انتخابات العراق: لا “خسارة” في قاموس أحزاب السلطة
إياد العنبر

المفاجأة جاءت بخسارة قائمة الفتح برئاسة هادي العامري للمرتبة الثانية يهتم دارسو العلوم السياسية لتجارب البلدان التي تشهد تحولاً نحو الديمقراطية بمسألتين أساسيتين: الأولى، الالتزام بالانتخابات باعتبارها الوسيلة الوحيدة للتداول السلمي السلطة، وما مدى الإيمان بالانتخابات لدى القوى والأحزاب الفاعلة في النظام السياسي. وأمّا المسألة الثانية، فهي تركز على أن المجتمعات التي تنتقل من الشمولية نحو تبني الديمقراطية بحاجة إلى فترة تهيئة، وقد تكون طويلة، من أجل أن يتدرب الناس ليس على الذهاب لصناديق الانتخاب، ولكن من أجل احترام نتائجها.

في العراق الموقف من الالتزام بالانتخابات لا يبدو مبدئياً، وإنما هو مرتهن بنتائجها، فإذا كانت النتيجة الفوز والحصول على مقاعد برلمانية تؤهلهم لتقاسم غنائم السلطة، عندها يتم الاشادة بالانتخابات ويتحولون مدافعين عنها أكثر من منظّري الديمقراطية أنفسهم. وأما إذا كانت النتائج تؤشر خسارةً فادحة أو الحصول على مقاعد أقل من المتوقع، فهنا تتعالى الصيحات بالتزوير والطعن وتُستَحضَر كل نظريات المؤامرة التي يمكن لها أن تبرر الخسارة، وبالتأكيد لا ننسى فرضية دول خارجية تآمرت وسخّرت كل طاقاتها وجهودها للتلاعب بنتائج الانتخابات!

تدني نسبة المشاركة في الانتخابات والعزوف عنها، لم تأتِ مخالفة للتوقعات. وكذلك النتائج الأولية التي أُعلنت لا تحمل مفاجأة إلا على مستوى عدد المقاعد، إذ كانت التوقعات تشير إلى بقاء تقدّم الصدريين؛ لكنَّ المفاجأة جاءت بخسارة قائمة الفتح المرتبة الثانية؛ والمفاجأة الكبرى الخسارة المدويّة لتحالف قوى الدولة بزعامة السيد عمار الحكيم والسيد حيدر العبادي. أمّا تحالف “تقدم” بزعامة رئيس مجلس النواب السابق محمد الحلبوسي فاستطاع الحصول على أعلى مقاعد في المناطق السنية، وهذا الفوز يؤشر بروز زعامة سنية جديدة أزاحت الزعامات التقليدية، وفي إقليم كردستان كان حصول مرشحي الجيل الجديد على 9 مقاعد يُعد نصراً لهذه الحركة في منطقة تتنافس عليها أحزابٌ تقليدية.

بيد أن الحدث الأبرز في انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول هو فوز شخصيات حركة “امتداد” التي قدّمت نفسها باعتبارها ممثلة لاحتجاجات تشرين، بالإضافة إلى فوز الشخصيات المستقلة. ولو كان ثمّة تنظيم للمشاركة، ولولا مواقف المقاطعة من القوى التي تشكلت بعد احتجاجات تشرين التي انسحبت من التنافس الانتخابي، لكان هناك تنافس قوي للحصول على أعلى المقاعد في المناطق الوسطى والجنوبية.

لكن الخطأ في تقديرات المقاطعين وتراجعهم عن التصدي للتنافس الانتخابي، وعدم تنظيم القوى التي شاركت أدّى إلى تشتت الأصوات وضياع فرصة حقيقة لأن تكون قوى تشرين رقماً صعباً في المعادلة السياسية إذا أجادت توحيد الصفوف والمواقف داخل قبة البرلمان.

كل هذه المعطيات، تؤشر بأن انتخابات 2021 تميّزت على مستوى قانون الانتخابات، وإدارتها من قبل مفوضية جديدة تم اختيار أعضائها من القضاة المستقلين، والاعتماد على الآليات الالكترونية، ناهيك عن اتخاذ قرارات حاسمة، كان لها الأثر البارز في منع التلاعب بنتائج الانتخابات. ولكنَّ الغرور والمكابرة من قبل قوى سياسية هو النقطة الأهم والأبرز التي تحتاج إلى وقفة وتأمل، وخصوصاً إذا كانت هذه القوى تقدّم نفسها على اعتبار أنها قوى تؤمن بالديمقراطية وتدافع عنها. لكن يبدو أن صدمة الخسارة أفقدتها التوازن، وكشفت عن زيف خطابها السياسي.

لا تريد الكثير من القوى السياسية التي خسرت مقاعدها التفكير بسبب الخسارة، ومراجعة حساباتها وتقييم أدائها السياسي، بدلاً من الانشغال بالمهاترات السياسية وخطابات التصعيد. ومن المفارقات التي تستدعي السخرية نجد أن الزعامات الخاسرة تلوح بأن هذه النتائج قد تؤدّي إلى (الانسداد السياسي)، ولا أعرف أي انسداد أكثر من هذا الذي يشهده النظام السياسي، بعد أن بات تشكيل الحكومات طوال الدورات الماضية يخضع للصفقات والتوافقات بين الزعامات السياسية، والخلل الواضح في أداء المؤسسات التي يفترض أن تكون مهمتها الاستجابة لحاجات المجتمع، ولكنّها بدلاً من ذلك تحولت إلى إقطاعيات حزبية وعائلية.

ولا يقل التلويح بتهديد السلم الأهلي سخريةً عن الأوضاع التي يعيشها العراق في فوضى السلاح المنفلت، لأنه يوحي بأن بغداد كانت واحة للاستقرار والهدوء الأمني، في حين لا يمر يوم إلا ومظاهر السلاح الموازي لسلاح الدولة حاضراً بقوة، سواء بالنزاعات العشائرية أو حوادث الاغتيالات والخطف، أو الاستعراضات العسكرية للفصائل المسلحة التي تعلن صراحة تحديها للحكومة.

لا تريد زعامات أحزاب السلطة التي خسرت مقاعدها، والتي ربما تخسر نفوذها السياسي ومن ثمَّ حصتها في غنائم موارد الدولة، أن تفهم أن الجمهور الذي لم يخرج للانتخابات هو مَن عاقبها، فالمواطن الذي بات يشعر بأن الذهاب إلى الانتخابات من عدمه لن يغيّر شيئاً من واقع الحال، فالصفقات بين زعماء الكتل السياسية هي التي تحسم الموضوع، وبالنتيجة الانتخابات لن تنتج حكومة تكون أولويتها تحقيق مصلحة المواطن وإنما مصلحة الطبقة السياسية التي أوصلتها إلى سدة الحكم.

من جانب آخر، لا تريد قوى الأحزاب وشخصياتها الخاسرة الاعتراف بأن جمهورها الحزبي هو أيضاً من عاقبها بعدم الخروج والتصويت لها، لأنها لم توثق علاقتها بجمهورها، وبقت تنظر له باعتباره تابع لها وينتنظر أوامر الزعيم السياسي، الذي حصل على زعامته، أما لرمزية عائلية، أو من توليه المنصب وليس لقدراته القيادية، وأغلبهم نسى أو تناسى أنه تولّى المنصب بمحض الصدفة، لكن أوهام الزعامة بدأت تسيطر على مخيلته.

الانتخاباتُ لعبةٌ، ولن تكون مضمونة النتائج إلا لمن يجيد إدارتها وتنظيم صفوفه. أمّا خطابات المراوغة والتحايل بتغيّر الخطاب السياسي ورفع شعارات سياسية بقصد مغازلة الجمهور الذي فقد الثقة بالطبقة السياسية، و”الزعيم” السياسي وحاشيته، بالتأكيد تكون نتيجتها الخسارة الفادحة؛ ومن لا يملك شجاعة الاعتراف بالأخطاء ويعمل على إعادة تقييم علاقته بالجمهور، ولا يريد أن يغادر دائرة الحاشية التي تقتصر وظيفتها على تكرار أقوال زعمائها، من دون أن تكون نقطة تواصل بين قائد الحزب والمواطنين، فعليهم الاعتزال السياسي أو البدء بمراجعة حقيقة وجادة لكوادرهم الحزبية وعلاقتهم مع الشارع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى