الواقع الفلسطيني و “الدعاية السوداء” الجزء 17 من 25

 عنوان الحلقة: "المروجين و المسوقين للدعاية السوداء داخل الواقع الفلسطيني - (٢) العدميين "

هذا الجزء السابع عشر هو استكمال للجزء السادس عشر في الحديث عن المروجين و المسوقين للدعاية السوداء داخل الواقع الفلسطيني. و هذا الجزء تفصيل و توضيح تيار العدميين السياسيين.

العدميين و الفلسفة العدمية:

الفلسفه العدمية هي منظومة من الأفكار و القيم التي توصل من يقتنع بها تدريجياً إلى تكسير المنظومة الأخلاقية ، بل و ربما القيم الانسانية. فيبرر الشخص (المقتنع بالفلسفة العدمية) ممارسات خاطئة لم يكن ليقترب منها قبل إقتناعه.

و هناك حادثة مشهورة بخصوص ذلك النوع من العدمية في تاريخ شعبنا و الثورة الفلسطينية.

و هي أن أجهزة الإحتلال إبتدأت من سنوات ١٩٦٨ تدخل للأسرى في سجون الاحتلال كتب الفلسفة العدمية فقط، و تمنع أي شيء آخر.

ثم أخضعت أجهزة الإحتلال الأسرى لجلسات حوار مع متخصصين نفسيين لترسيخ مفاهيم الفلسفة العدمية. مما قاد إلى ظهور ممارسات خاطئة و شاذة و انهيارات في صفوف الأسرى.

و لذلك قررت قيادة الثورة و فتح في أعوام ال ١٩٦٨-١٩٦٩ تأهيل و تدريب مجموعة من الكوادر لمواجهة هذه الظاهرة. و تحايل هؤلاء الكوادر على الإحتلال ليتم إعتقالهم و يدخلوا سجون الإحتلال و يلتقوا بالأسرى. و بدأوا جلسات مكثفة لمن تأثر من الأسرى ليعيدوهم إلى جادة الصواب.

ثم بدأوا عملية تنظيمية قوية داخل السجون كانت النواة و الأساس في تشكيل “الحركة الأسيرة” داخل سجون الاحتلال. و كما هو معروف،  “فالحركة الأسيرة” هي مدرسة في العمل الثوري و التنظيمي و التعبئة و التوجيه السياسي، و الخبرات الأمنية، خرجت أجيال و أجيال من كوادر العمل الوطني، و خاصة في الإنتفاضة الأولى.

العدميين السياسيين الجدد في الواقع الفلسطيني:

ظهر منذ منتصف العشرية الأولى في القرن الواحد و العشرين (من بعد عام ٢٠٠٥، بشكل أكبر من ذي قبل)  مجموعة من الأفكار و المفاهيم في الإعلام تصب في خانة العدمية السياسية .

ففي غياب فعالية التنظيمات السياسية التي تعبيء بشكل حقيقي،

و في غياب قدرة الجماهير على فرز الغث من السمين،

و مع ظهور “سياسي المنصات الإجتماعية” على الانترنت (الذين هم نتاج و تربية معلومات مواقع التواصل الإجتماعي بشكل عشوائي بدون موجه حقيقي)،

ظهر تيار من السياسيين العدميين الذين يحملوا مجموعة من الآراء و الأفكار و المفاهيم التي في مجموعها عدمية ، لا توصل إلى شيء سوى تخريب الواقع .

دراسة حالة موثقة عن مثال للعدمية السياسية:

هناك تسجيل لمقابلة مع نزار بنات مع قناة وطن على الانترنت بتاريخ ١٢ نيسان ٢٠٢١.

و هذا هو رابطها على اليوتيوب (و الرابط أيضاً متعلق بهذا المنشور):

 

و قبل شرح المثال، يجب التأكيد مرة أخرى أنه لا يوجد اي مبرر أخلاقي أو عرفي أو قانوني لقتل نزار بنات تحت أي ظرف.

و في نفس الوقت، إذا كان مات مظلوماً، لا يعني أنه تحول لقديس فوق النقد.

في تلك المقابلة، نزار بنات بمجموع الآراء التي قدمها و عبر عنها بصراحة هو مثال حي و صارخ للعدمية السياسية التي لا تفقه كيف يكون الخط السياسي الواضح (بغض النظر عن صحة الخط السياسي الواضح).

بمعنى: فتح عندها خط سياسي واضح، و كذلك الشعبية و الديمقراطية و الحزب الشيوعي و الجهاد الإسلامي، كل منهم عنده خط سياسي واضح ،

و إن كان كل من التنظيمات قد لا يعترف بصحة الخط السياسي للآخر.

يعني فتح قد ترى أن الخط السياسي للحزب الشيوعي غير صحيح ، و بالعكس أيضاً، الشيوعي يخطأ الخط السياسي ل فتح.

و لكن…

علميا… الخط السياسي لكل من فتح و الحزب الشيوعي، هو خط واضح و محدد.

لذلك، العدمية السياسية، ليست فقط لا تمتلك خط سياسي صحيح ،

بل العدمية السياسية لا تمتلك خط سياسي واضح و محدد ،

بل لا تمتلك خط سياسي أصلاً.

و للتدليل على تلك العدمية السياسية،

نأخذ مقتطفات مختصرة من كلام و آراء نزار بنات في تلك المقابلة. فهو يقول:

>> يقر أنه لا ينتمي إلى تنظيم أو راية سياسية محددة. و نعتقد أنه صادق في ذلك.

 

> يصنف نفسه على أنه قومي يساري إسلامي و متشيع سياسياً! كل ذلك في نفس الوقت ! و يعتقد أنه له الحق في هذا الخلط العجيب المتناقض! .

>> ينسب فكر حركة فتح في مفهوم التحرر الوطني (و فكر فتح في عدم الخوض في شكل الدولة قبل التحرير) ينسب ذلك لليسار! و هذا خطأ كبير! بل هو دليل على جهل عميق في أبسط افكار اليسار و حركة فتح.

>> من جهة يبرر ل خماس استلام المال القطري عن طريق و بواسطة الموساد، و هو يقر بذلك، و يسمي ذلك: ” بيع الأمن للصهاينة و شراؤه”،

و من جهة أخرى يخون السلطة الوطنية و يتهمها بشتى التهم و إنها هي من تحاصر غزة!!

 

> من جهة يطعن في المسيرة النضالية و الخيارات السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية و خاصة برنامج النقاط العشرة في ال١٩٧٤ و الإعتراف العالمي بالمنظمة و الشعب الفلسطيني،

و في نفس الوقت يريد أن يترشح لإنتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني التي هي إفراز اتفاق سياسي لمنظمة التحرير مع الكيان الصهيوني، بل و يدافع عن خيار الترشح للانتخابات بشتى الحجج المتناقضة .

>> يتهم السلطة الفلسطينية و القضاء الفلسطيني بشتى التهم أنها ضعيفة في تطبيق القانون، ثم يحرض على العنف في المجتمع الفلسطيني و الإحتراب الأهلي، و أخذ القانون باليد ، و يحرض على العشائرية كبديل للقانون . أي يحرض على الفوضى و يسوق الحجج المتناقضة لذلك.

>> يريد أن “يفكك” كل شيء ، و هدم كل شيء، لأنه لا يؤمن بشيء!  و هذه هي العدمية السياسية ، و كلام الفوضويين.

و غير ذلك الكثير من الأمثلة المتناقضة ذات الطبيعة العدمية في هذه المقابلة فقط.

و قس على تلك المقتطفات من المقابلة لتصل إلى تساؤل:

ما الذي يريده هذا الشخص (و أمثاله كثر) و الذي يصنف نفسه على أنه ناشط سياسي فلسطيني؟

و هو لم يشارك في النضال الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني في أي مرحلة ما، و لا في أي مكان ما.

لا في الانتفاضة الأولى و لا الثانية. مع أنه عاصر الإنتفاضتين.

هو و أمثاله، رجال و نساء، ظهروا مع ظهور منصات التواصل الاجتماعي في العشر سنوات الأخيرة، ابتداء من عام ٢٠١٠ ، و ظهور ما يسمى ب “المؤثرين”  ( Influencers )

و “خطابهم السياسي العدمي”  قائم على، و مبني على: ما يستقوه بشكل شخصي من اخبار و معلومات على الانترنت ( بغض النظر عن صحة تلك المعلومات) و تجميع مصطلحات يتم تداولها في الإعلام.

بل خلط مصطلحات دون إدراك لدلالات تلك المصطلحات.

لا يملكون أي إعتقاد سياسي أو أيدولوجي محدد،

و يضعون لأنفسهم خليط من عدد من “اليافطات” و التصنيفات و بعضها متناقض (قومي و  يساري و إسلامي و التشيع السياسي…. إلخ، و كله في نفس الوقت!!).

و تحليلاتهم و استنتاجاتهم سطحية و خاطئة و لا علاقة لها بأي تسلسل تاريخي صحيح للوقائع .

يتشدقون بمصطلحات و كلمات لا يفقهون دلالاتها و معناها، و يوظفوها بما يعطي انطباع كاذب أنه “يفهم” أو ذو “ثقافة عالية”.

ناهيك عن “السوقية” في الطرح، و أسلوب “الردح” ، و الذي يجذب فئة من المجتمع.

و هو بهذا الأسلوب يفسد الذوق العام عند الذين يتأثرون به، فيصبح مثل هذا الأسلوب هو “الخطاب السياسي” عند المتأثرين به.

بإختصار: هؤلاء و أمثالهم هم “العدميون سياسياً”.

و يشكلوا هم و المستمعون لهم: أحد التيارات “المروجة و المسوقة” للدعاية السوداء في الواقع الفلسطيني.

و حالياً يوجد مثل نزار بنات كثر في الواقع الفلسطيني.

و على هامش الموضوع:

إن نزار بنات و أمثاله هو المفروض أن يكونوا “ثروة” للعقلانية و المؤمنين بالعقلانية ، لأنه مثال صارخ على العدمية السياسية التي يجب أن يتم محاورتها أمام الجماهير لشرح و توضيح العدمية السياسية و تثقيف الجماهير بهذه الشخوص ذوي المنطق العدمي.

و مقتل نزار بنات كان خطأ فادح جدا.

و لو كان الشهيد ماجد أبو شرار على قيد الحياة، أو الشهيد صلاح خلف أبو إياد، لفرحوا بوجود هذه العينات، التي تعمل محاورتها ، المحاورة العلمية الصحيحة، على توعية الجماهير بالأمثلة الحية على ماهية و كيفية العدمية السياسية. و هذا ما يجب أن يكون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى