الواقع الفلسطيني و “الدعاية السوداء” الجزء 12 من 25

 عنوان الحلقة: "من أدخل الخبرات العسكرية إلى داخل الوطن، و من درب التنظيمات داخل الوطن "

هذا الجزء الثاني عشر هو استكمال لموضوع الجزء السابق الحادي عشر.

من درب  بقية التنظيمات في داخل الوطن:

مع دخول هياكل منظمة التحرير الفلسطينية و فصائلها و أجهزتها إلى داخل الوطن بعد أوسلو، بدأت الكثير من الخبرات التي كانت موجودة في الخارج تدخل للضفة و القطاع و تبني أجهزة السلطة الوطنية، العسكرية و الشرطية و الأمنية.

و قد كشفت أجهزة العدو الصهيوني بعد عام ٢٠٠٢ الكثير من معلوماتها الاستخباراتية عن فترة التسعينات، ضمن حملتها الإعلامية ضد ياسر عرفات و السلطة و فتح، خاصة في الملفات التي تم إعدادها لواشنطن سنوات ٢٠٠٢ و ٢٠٠٣.

و نشر الإعلام الصهيوني الكثير من الوثائق و المعلومات. أيضاً ابتداءً من ٢٠٠٤ / ٢٠٠٥ ظهرت تصريحات صحفية، و مقابلات إعلامية و كتب من قبل مسؤولين كبار في السلطة و الفصائل الفلسطينية (خاصة بعد استشهاد أبو عمار) تتحدث عن خفايا و اسرار ما حدث في التسعينات و الانتفاضة الثانية.

و بإختصار و كنقاط و أمثلة:

> قصة دخول الشهيد جهاد عمارين لقطاع غزة، و الذي كان ممنوعا من دخول الوطن بناء على لائحة سوداء وضعتها أجهزة الكيان الصهيوني لمنع لائحة من كوادر فتح و التنظيمات الفلسطينية الأخرى من دخول الوطن. القصة كشفتها الصحافة الصهيونية بعد استهداف الشهيد عمارين بغارة جوية و استشهاده.

و القصة باختصار: عام ١٩٩٥ أدخل أبو عمار جهاد عمارين في سيارته المرسيدس عبر معبر رفح، حيث أن سيارة أبو عمار كانت لا تفتشها قوات الاحتلال على معبر رفح ضمن الاتفاقات الموقعة. و قس على هذه القصة.

> رواية مسؤول الجبهة الديمقراطية العسكري، المرحوم ممدوح نوفل، عام ٢٠٠٧ على قناة الجزيرة في برنامج “حكاية ثورة” ، و التي كررها في مقالاته، أنه حين انطلقت شرارة الانتفاضة الثانية، و في اجتماع لأبو عمار مع قيادات الأجهزة الأمنية الفلسطينية، و حين أمر أبو عمار بتدريب عناصر جميع التنظيمات الفلسطينية (بما فيهم خماس) اعترض بعض قيادات الأجهزة، فكان رد أبو عمار: هذه حسابات ضيقة، و لسا المعركة طويلة. و قس على هذه القصة من درب التنظيمات الفلسطينية و راكم عندهم الخبرات .

 

 

الوثائق التي استولت قوات الاحتلال الصهيوني حين أعادت إحتلال مدن الضفة ، حين اقتحمت مقرات الأجهزة الفلسطينية. و نشرت عينات منها على صفحة وزارة الحرب الصهيونية مع الترجمة إلى الإنجليزية (و هي موجودة و متوفرة). و التي بإختصار تشير إلى اختراق جهازي الأمن الوقائي و المخابرات الفلسطينيين لتنظيمي الجهاد الإسلامي و خماس، و تحريك خلايا بإسمي التنظيمين للقيام بعمليات ضد الاحتلال الصهيوني. و هي ضمن الوثائق التي أخذها شارون و ذهب بها إلى واشنطن لإتهام عرفات أنه يقف على “رأس الإرهاب”. و قس على محتوى هذه القصة من فعلياً حرك الإنتفاضة .

 

> إقرار عماد الفالوجي أحد كوادر خماس، و القيادي السابق في خماس (و الذي قاد خماس في الضفة و قطاع غزة بشكل سري بعد ابعاد قيادات خماس إلى مرج الزهور في جنوب لبنان عام ١٩٩٢) إقرار عماد الفالوجي في كتابه الذي صدر في أواخر التسعينات أن خماس حتى وقت ما بعد أوسلو لم تكن تمتلك أي خبرة عسكرية حقيقة ، أو أي تنظيم عسكري.

 

و أنه عماد الفالوجي تواصل مع أحد كوادر فتح العسكريين السابقين في الضفة الذين خرجوا من سجن الإحتلال ١٩٩٢ / ١٩٩٣ (لم يذكر اسمه في الكتاب) و اتفق معه على تدريب عناصر خماس (الإخوانجية) عسكرياً لإنشاء تنظيم عسكري لخماس في الضفة و غزة. و التي تعثر لعدة أسباب، منها مراقبة الإحتلال، و قصص الاختراق الأمني داخل خماس، مثل قصة مقتل عماد عقل التي مازلت لغزاً.

كادر فتح العسكري السابق، الذي أشار له الفالوجي في كتابه، هو الشهيد أحمد الجعبري القائد الرسمي لكتائب القسام حتى تاريخ  اغتياله.

خماس تدعي أن الجعبري أنهى علاقته مع فتح داخل السجن في أواخر الثمانينات. و هذا كذب، و غير صحيح . حيث أن الجعبري بقي فتح حتى ١٩٩٣ و خرج مع عملية أوسلو، و لكنه لم يقتنع بعملية أوسلو. و لم يدخل الأجهزة الأمنية الوليدة. و بعدها قربته قيادة خماس منها، و جوزه الرنتيسي من بنته حتى يضمن ولاؤه.

لم يكن الحعبري في أي يوم من الأيام إخوانجي الفكر. كان فقط متدينا.

و اغتياله تم بناء على اختراق داخل خماس ، بعد تسليم شاليط. و قس على هذه القصص من أين أتت الخبرة العسكرية ؟ تجد أن مصدرها فتح.

 

خماس خلال فترة التسعينات لم تكن تمتلك أي تنظيم عسكري بعدد واسع، بل عدد محدود جداً. و تنظيمها الوحيد هو تنظيم الإخوانجية القائم على ترتيب “نظام الأسر”. و هو ليس تنظيم عسكري.

 

و العمليات الإستشهادية التي قادها الشهيد يحيى عياش (لم يكن الشهيد عياش اخونجي، و لم يكن ابن التنظيم الاخوانجي، بل كان مهندس ألمعي، و حاول أن يبحث عن من يتبناه تنظيمياً و فنياً و يساعده. و تم اغتيال الشهيد عياش بناء على اختراق داخل خماس)، كانت العمليات الإستشهادية تقوم على الفكرة البسيطة الآتية:

“تبدأ بخلية و تنتهي بعملية” .

فالخلية تتكون من ثلاثة أشخاص:

المهندس معد العبوة.

المعبيء الذي يعبيء الاستشهادي عقائديا و أيديولوجيا.

و الاستشهادي المستعد للاستشهاد.

و غالباً نفس الخلية تبقى بفردين لحين مجيء استشهادي جديد.

و هذا تدليل على عدم امتلاك خماس لتنظيم عسكري أو حتى شبه عسكري.

 

ما أصطلح على تسميته في صحافة العدو الصهيوني بسياسة “الباب الدوار” ، كناية عن تمثيل الأجهزة الفلسطينية أنها تعتقل كوادر خماس و الجهاد الفاعلين، ثم تفرج عنهم بعد فترة بسيطة و دون إعلان.

 

> سبب استهداف الشهيد أبو علي مصطفى (قائد الجبهة الشعبية) عام ٢٠٠١ و هو وضعه نظرية جديدة في حرب الشعب. حيث قلب مفهوم قديم في حرب الشعب أنها تبدأ من الريف لتزحف على المدن (حرب الشعب الكلاسيكية)، و جعلها تبدأ من المدن و تزحف على الريف، في مذكرة من ٣٠-٤٠ صفحة فصلت كيفية تحويل مدن الضفة لمراكز لحرب الشعب الطويلة الأمد لإستنزاف الكيان الصهيوني و مستوطنيه في الضفة لدفعهم إلى الهرب. و قد عمم أبو علي مصطفى النظرية و المذكرة على كوادر كل التنظيمات. و قد إستهدفته الطائرات الحربية الصهيونية قبل بدئه بجلسات مع كوادر كل التنظيمات الفلسطينية لشرح نظريته العسكرية.

 

> قبل أوسلو، داخل الوطن لم يوجد أي من تقنيات قذائف الهاون، و قذائف الآر بي جي، و صواريخ غراد (التي تم تطويرها تحت مسميات مختلفة حسب من يطلقها من التنظيمات). و أيضاً قبل أوسلو، داخل الوطن لم يوجد هذه الأعداد المهولة من الرشاشات و الذخيرة و العتاد، و غيرها.

و لا شك أن من ادخل كل هذا العتاد و السلاح هو التنظيمات و الأجهزة العسكرية القادمة من الخارج لداخل الوطن.

> القصة المشهورة لسفينة كارين A المليئة بكل انواع الأسلحة، و التي أتت بها حركة فتح.

> “لجان المقاومة الشعبية”، ألوية الناصر صلاح الدين،  أنشأها أحد عسكري فتح، جمال أبو سمهدانة، و عاونه آخرين من فتح. و تم الترويج لها على أنها تنظيم عسكري فلسطيني عام، لا يخص أي تنظيم، من أجل اجتذاب كل شخص يريد أن يقاتل و غير معني بالانتماء إلى تنظيم سياسي. و كان فيها أيضاً من كل التنظيمات السياسية. و لكن منشؤوها و قيادتها كلها كانت فتح. و أحد فروع “لجان المقاومة الشعبية” (جماعة ممتاز دغمش) هم من أسروا الجندي شاليط.

> “كتائب العودة” كانت غطاء اسمي لكل كوادر الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي انخرطت في العمليات ضد الاحتلال.

> الرواية التي ذكرتها الصحافة الصهيونية نقلا عن أجهزة الاستخبارات الصهيونية، و التي سجلت عام ١٩٨٠ تسجيلاً صوتيا لإجتماع اللجنة المركزية لحركة فتح في بيروت، حيث كان ياسر عرفات يشرح مفهوم جديد في العمل الثوري و التنظيمي و هو:

إنشاء مجموعات لا تعرف عن وجود بعضها البعض، و غير متواصلة، و تعتقد أنها لوحدها تعمل في الساحة.

آلية عمل كتائب شهداء الأقصى، فيها ثغرات للدعاية السوداء:

تقوم آلية عمل كتائب شهداء الاقصى على اللامركزية في القيادة . فهي اسم لتنظيمات عسكرية محلية لحركة فتح.

بمعنى: أن أقاليم فتح داخل الوطن تفرز تنظيماتها العسكرية (بما فيهم من أعضاء الأجهزة الأمنية الفلسطينية المحليين المتواجدين في كل إقليم).

فكتائب شهداء الأقصى في طولكرم تعمل باستقلالية تامة عن الكتائب في جنين.

فلا يعرفون أي شيء عن بعض، فإذا ما أعتقل كادر في كتائب جنين ، لا يضر الكتائب في طولكرم.

و هكذا الكتائب في نابلس ، هي غير ريف نابلس، و هي غير الخليل، و هم غير قطاعات مختلفة من قطاع غزة.

هذه الآلية كانت سلاح ذو حدين:

فهي من جهة تقلل الخسائر لأقصى حد نتيجة الإعتقال أو الإستشهاد. و تترك المجال لكل كتائب في منطقة ما أن تدلو بدلوها في منطقتها حسب ظروفها و إمكانياتها.

و من جهة أخرى تركت مجالات دعائية مفتوحة ، ممكن للدعاية السوداء أن تنفذ منها.

و هذا ما يفسر و يبرر الكثير من الأحداث في الانتفاضة الثانية.

و كأمثلة:

> تفاوت الأداء النضالي لكتائب شهداء الأقصى من منطقة لمنطقة.

> تعاون كتائب شهداء الاقصى الوثيق مع سرايا  القدس (الجهاد الإسلامي) في منطقة جنين،

و عدم وجود مثل هذا التعاون في مناطق أخرى.

> معرفة العدو الصهيوني لهذه الآلية، جعلهم يستهدفون أسماء و مناصب محددة في تنظيم فتح، مثل اغتيال الشهيد د. ثابت ثابت ، أمين سر إقليم طولكرم. و استهداف أمناء سر الأقاليم.

> الكثير من العمليات التي قامت بها كتائب شهداء الاقصى تم نسبها (لأسباب تضليلية و تمويهية) لآخرين، مثل نسبها ل كتائب القسام.

و هذا ليس شيئاً جديداً حيث قامت به كل تنظيمات فتح العسكرية في الإنتفاضة الأولى.

و يوجد وثائق و سجلات لعمليات محددة عند فتح، تم نسبها لخماس. حيث فتح تمتلك تفاصيل العملية بما فيها نوع السلاح المستخدم. و هذا منذ أيام الانتفاضة الأولى. و تم في جلسات حوارية مغلقة مع خماس تحدي عناصرها في إخراج معلومة صحيحة عن تلك العمليات التي تم نسبها تضليلا و تمويها لخماس.

> قيام بعض المدعين أنهم كتائب شهداء الأقصى بأعمال غير مفهومة أو غير مبررة.

> فقدان الاتصال المركزي بأي قيادة جعل بعض كتائب شهداء الاقصى في بعض المناطق تنخدع بالدعاية السوداء المبثوثة على قناة الجزيرة و غيرها.

و في الختام ، ما تم نشره في الجزئين الحادي عشر و الثاني عشر هو فقط أمثلة محدودة.

و من تابع الصحافة والإعلام فقط (دون الحاجة لأي معلومات من داخل أي تنظيم أو جهاز) سيأتي بالكثير الكثير من الأمثلة الموثقة.

الخلاصة لهذين الجزئين الحادي و الثاني عشر:

إن الانتفاضة الثانية كانت عمل جبار ضد أحد أقوى جيوش المنطقة.

و أنه بالمنطق و العقل و التتبع الصحيح للدلائل و الاثباتات، من راكم خبرات عسكرية متصلة من الخمسينات (فتح، الشعبية، الديمقراطية) و نقلها معه إلى داخل الوطن هو من قاد الانتفاضة الثانية .

و لا يمكن لتنظيم مثل خماس، حتى عام ٢٠٠٠ لم يكن يمتلك مئة مسلح حقيقي ، فجأة يصبح تنظيم عسكري أسطوري .

إن شعبنا الفلسطيني، و أمتنا العربية، تعرضتا لدعاية سوداء مهولة، لنفي النضال عن أصحابه، و نسبه لتنظيم خماس الفاشي الذي لا يعرف الوطنية أو الوطن، بل محترفين سرقة و لصوص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى