعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق