الواقع الفلسطيني و “الدعاية السوداء” الجزء 9 +10 من 25

عنوان الحلقة: “التدخل الأمريكي المباشر في صناعة الدعاية السوداء في الواقع الفلسطيني – كيف و متى و لماذا”

الانتفاضة الثانية التي اندلعت في أيلول عام ٢٠٠٠ كانت شرارتها الظاهرة و المعلن عنها هي زيارة شارون للأقصى،

و لكن في الحقيقة جاءت بعد تفاصيل اجتماعات كامب ديفيد صيف عام ٢٠٠٠ بين عرفات و كلينتون و باراك و طواقهم، و استكملت في لقاءات واشنطن و اوروبا بين عرفات و المسؤولين الأمريكيين من اولبرايت إلى كلينتون حتى أوائل يناير عام ٢٠٠١.

و الذي بعده تفاعلت المعطيات و قررت الأجهزة الأمريكية لأول مرة التدخل المباشر في الدعاية السوداء في الواقع الفلسطيني بسبب “تداخل” ذلك مع خطط استراتيجية للامريكان في المنطقة.

أسباب الأمريكان التي تفاعلت:

تفاصيل الاجتماعات و اللقاءات موجودة و مسجلة من أطراف فلسطينية حضرتها و شهدت عليها، مثل:

حسن عصفور (حزب الشعب)،

ياسر عبدربه (فدا)،

صائب عريقات (فتح)،

ناصر القدوة (فتح)،

و غيرهم أيضاً.

و الأربعة أشخاص تحدثوا في برامج تلفزيونيه مسجلة باستفاضة عما حدث، بما فيها التفاصيل الصغيرة (و خصوصاً مقابلاتهم على قناة العربية).

لقد حاول الامريكان بكل أدواتهم و تخطيطهم و تحضيرهم “إرغام” ياسر عرفات على القبول بفتات أقل بكثير من قرارات مجلس الأمن الخاصة بالقدس و الضفة الغربية وقطاع غزة.

و الذي برز من وجهة نظر الأمريكان و خدامهم الصهيونية اليهودية، كان النقاط التالية:

١- تأكدهم أن ياسر عرفات لا يتعامل مع القضية الفلسطينية كقضية دينية بمفهوم اسلامي-يهودي (و هو ما يريده الامريكان و الصهيونية اليهودية)، بل إنه يتعامل مع الصهاينة و الصهيونية كامتداد للإستعمار الأجنبي المتمثل في أوروبا و امريكا .

و قد تجلى ذلك في اصطدام عرفات مع الأمريكان و الصهاينة في جدال حول الهيكل، و كلام عرفات الواضح و الحاسم لهم (رواية حسن عصفور على قناة العربية) حيث قال لهم عرفات: لا يوجد هيكل في القدس و لا في فلسطين، و لم يوجد في أي يوم من الأيام في فلسطين، و الهيكل موجود في اليمن، و لكن من أجل السلام ممكن أن نقيم شئ ما على الجبل الجنوبي في مدينة نابلس (السمرا يؤمنون بأنه هناك الهيكل، في نابلس). و هو ما تم اعتباره من قبل الصهاينة أنه “إنكار عرفات لما يسمى التاريخ اليهودي” في فلسطين.

٢- تجرؤ ياسر عرفات على الرئيس الامريكي كلينتون و عدم خوف عرفات من منصب الرئيس الامريكي. و ذلك حين طرح كلينتون مسألة الأقصى و الحرم الشريف قائلاً: “لكم فوق الأرض، و الصهاينة لهم تحت الأرض”!،

فرد عليه عرفات: “يبدو أنك لم تنم جيداً بالأمس يا سيادة الرئيس!”

فتدخلت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت بحدة: “إحترس! أنت تخاطب الرئيس الامريكي!” فرد عليها عرفات: “ألا تسمعين ما يقول”!

٣- الحادثة الفريدة من نوعها في تاريخ كل الدبلوماسية الأمريكية عندما قام الجنرال الأمريكي زيني بالتوجه إلى الرئيس عرفات في نفس مقر الإجتماعات (بعد انتهاء المفاوضات و عدم وصول لحل بسبب تعنت الأمريكان و الصهاينة و محاولة إقتسام المسجد الأقصى) و حاول الجنرال زيني أن يهدد عرفات جسدياً بإقترابه الجسدي من الرئيس عرفات و قال له بحدة بالغة: “من تظن نفسك لترفض مقترحات الرئيس الامريكي”؟!

فرد عليه الرئيس عرفات:  “أدعوك لحضور جنازتي”!

(مستهزءا به و بالامريكان و بقوتهم و تهديدهم له، و أنه لا يخشى الموت). و دلالة هذه الحادثة عظيمة حيث فقد الأمريكيون عقولهم و صبرهم و أظهروا حقيقتهم الاستعمارية علنا،

بينما عادة، جهات أخرى أمريكية هي التي تتصرف و تهدد.

هذه الإشارات المختصرة، تختصر ما وصل له الأمريكان و أجهزتهم في تلك اللحظة.

لقد قررت الأجهزة الأمريكية في تلك اللحظة التخلص من عرفات (ليس جسدياً و لكن بعزله) و محاولة معاقبته بان تترك الكيان الصهيوني يتصرف إلى حد يدفع الفلسطينيين إلى الكفر بعرفات و التمرد عليه، بل و الانقلاب عليه.

و هذا ما يفسر ما فعله الجنرال زيني بدايات عام ٢٠٠٢ حين أتى الى الضفة الغربية و اجتمع مع الكثير من المسؤولين في السلطة الفلسطينية و حركة فتح، محاولا أن يرتب انقلاب هاديء على عرفات،

ثم اكتشف أن الكثير من المسؤولين الفلسطينيين “يسايروه” و ينقلوا لعرفات كل شيء يدور بينهم!!

فغادر الجنرال زيني الضفة الغربية و أصدر تصريحه الشهير الغاضب:  “ياسر عرفات عراب مافيا”  Godfather

توقيت بداية اتخاذ قرار التدخل المباشر في صناعة الدعاية السوداء:

ثم تفاعل هذا الشأن الفلسطيني أكثر، مع مجيء تيار المحافظين الجدد للحكم ،  و  غزو العراق ٢٠٠٣. و كانت الأجهزة الأمريكية تعد مخطط جديد شامل للمنطقة عبرت عنه مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس أعوام ٢٠٠٤ و ٢٠٠٥ ب “الشرق الأوسط الجديد”.

لذلك و لأول مره، يقرر  الأمريكان التدخل المباشر في إقامة الدعاية السوداء في الواقع الفلسطيني لأنه لم يعد اللاعبون الاقليميون (الصهيونية و الأجهزة العربية) قادرين على الفلسطينيين.

لقد قرر الأمريكيون القضاء على “البعوضة الفلسطينية” التي تزعج  “الفيل الامريكي الضخم” حتى يمرروا مخطط “الشرق الأوسط الجديد”.

و المخطط ظهرت معالمه العلنية في دراسات لدور البحث الاستراتيجي الأمريكي و البريطاني ابتداء من ال ٢٠٠٤ و ال٢٠٠٥ و خلاصته: ” امريكا ستحكم منطقة الشرق الأوسط بالإخوان المسلمين “. و ستأتي بهم للحكم عن طريق “ثورات ملونة” (أخذت مسمى “ربيع عربي” ابتداء من ٢٠١١).

و تداخلت خطط الأمريكان الاستراتيجية بالواقع الفلسطيني بأن تجعل إخوانجية فلسطين (خماس) تحكم طوعاً أو كرها، لصناعة و تخليق ” نموذج ملهم ” للعرب و المنطقة

Inspirational Model

لإنجاح ما يسمى ب التيار الإسلامي في الوصول لحكم جغرافيا عربية ما.

و كان ياسر عرفات العقبة الأولى و الأكبر في هذا المخطط، لما له من شعبية طاغية، و أيضاً لامتلاكه كل “مفاتيح العسكر و التنظيم” في الضفة و غزة، و لا يمكن تمرير ذلك المخطط “بوجوده” .

فتتطور “التخلص من” عرفات من “العزل” إلى “التصفية” الجسدية. فتم الإيحاء (إعطاء الإذن) للصهيونية بتصفية ياسر عرفات “بصورة هادئة” ابتداء من أوائل عام ٢٠٠٤.

و قد تحدث أبو علي شاهين على تلفزيون فلسطين عدة مرات باستفاضة في أعوام ٢٠٠٥ كيف أن الأمريكان يعدون لحكم المنطقة العربية بجماعة الإخوانجية، و كيف أن خماس ستفوز في انتخابات ٢٠٠٦ كمقدمة و تجربة. و أن الأمريكان يتدخلوا في الشأن الفلسطيني مباشرة ، و سيتدخلوا اكثر و أكثر من أجل هذا.

و هو ما حصل.

 

الواقع الفلسطيني و “الدعاية السوداء” الجزء العاشر

 عنوان الحلقة: “تصنيفات الأجهزة الأمريكية لأعدائها و خصومها ، و كيف تصنف الفلسطينيين”

عموماً، إن تصنيفات أجهزة أمريكا لأعدائها و خصومها هو ثلاثة أنواع:

“ارهابي”،

“عدو”،

“التخلص منه” .

و في الأجهزة الأمريكية، إذا ما تم تصنيف جهة ما كجماعة “إرهابية”

لا يعني أنها تم تصنيفها “كعدو”

و تصنيف “كعدو”

لا يعني أنه يجب “التخلص منه” أو القضاء عليه.

الأجهزة الأمنية عموماً في كل العالم تحاول أن تكون باردة لأقصى حد، أي لا عواطف و لا شعور، و لكن آلات تشبه الكومبيوتر في التفكير والتخطيط و التنفيذ، بما يحقق مصالح الدولة أو النظام.

و من أساليب العمل في التفكير و التخطيط هو “التصنيفات المسبقة”.

Proactive Classification

و من تصنيفات الأجهزة الأمريكية هو:   “ارهابي” أو “عدو” أو “التخلص منه” .

هذه التصنيفات “ليست تراتبية عامودية”: أي “إرهابي” ثم

“عدو” ثم

يجب “التخلص منه”.

و لكنها تصنيفات “مختلفة و أفقية” ، ممكن “الجمع بينها” ، و ممكن “تغيرها حسب المصالح و الظروف” .

أي ممكن أن يكون “ارهابي و عدو” و لكن “لا يجب التخلص” منه (مثل إفرازات الواقع الأفغاني).

أو “عدو” و “ليس ارهابي” (مثل: روسيا أو الصين).

أو “ليس عدو” و “ليس ارهابي” و لكن “يجب التخلص منه” (مثل: حسني مبارك سنة ال٢٠١١، وزير خارجية السويد عام ٢٠٠٢، رئيس وزراء السويد عام ١٩٨٦).

أو “ارهابي” فقط و “ليس عدو” و “لا يجب التخلص” منه (مثل: منظمة التحرير و حركة فتح حتى أواخر الثمانينات من القرن الماضي).

و هذه التصنيفات ليست ثابتة، و تتغير بتغير الظروف و المصالح التي يتم تطويرها إلى أفكار استراتيجية و خطط استراتيجية .

هذا كله يتم بناء على تحليلات و دراسات و مناقشات داخل الأجهزة الأمريكية (و منها المخابرات الأمريكية السي آي إيه، الجيش الأمريكي و استخباراته، الأمن القومي، مراكز البحوث و الدراسات المرتبطة بالأجهزة،  و أحياناً المباحث الفيدرالية الداخلية لإستقراء التأثير الداخلي، و أيضاً الأجهزة الأمنية الجديدة التي نشأت بعد ٢٠٠١).

و يتم تصنيف المخرجات و النتائج داخل ملفات الأجهزة، من أجل إستخدامها في المستقبل.

ثم من أجل إصدار القرار (في لحظة تاريخية ما) لإتخاذ الإجراءات و التنفيذ ، تتفاعل مخرجات الملفات المعدة مسبقاً مع آراء السياسين و كبار موظفي الدولة من مختلف الوزراء بما فيهم البيت الأبيض و الخارجية و الدفاع.

و يجب الإشارة أن تصنيف “التخلص منه” يكون محددا بدقة ، إن كان شخص أو نظام أو دولة.

من الأمثلة التاريخية لعمل الأجهزة الأمريكية، كان المطلوب “التخلص من” الآتي:

> التخلص من “شخص” فيدل كاسترو و ليس “النظام” في كوبا في الستينات، لأن كاسترو في وقتها كان عقبة و لكن ممكن التفاهم مع نظامه في غيابه (و هو ما فشلت فيه الأجهزة الأمريكية، و لم يحصل).

>التخلص من “شخص” جيفارا و ليس “الانظمة” اليسارية في امريكا الجنوبية في الستينات، لأن جيفارا في وقتها كان عقبة و لكن ممكن التفاهم مع  الانظمة اليسارية في امريكا الجنوبية (و هو ما تم و حصل).

> التخلص من “شخص” عبدالناصر و ليس “النظام” في مصر أو الدولة الدولة المصرية في الستينات، لأن عبدالناصر في وقتها كان عقبة و لكن ممكن التفاهم مع  نظامه في غيابه (و هو ما تم و حصل).

>التخلص من “النظام” السوفياتي و سيطرته على حلفاؤه (و هو ما تم و حصل)،

> التخلص من “شخص” وزيرة خارجية السويد أنا ليند Anna Lindh  و هو ما تم يوم ١١ سبتمبر ٢٠٠٣، و السبب أنها في اجتماع للأمم المتحدة في نيسان ٢٠٠٢ بحضور الرئيس الامريكي بوش الابن، قالت في كلمتها مباشرة لبوش على مرئى من الجميع و بتسجيل الصحافة و الإعلام: ” انت أحمق Idiot “،

معلقة على اجتياح الدبابات الصهيونية لمدن الضفة الغربية و محاصرة عرفات (كانت صديقة ل ياسر عرفات).

و مثل هذا الشيء لا تسمح به الأجهزة الأمريكية أن يخرج من أي مسؤول اوروبي غربي، المفروض أن دولته تدور في الفلك الأمريكي، و إلا لتمرد بقية المسؤولين الأوروبيين على السادة الأمريكيين.

و لكن يجب أن يخرج مثل هذا الكلام فقط من فم مسؤولين تابعين لدول مخاصمة لأمريكا حتى تشهر الدعاية الأمريكية بتلك الدول كأنظمة مارقة و متخلفة و منحطة أخلاقيا و عديمة الحوار المهذب، و بالتالي لا وزن لما تقول.

> التخلص من “شخص” رئيس وزراء السويد اولف بالمه Olof Palme و هو ما تم عام ١٩٨٦، و السبب أنه كان مناصرا للقضية الفلسطينية و لقضايا العرب عموماً، و مثل هذا الشيء لا تسمح به الأجهزة الأمريكية أن يكون من أي مسؤول اوروبي غربي كبير ممكن أن يؤثر في القرار ، و المفروض أن دولته تدور في الفلك الأمريكي، و إلا لتمرد بقية المسؤولين الأوروبيين على السادة الأمريكيين.

> التخلص من “الدولة” العراقية ككل و ليس فقط “شخص” صدام أو حزب البعث عام ٢٠٠٣، و ذلك من أجل خلق “الفوضى الخلاقة” و تخليق داعش، و استنزاف العراق على جميع الصعد (و هو ما تم و حصل).

> التخلص من “الدولة” المصرية ككل و ليس فقط “شخص” مبارك عام ٢٠١١ (و هو ما لم يتم حتى الآن)،

>التخلص من “الدولة” السورية ككل و ليس فقط “البعث” السوري عام ٢٠١١ (و هو ما لم يتم حتى الآن)،

التخلص من “الدولة” الليبية ككل و ليس فقط “شخص” القذافي عام ٢٠١١  (و هو ما تم و حصل للأسف)،

ثم إن عملية “التخلص منه” له درجات:

> من العزل،

> إلى إغتيال السمعة (من خلال تشهير و فضائح، و الدعاية السوداء)،

> إلى التصفية الجسدية.

تصنيف الواقع الفلسطيني عند الأمريكان:

ابتداء من عام ٢٠٠٠ كان المطلوب التخلص من “شخص” ياسر عرفات “بالعزل” أو الانقلاب عليه،

ثم عام ٢٠٠٤ كان الطلوب “التخلص” من “شخص” عرفات بالتصفية الجسدية. و إقامة الدعاية السوداء لتوظيف خماس في مشروع “الشرق الأوسط الجديد”.

و لكن حالياً ،

و لكن حالياً المطلوب إبتداء من أعوام ٢٠١٨ – ٢٠١٩ (إلى حد الآن)، بسبب صفقة القرن، هو: “التخلص” من كل منظومة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية و “التخلص” من حركة فتح كممثل لمفهوم الوطنية الفلسطينية.

و خماس لم تعد مهمة الأمريكان كما كانت في مشروع الثورات الملونة،

و لكن تنبع أهميتها حالياً الآن من أنها أداة مهمة في الدعاية السوداء ضد منظومة السلطة الفلسطينية، و ضد حركة فتح، و ضد مفهوم الوطنية الفلسطينية لتصفية أي كيان فلسطيني في الضفة الغربية و لتصفية مفهوم و شعور الوطنية الفلسطينية،

و من ثمة  اقتصار الوضع في الضفة الغربية على مشروع السبعينات من القرن الماضي: رابطة القرى ،

و إقامة وهم “الوطن الفلسطيني” فقط في غزة .

و هو “وطن” مضبوط بإتفاقيات مع مكتب جماعة الإخوانجية العالمية (المقر السابق سويسرا، و حالياً قطر و تركيا).

و هو شبيه، إن لم يكن مطابق، ل مشروع الخمسينات من القرن الماضي  (غزة و الإمتداد لسيناء). و الذي تحدث عنه الشهيد أبو إياد مراراً و تكراراً. و موثق في الاقتراحات الأمريكية لحل القضية الفلسطينية في الخمسينات.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى