النهضة والغنوشي مَن يهزم الآخر؟
فاروق يوسف

استهلك راشد الغنوشي زعامته السياسية في صراعات كان أساسها سلوكه الشخصي الذي لم تكن المؤشرات داخل الحركة تكشف عن أنه يحظى بدعمها الداخلي. كما أن خروجه سالما من تلك الصراعات لم يجعله أكثر قوة داخل الحركة التي ظل موقفها غامضا من الاتهامات التي تعرض لها الغنوشي والتي كادت أن تؤدي إلى الاطاحة برئاسته لمجلس النواب.

في سياق تلك التداخلات بين ما هو شخصي وما هو حزبي اتخذت العلاقة بين الغنوشي والحركة التي يتزعمها طابعا الزاميا كما لو أن الحركة قد فقدت جزءا عظيما من حريتها في الحركة بسبب ارتباطها بالاحداثيات التي صار الغنوشي ينجز أهدافه من خلالها. وهو ما يعني أن الحركة صارت مهددة بفقدان شخصيتها في خضم ما تراكم من شبهات حول شخصية الغنوشي وعلاقاته الخارجية. الامر الذي حاولت ألحركة أن تتجنب الانزلاق إليه حين سعت إلى أن تقنع الآخرين بأنها ليست جزءا من جماعة الاخوان المسلمين.

في حقيقة ما جرى فإن الغنوشي استطاع من خلال السلطة أن يفرض على الحركة أجندته الشخصية. فالرجل الذي يتعامل مع الآخرين من قياديي الحركة باعتباره زعيما تاريخيا لم يسع إلى اقناعهم بانسجام سلوكه الشخصي مع مبادئ الحركة بقدر ما سعى إلى أن يفرض ذلك السلوك بكل ما نتج عنه على الحركة باعتباره انفتاحا على التحولات التي شهدها الإسلام السياسي في الوقت الراهن. وبذلك يمزج الغنوشي بين دوره التاريخي وما انتهى إليه سياسيا بحكم قدرته على المراوغة والتعامل النفعي مع المتغيرات.

يُقال إن الغنوشي يحظى بتأييد معظم أولئك القياديين بدليل أن الحركة لم تتعرض للإنشقاق ولم تصدر بيانات من داخل الحركة تدين سلوك الغنوشي.

ذلك قول لا يُعتد به. ذلك لأنه يتغاضى عن حقيقة أن الأحزاب الدينية تخفي خلافات أفرادها تحت غطاء الولاء للعقيدة ولم تعرف تلك الأحزب شيئا له علاقة بالإنشقاق في تاريخها. غالبا ما كان المنشقون يغيبون عن المشهد بطريقة لا تسترعي الانتباه. وهو ما حدث للنهضة حين بدا أن الغنوشي يتصرف على هواه ولا يراعي مصالح الحركة.

لقد اختفى قياديون نهضويون وفي مقدمتهم نائب رئيس الحركة عبدالفتاح مورو من غير ضجيج. كان عليهم أن يختفوا من غير أن يعلنوا عن أسباب خروجهم من الحركة. لا يتعلق الموضوع بالخوف من إمكانية التصفية المعنوية بل له علاقة بالتربية الحزبية المنضبطة. وهي تربية تنص على عدم احراج الحزب أو التنظيم في ما يتعلق بتصرفات قادته الذين عادة ما يتخذون طابعا مقدسا.

غير أن الغنوشي فقد ذلك الطابع حين تولى رئاسة مجلس النواب.

شيء من الصعب تفسيره بالنسبة لرجل عقائدي مثله.

هل فضل السلطة على العقيدة وصار عليه أن يتلقى شتائم منتقديه؟

يصعب الحكم على رجل مثله لا يزال يتوهم أن رجل السلطة الذي أوشك خصومه على طرده من رئاسة مجلس النواب هو نفسه الزعيم العقائدي الذي يمكن أن يقود حزبا عقائديا.

ما يواجهه النهضويون اليوم لا يتعلق بتماسك حركتهم الداخلي الذي بدأت علامات اهتزازه في الظهور بل في تناقص شعبية الحركة وانفضاض فئات كثيرة عنها بسبب الاتهامات التي وجهت إلى زعيمها وهي اتهامات خطيرة تتوزع ما بين دعم الارهاب والحث عليه وبين الارتباط بدول أجنبية من جهة التمويل.

وإذ يستعد الغنوشي للاستمرار في زعامة حركة النهضة فإن ذلك لا يعتبر حدثا مفاجئا بالنسبة لمَن تابع ردود أفعاله في مجلس النواب حين واجه لائحة سحب الثقة في مجلس النواب. فالرجل مصر على وجوده في موضع القيادة، بالرغم من أن كل شيء يشير إلى أن استمرار الغنوشي في زعامة حركة النهضة سيكون شؤما على الحركة.

ستنتخبه النهضة زعيما لها مرة أخرى وهي تقر بهزيمتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى