الواضح في نتائج الانتخابات الإسرائيلية
سهيل كيوان

في الجولة الثالثة من انتخابات الكنيست خلال عام واحد تجندت جميع الأحزاب بقوة للحسم، لأنها باتت متأكدة أنه لن تكون جولة رابعة، وخرج الجمهور الواسع للتصويت وقد بات متذمّرًا لا يريد جولة رابعة.

ارتفعت النسبة العامة، ولكنها ارتفعت عند العرب أكثر من الارتفاع في النسبة العامة، وذلك في كل القرى والمدن العربية، ما أدى إلى زيادة تمثيل اقائمة المشتركة.

عدة عوامل أدت لارتفاع نسبة التصويت عند العرب:

– أولا، لم تسبق الانتخابات الخلافات والتهجّمات التي كانت تحدث عادة قبل تشيكل القائمة المشتركة، أو القوائم عندما كانت تخوضها منفردة، والتي كانت تؤدي إلى نأي نسبة مُهمّة من الجمهور عن التصويت.

– شعور الناخب العربي بأن الحصول على عدد أكبر من المقاعد، يضع قضايا الجماهير العربية على الأجندة العامة بقوة، وأنه من الممكن تحقيق بعض المطالب العينية، الأمر الذي حدا بالجمهور إلى الالتفاف الواسع حولها، والنظر إليها كممثلة لجميع أطياف المجتمع العربي، باستثناء المقاطعين مبدئيًا.

– لعب توجه بيبي نتنياهو المستفز والعنصري تجاه الجماهير العربية دورًا كبيرًا في إخراج الناخبين العرب إلى المشاركة في التصويت، كرد على تصريحاته واستفزازاته، وفي محاولة إلى إفشاله في تشكيل حكومة برئاسته.

– “صفقة القرن” وما تضمنته من بنود مستفزة، متنكرة لأبسط حقوق شعبنا، والتلويح بتبادل سكاني ضمن الصفقة، أشعر الجماهير العربية بخطر محدق ومباشر وقريب على مستقبلها، هذا رفع نسبة المشاركة، على أمل عرقلة مشاريع بيبي نتنياهو الترانسفيرية بشكل أو بآخر.

– رغم وعي الجماهير العربية بأن حزب “أزرق أبيض” لن يستطيع ولا يقبل إقامة حكومة تتكئ على العرب، فالجمهور شعر بأن قائمة عربية قوية، بمقدورها أن تناور وتحقق إنجازات عينية، في قضايا تمسّ حياة الناس مباشرة وخصوصًا في مجال ترخيص البناء وإيجاد حلول للأبنية غير المرخصة التي يقدر عددها بعشرات الآلاف ووقف عمليات الهدم، بغض النظر عمّن يشكل الحكومة المقبلة.

– استبعاد مرشحين عربًا من تحالف “العمل – غيشر – ميرتس” من مواقع متقدمة، حرم هذا التحالف من عشرات آلاف الأصوات التي كانت تحصل عليها من العرب حتى الجولة السابقة.

في المقابل نجح بيبي نتنياهو بإزاحة ملفات الفساد والمحاكمة إلى الظلّ، ووجّه الرأي العام اليهودي إلى إنجازاته في السياسة الخارجية والتركيز عليها، خصوصًا علاقته بدونالد ترامب، وبعض قادة الدول المهمة مثل فلاديمير بوتين، وهرولة عدد من الأنظمة العربية للتطبيع والتنسيق معه، ثم وضع البرنامج النووي الإيراني في الواجهة، وتصوير نفسه على أنه الوحيد القادر على وقفه، ومنعه من خلال إقامة جبهة عالمية عربية – إسرائيلية في مواجهة إيران.

هذا بالإضافة إلى إعلانه عن نيته البدء بتطبيق “صفقة القرن” بعد الانتخابات وضم مساحات واسعة من الضفة الغربية إلى دولة إسرائيل، ومنحه الضوء الأخضر للبناء في الضفة الغربية من دون أي اعتبارات دولية أو عربية وغيرها.

وتمكن نتنياهو من خلق انطباع بأن قائمة “أزرق أبيض” في حالة “ارتباط سرية” مع القائمة المشتركة غير الصهيونية، والتي لا تعترف بيهودية الدولة، لنزع الشرعية عنها كقائمة صهيونية خالصة، رغم إنكار غانتس وإعلانه هو وشركاؤه، مرات عدة بأنه لن يعتمد على العرب في تشكيل حكومة مستقبلية.

ظهر معسكر اليمين موحّدًا من دون صراعات خلف نتنياهو، وعمل كل حزب في هذا المعسكر على رفع نسبة المصوتين له ، فيما نشأ صراع واضح بين “أزرق أبيض” وتحالف “العمل – غيشر – ميرتس” على الأصوات، وذلك بعد إعلان “أزرق أبيض” أن من يصوت للعمل وميرتس كأنه صوّت مباشرة إلى اليمين المتطرف، وذلك بهدف استمالة مصوتي العمل – ميرتس، بحجّة أن رئيس الدولة سيكلّف رئيس الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة. هذا استفز عمير بيرتس فرد الصفعة بطعنة، عندما أعلن وبقصد أن اتفاقا بينه وبين غانتس على إقامة حكومة أقلية بدعم خارجي من العرب ومن حزب ليبرمان، الأمر الذي أنكره غانتس ولكن الليكود تمسك به كإثبات لادعائه بأن غانتس سيتحالف مع العرب. هذا أبعد قطاعًا من مصوتي “أزرق أبيض” ومن تحالف “العمل – غيشر – ميرتس” نفسه، وربما قسمًا من مصوتي حزب ليبرمان الذي اتهم بميله إلى ناحية اليسار.

لم يطرح تحالف “أزرق أبيض” بديلا عن سياسة الليكود، بل اذدنب لها، وحاول أن يظهر بأنه الليكود الثاني، سواء في الموقف من “صفقة القرن”، أو من جبهة غزة، حيث راح يزايد على نتنياهو، الأمر الذي يؤدي بالناس عادة إلى تفضيل الأصل على التقليد.

نجح نتنياهو في إظهار نفسه وأسرته بمظهر الضحية المطاردة ممن يحاولون إدانتها ومحاكمتها بكل ثمن، في الوقت الذي أثيرت فيه شكوك بالفساد تتعلق بغانتس نفسه وبعض قادة حزبه، في قضية شركة كان غانتس يرأس مجلس إدارتها.

تسريب تسجيل المستشار الشخصي لغانتس، يسرائيل بخار، الذي قال فيه إن غانتس متردّد ولا يستطيع اتخاذ قرارات صعبة وحاسمة، وأنه “خطر على إسرائيل”، وتصريح عضو الكنيست يوعاز هندل من “أزرق أبيض” لصحيفة “هآرتس”، عن وجود ثقافتين في البلاد، ثقافة الأشكناز التي جاءت من الكونسيرت والأوبرا مقابل ثقافة “الدربوكة” التي جاء منها الشرقيون، استغلها الليكود الذي يدعي تمثيل الشرقيين.

– أخيرًا، رأت الأكثرية الساحقة من الجماهير العربية بالمشتركة إطارًا وحدويًا جيّدًا رغم كل التحفظات والخلافات الثانوية بين مركباتها، في الوقت الذي لم تعمل فيه أي من الأحزاب الصهيونية على محاولة كسب هؤلاء المواطنين، أو استرضائهم، لا من ناحية تمثليهم في قوائم الأحزاب، ولا من ناحية الموقف الصريح والواضح من الملفات الساخنة تجاه قضاياهم الشائكة، ولا في موقف سياسي من القضية الكبيرة، ما أدى إلى كنس الأحزاب الصهيونية من المجتمع العربي بشكل شبه تام، والتصويت بنسب غير مسبوقة للقائمة المشتركة، وصلت إلى 99% في بعض البلدات العربية، وتحقيق إنجاز تمثيلي جيّد جدًا، ربما يكون بالفعل السبب في منع نجاح بيبي نتنياهو بتشكيل الحكومة القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى