الى ماكرون: أزمة الإِسلام أم فَرنسا الكاثُوليكيّة؟؟؟
سليم حكيمي/ صحفي من تونس

بعد مناصرته ل”شارلي أيبدو” في نشر الرسوم المسيئة للرسول ثانية ، غير مدرك الفرق بين حرية التعبير والإستفزاز معتبراً النبيّ “وجها دينيا ” لا غير !!. وفي رأي لا يصدر من رئيس دولة ، بل من حزب يميني متطرف لم يسبق لرئيس غربي أن اعتبر الاسلام ” يعيش أزمة”!! ثم في مغازلة لليمين واليمين المتطرف ، موفيا بوعده سنة 2017 بأنه سيقدم برنامجا يحدد فيه العلاقة بالإسلام في فرنسا ، معلنا عن إجراءات في مقاومة التطرف كمنع الحجاب ، عدم إستجلاب الائمة من الخارج ، ومراجعة تمويلات الجمعيات الإسلامية. تأتي تصريحاته في سياق سياسي يستبق إنتخابات 2021 ، و مجتمعي منزعج من الإسلام و تيارات الهوية. لكن المفارقة العجيبة تتمثل في أنه لا يوجد أي إجراء منها له علاقة بالتطرف ، بل بالحد من الحريات العامة. و الحقيقة ، أنه كلما زاد المسلمون إنسجاماً مع المجتمع الفرنسي ، تحركت لوبيات اليمين الصهيوني وأوقدت من كل حطب ناراً لإيقاف التناغم وإشعار الفرنسيين بالخطر الإسلامي في دولة بنُيت على التضادّ مع الدين ، أصلب علمانيات أوربا قاطبة.
أصل السَّوءة في خطاب ماكرون، يتيمة الدّهر وبيضة عُقره ، التنكر لمفهوم العلمانية التي صارت متطرفة عكس ما عرّفها “Aristide Briand” رئيس وزراء فرنسا الذي سنّ قانون 1905 الذي فصل بين الكنيسة والدولة ، فحين سُئل عن لباس الكهنوت المسيحي قال ” العلمانية لا تعني محاربة الدين ،بل حيادية الدولة تجاه كافة الأديان” بما فيها الاسلام ، وأكد المفهوم “الإعلان العالمي للعلمانية في القرن 21” الذي وقّعه 250 مثقفاً من أكثر من 30دولة .
في الحقيقة ، فرنسا الكاثوليكية هي التي تعيش الأزمة بالإنهيار المريع لممارسة الإلتزام الديني بين سنة 1965 وبين 1985 بنسبة 40 أو 50 وإنحدرت إلى %5 ، ورسَفت في الإلحاد وفي أحسن الأحوال ، “البوذية و”اليوقا”. بينما الإسلام هو أكثر الديانات اعتناقا في الغرب الأوربي وصار الديانة الثانية في فرنسا ب حوالي 6 ملايين مسلم ، أي 8 % من عموم الفرنسيين ، من بينهم 3 ملايين يحافظون على شعائرهم .
عمليا ، يواصل ماكرون مشروع ساركوزي اليهودي الدّيانة الذي قال :” نريد إسلاماً فرنسياً وليس إسلاماً في فرنسا “. ولكن أي اسلام ؟؟ قطعا هو الإسلام الكَنَسي ، بل ليس فقط للكنيسة المتحررة بل الخاضعة لأوامر السلطة التنفيذية. إسلام يطبّق قاعدة “إن كنت في روما فعليك فعل ما يفعله الرّومان” ولست أدري هل فعل الفرنسيون ما يفعله المسلمون حين كانوا يستعمرون بلدانهم ؟؟؟
لم يكن المسلمون يفكرون في البقاء بفرنسا ، وكان بعض العلماء يحرّمون الإقامة فيها و نيل الجنسية ، ولكن تجددت الأجيال، ومنذ 25 عاماً ، صار الإتجاه صوب الإندماج .
بفرنسا 3500 مسجد ، كلها منابر دروس المدنية وإحترام الآخر ومبادئ الجمهورية ، ولكن تعمدت فرض أئمة من المغرب والجزائر لا يتكلمون الفرنسية غير اكفاء بخطاب خارج السياق . ورغم ذلك فإن الرجوع إلى الدين ظل خاصية إسلامية ، وهو ما أقضّ مضجع نخبة سياسية علمانية مَردَت على النفاق ، تريد من الله أن يعدل ساعته على نبضها ، وتُقدم الإسلام قلَقا إجتماعياً وحديثا يُفترى عن الإرهاب الذي صدع أشهر الباحثين عنه Olivier Roy قائلا :” من الخطأ حصر الإرهاب في المنابع السلفيّة ” . في المقابل ، فإنها لا تبدي أي انزعاج من مظاهر التدين المسيحي أو اليهودي ، فحجاب المسلمة يشبه حجاب الراهبة الذي لا تقوم الضجة عليه كما قامت على الطالبة المحجّبة حين رفض برلمانيون يمينيون الإستماع إليها . لم تحمله لأهداف سياسية بل لأن دينها أمرها بإرتداءه حشمة و وقاراً .
مايؤلم أن ماكرون لعب على وتر التشظي، الذي تعيشه الجالية المسلمة التي ليست على صعيد العلمانية علمانيات في الغرب ، وفي بريطانيا مثلاً ، تربعت 8 مدارس إسلامية على عرش قائمة أفضل 20 مدرسة في المملكة لتفرض واقعا جديدا.
وحاليا، كل ما يجب فعله هو فتح نقاش كالذي حدث بعد الثورة الفرنسية 1789 حول علاقة الدولة بالكنيسة ، لتحديد علاقة الإسلام بالدولة نهائيا يفرض عدم الخلط بين الإعتدال والتطرف . فعوض إعتذار بلده لمسلمين بنوا إقتصاد بلاده ، وجعل جماجم أجدادهم منافض للسجائر ، والاشتغال عن أسباب الغضب الحقيقية التي إنفجرت مع” السترات الصفراء”في فرنسا المتخلفة اوربيا ، والتي خسرت نصف أسواقها في العالم ولا تمثل صناعتها سوى 10% من الناتج الوطني عكس ألمانيا ب18% ، تهيأ الرجل لمواجهة مع حالة إسلامية مستقرة ، ليبين أنها لا يوجد أعداء للغرب أكثر من الغرب نفسه ، إذ نشر “آليكسي كوربيير” ، القيادي في حركة ‘‘فرنسا الأبية’’ اليسارية ، مشروع القانون محذّرا من عواقبه الوخيمة . المسلمون ليس لهم ليست لهم نزعة انفصالية ، بل مايجري إستباق لتوازن القوة الديني الذي سترجحه الكفة الديمغرافية .ضيقت السعودية على العرب بالضّرائب حتى تركوها للأجانب، فتضيق فرنسا على المسلمين ” عرب البحر” كما وصفتهم المتطرفة “جون ماري لوبان .
فليس التطرف هو المقصود ، بل وجود الإسلام أصلاً ، يذكرنا بقول الشاعر الأندلسي: ” قلتُ ما أذنبت قالت مجييبة * وجودك ذنب لا يُقاس به ذنب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى