الولايات المتحدة إذ ترهن مستقبل عظمتها
أسامة أبو ارشيد

للمرة الثالثة خلال عام، تُقِرُّ واشنطن خطة تحفيز اقتصادية هائلة للحد من تداعيات جائحة كورونا والتي عطلت، إلى حد كبير، مظاهر الحياة العامة في الولايات المتحدة، وشلَّت مفاصل اقتصادها. ويبلغ حجم الخطة الحالية 1.9 تريليون دولار طلبتها إدارة الرئيس جو بايدن، للتخفيف من آثار البطالة المتزايدة، ودعم برامج التلقيح وتصنيع اللقاحات، فضلاً عن إقرار حُزم أخرى من المساعدات الصحية والتعليمية والفدرالية والمحلية. وكانت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب قد أقرّت خطتين تحفيزيتين للسبب نفسه، الأولى في شهر مارس/ آذار عام 2020، بقيمة 2.2 تريليون دولار، تعد الأكبر في تاريخ البلاد، والثانية في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، بقيمة 900 مليار دولار. والولايات المتحدة هي الدولة الأكثر تضرّراً في العالم من الجائحة، بعدد مصابين تجاوز 29 مليون شخص، وأكثر من نصف مليون وفاة.

تلقى أغلب المواطنين الأميركيين بسرور خبر إقرار خطة بايدن (70% منهم يؤيدونها). وينطبق الأمر نفسه على عالم التجارة والأعمال والبنوك والمصارف. ثمَّة حاجةٌ ماسّة لتحفيز الاقتصاد الأميركي، وضخ مزيد من السيولة فيه لتحريك عجلاته. ولكن، هذا لن يكون من دون تداعيات مستقبلية كبرى على الولايات المتحدة واستقرارها الاقتصادي، تصل إلى حَدَّ تهديد تربّعها على عرش القوتين، الاقتصادية والعسكرية، العالميتين، وهو الأمر الذي، على الأغلب، يصبّ في صالح الخصم الأميركي الجيوستراتيجي: الصين. هذا موضوع آخر.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

ولكي تتضح الصورة أكثر، سبقت هذه الخطط التحفيزية الثلاث خطتان أخريان في العقد والنيف الماضي، وتحديداً عامي 2008 و2009. في الأشهر الأخيرة لرئاسة جورج بوش الابن، أقرّت إدارته خطة تحفيزية بقيمة 700 مليار دولار للتعامل مع الأزمة المالية الحادّة التي تحولت إلى ركود اقتصادي عميق. ومع وصول باراك أوباما إلى الحكم، ضخَّ 800 مليار أخرى. كان الموقف حينها، كما هو اليوم، يفترض أن التحدّي الحقيقي الذي يواجه الاقتصاد الأميركي يتمثل في الانكماش. بمعنى أن المستهلك الأميركي لا يشعر بالثقة، أو لا يملك المال اللازم للشراء والإنفاق. وإذا ما علمنا أن ثلثي الاقتصاد الأميركي يقوم على سلوك المستهلك، عندها يمكننا أن ندرك أحد مكامن الخلل في هذ النظام الاقتصادي، إذ يستلحق إحجام المواطنين والمقيمين عن الإنفاق والشراء أن تقلّ عائدات الشركات الأميركية، وبالتالي تسريح العمالة، وهذا يؤدّي إلى الضغط على برامج الإعانات والضمان الاجتماعي والبطالة، وهكذا دواليك. بمعنى أنها كحجر الدومينو الذي يسقط لتلحقه أحجارٌ كثيرةٌ أخرى.

وبناء على ذلك، فإن الحل في منطق كثيرين من الساسة الأميركيين، ديمقراطيين وجمهوريين، يتلخص في ضرورة التصدّي للانكماش بالتضخم، وهما أمران أحلاهما مُرُّ. وحسب خبراء اقتصاديين، السيطرة على التضخم، أو التعامل مع توابعه، أهون بكثير من التعامل مع توابع الانكماش، وهم في ذلك يحيلون مرة أخرى إلى حقيقة أن الاقتصاد الأميركي يقوم، في ثلثيه، على سلوك المستهلك الأميركي. وهكذا، ولتحريك دواليب الاقتصاد مجدّداً، فلا بد من تكثيف السيولة المالية في أيدي المواطنين والشركات والبنوك، إلا أن ناقدي مقاربة التضخم مقابل الانكماش يقولون إن إيجاد حالةٍ من التضخم الهائل سيؤدّي، لاحقاً، إلى انهيار قيمة الدولار عملة رئيسة، فضلا عن مضاعفة المديونية لأجيال قادمة، وبالتالي يصفون ما يجري بأنه “نهب للأجيال”.

النقطة الأخيرة شديدة الأهمية والخطورة في آن، خصوصاً إذا علمنا أن نسبة الدين الاتحادي الأميركي إلى الناتج القومي الإجمالي تصل إلى حوالي 135.64%. صحيحٌ أن أغلب الدين تملكه وكالات حكومية أميركية ومستثمرون ومواطنون أميركيون، في حين أن ثلثه أجنبي، وصحيحٌ أن الخبراء حدّدوا سقف الخطر بنسبة 77% من الديون الأجنبية القابضة إلى الناتج القومي الإجمالي، إلا أن هذا لا يقلّل من مستوى التهديد، فالولايات المتحدة تسير بثبات نحو ذلك السقف. في عام 2020 بلغ حجم الناتج القومي الإجمالي الأميركي حوالي 21 تريليون دولار متأثراً بجائحة كورونا. واليوم، يزيد حجم المديونية الأميركية عن 28 تريليون دولار. هذا يعني أن كل مقيم في أميركا (331 مليون نسمة)، مدينٌ بحوالي 85.000 دولار. أما إذا قسمنا الدين العام على دافعي الضرائب فقط، فإن الرقم سيكون بحدود 224.000 دولار لكل شخص.

قارن المديونية الأميركية راهناً بما كانت عليه عام 2009 عندما وصل أوباما إلى الحكم، والتي بلغت حينها حوالي 11 تريليون دولار. ومع تسلم ترامب الرئاسة كانت حوالي 20 تريليون دولار. ومع وصول بايدن إلى الرئاسة، مطلع العام الحالي، كانت المديونية قد بلغت حوالي 28 تريليون دولار. والآن مع إقرار خطة التحفيز الجديدة فإنها ستتجاوز الـ30 تريليون دولار. وفي ما يتعلق بالميزانية للسنة المالية 2020/ 2021، والتي تبلغ رسمياً 4.829 تريليونات دولار، فإن نسبة العجز فيها هي 2.3 تريليون. المفارقة أن مدفوعات الولايات المتحدة لهذه السنة المالية تبلغ حوالي 8 تريليونات دولار، وهو ما يتجاوز الميزانية الرسمية، وبالتالي، سيكون العجز لهذا العام فقط بحدود 4.5 تريليونات دولار.

ما سبق أرقام مهولة، وهو رهن لمستقبل أميركا ومستقبل أجيالها ومستقبل عظمتها، خصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن دولاً وبنوكاً وشركات أجنبية تملك ثلث الديون الأميركية (حوالي 7 تريليونات دولار). وحسب معطيات وزارة الخزانة الأميركية، فإن حصتي اليابان والصين وحدهما من الديون الأميركية الأجنبية تتجاوز الثلث، بقيمة 1.29 تريليون دولار، و1.07 تريليون دولار، على التوالي. وتزداد الصورة قتامةً إذا علمنا أن الموازنة الأميركية تتضمن بنداً يحدّد قيمة ما تدفعه الولايات المتحدة كل عام لخدمة الدين العام وفوائده. مثلاً، المبلغ المحدّد في الموازنة الحالية يبلغ 378 مليار دولار، وهو ما يشكل 7.8% من الموازنة الكلية. مصدر هذه الأموال، طبعاً، هو دافع الضرائب الأميركي. وحسب دراسات متخصصة، فإن نسبة ما يدفع لخدمة الدين العام من الموازنة يأتي مباشرة بعد مخصّصات الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي والدفاع. وحسب الدراسات نفسها، فإنه إن استمرّ حجم الاستدانة والإنفاق نفسه، فإن اقتصاد الولايات المتحدة، حتماً، سينهار يوماً ما، ذلك أن ما يدفع من الميزانية للدين العام سيذهب مع الزمن إلى الفوائد فقط، لا إلى أصول الديْن نفسه.

هذا الحال وحده يضع الولايات المتحدة، كما نعرفها اليوم، أمام تحدٍّ وجودي. هذا هو ثمن التوسع العسكري في العالم، وما جناه، كذلك، الجشع الربوي في القطاعين المصرفي والمالي، الأميركيين، دع عنك فشل القيادة السياسية ومناكفاتها الحزبية، كما رأينا مرّات ومرّات بين الرئاسة والكونغرس. دولارات تطبع من دون أصول، ولولا القوة العسكرية الأميركية، وارتباط استقرار الاقتصاد العالمي بها إلى حد كبير، لكنا شهدنا شيئاً آخر. ولكن هل هذا قابل للاستمرار؟ هذا موضوع يحتاج نقاشاً آخر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى