انسحاب علاوي انتصار للشعب وهزيمة لمن تبناه ودعمه
هارون محمد

كان أول خطأ سياسي، وقع فيه رئيس الوزراء المكلف المنسحب محمد علاوي، أنه صدّق، أن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، سينجح في تمرير حكومته في البرلمان، بعد أن تفاهم الأخير مع رئيس كتلة (الفتح) هادي العامري، في قم الإيرانية، واتفقا على ترشيحه، على منوال ما فعلاه في اختيار عادل عبد المهدي نهاية عام 2018، ولم ينتبه إلى التغير الكبير، الذي تشهده الساحة العراقية، منذ الاول من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، المتمثل بالتظاهرات الشعبية، التي عمت بغداد ومحافظات الفرات الأوسط والجنوب، وأغلبية سكانها من الشيعة العرب، المناهضين للطبقة السياسية الحاكمة، التي تقودها أحزاب وكتل موالية لإيران، وتخضع لأجندتها.
ولأن علاوي، بعيد عن العراق، منذ عام 2012 بعد استقالته من وزارة الاتصالات في حكومة نوري المالكي الثانية، بسبب مشكلة إدارية مع موظفة في وزارته (مستشارة فنية) كان بمقدوره نقلها إلى وزارة أخرى، بموجب صلاحياته، ولكنه آثر الانسحاب، وعدم الدخول في مواجهة مع المالكي، الذي كان يلتزمها، فإنه عاد، هذه المرة، وقبل بتكليف رئيس الجمهورية برهم صالح برئاسة حكومة انتقالية، من دون أن يلحظ أن المرحلة الراهنة تحمل سمات جديدة، تختلف عما جرى في السنوات الخمس أو العشر الماضية، وأبرزها أن الشارع العراقي، بات هو القوة المحركة في المشهد السياسي، وأن تظاهراته السلمية، التي انتشرت وتصاعدت، شكّلت إرادة أقوى من مواقف الأطراف الحزبية، والميليشيات الطائفية، والكتل النيابية مجتمعة، وصارت الرقم الصعب في المعادلة السياسية، خصوصاً أنها حظيت بتأييد أكثرية الشعب، ودعم أغلب الشرائح الاجتماعية، وفي مقدمتها الفقراء، والكادحون، والطلبة والشباب، والنساء، والنقابات المهنية، والكسبة والموظفون، والعمال والفلاحون، والمتقاعدون، وتعداد هذه الفئات بالملايين، الأمر، الذي دعا كثيرا من المعلقين والمحللين السياسيين، إلى إطلاق مصطلح (الكتلة الأكبر) عليهم، نكاية بادعاءات مقتدى الصدر، وتصدياً لمزاعم هادي العامري، اللذين حاولا تسويق نفسيهما، بصفتهما يمثلان تلك الكتلة.
ومما فاقم في انخفاض شعبية محمد علاوي، وتضاؤل فرص نجاحه في تشكيل حكومته المؤقتة، أن الصدريين، الذين تعاونوا مع الأجهزة الأمنية والحكومية، وقمعوا التظاهرات الشعبية، بميليشيا سرايا السلام، وأصحاب القبعات الزرق، انحازوا إليه بنحو سافر، وهددوا من يعارضه، ولم يكتفوا بتغريدات مقتدى وتصريحاته، بضرورة تمريره مهما كلف الأمر، وإنما وصلت الحال بالصدر، إلى الظهور، في برنامج تلفزيوني لقناة عراقية، توعد فيه، من يعارض علاوي، وهدد بتسيير تظاهرات (مليونية) لاقتحام المنطقة الخضراء، وحصار البرلمان، وإجبار أعضائه على تزكية الكابينة الوزارية الجديدة، بل إنه أعلن استعداده لإعادة (جيش المهدي) وهو ميليشيات تتبعه، ارتكبت جرائم وانتهاكات وعمليات تهجير طائفي في بغداد والبصرة تحديداً، خلال أعوام (2005 ـ 2008) في إشارات، تحمل أكثر من دلالة على عودة الاقتتال الطائفي، وتكريس الانفلات الأمني، في حين سعى مساعده حسن الكعبي، نائب رئيس مجلس النواب، إلى تجاوز الدستور، ومخالفة القوانين المرعية، لعقد جلسة استثنائية للبرلمان، بشتى الطرق والأساليب، لتمرير علاوي وكابينته الوزارية، ولكنه أخفق في محاولاته، كما فشل رئيسه في ترهيب المناهضين لعلاوي.

وليس صحيحاً، ما ذكره علاوي، في خطاب انسحابه، مساء الأول من الشهر الحالي، من أنه سعى إلى تأليف حكومة مستقلة، وغير محاصصاتية، لان تشكليته الوزارية، التي تسربت ونُشرت، ضمت وزراء، هناك مؤشرات ووثائق تفيد بأنهم واجهات خلفية لقيادات وكتل شيعية، وأحدهم وهو عميد لإحدى الكليات، تمتلئ صفحته، بصوره مع زعيم ميليشيا العصائب قيس الخزعلي، بالإضافة إلى تهم بالفساد موجهة إليه من هيئة النزاهة، وهناك وزير في التشكيلة، كان نائباً وسفيراً، وعضواً متقدماً في الائتلاف الشيعي، ووزير مرشح آخر، شغل منصب مستشار اقتصادي لكل من حيدر العبادي، ومن بعده عادل عبد المهدي، معروف أنه مجرد (موظف)، رغم أن وظيفته تفرض عليه، أن يخطط ويسهم في برامج التنمية والإصلاح، ولعلها من المفارقات، أن علاوي ضم إلى كابينته اسم تركمانية لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية، تعمل سفيرة في دولة أوروبية حالياً (سندس عمر علي) ولكنه سرعان ما شطب اسمها، بعد أن تبين أنها سنية، واستبدلها بشخص تركماني أيضا، يدعى حسن البياتي، ولكنه شيعي، الأمر الذي أثار موجة من السخرية في الأوساط الشعبية، على من يدعّي، أنه غير طائفي ولا يؤمن بالمحاصصات! وصحيح أن علاوي، وكما قال في خطاب اعتذاره وإعلان إخفاقه في تشكيل حكومته المؤقتة، قد تعرض إلى ضغوط من الأطراف السياسية والكتل النيابية، لإشراك ممثلين عنها في كابينته، ولكن الصحيح ايضاً، ان الشارع العراقي رفضه، منذ اليوم الأول لتكليفه، وقد تعمد أن يتجنب ذكر ذلك في خطابه، مع أنه كان السبب الأساس لفشله، لأنه عزل نفسه، واعتمد على خمسة أو ستة مستشارين، من ضمنهم نجله، في إجراء اتصالاته ومشاوراته، من دون أن يمد جسوراً مع المتظاهرين، والاستماع إلى آرائهم وهمومهم وتطلعاتهم، وكان هذا خطأ آخر، يضاف إلى عديد أخطائه، التي ارتكبها خلال شهر كامل، هي مدة التكليف، التي انتهت في الأول من الشهر الحالي، ولم يقبل بالنصائح، التي وجهت إليه، من مثقفين وأكاديميين، بالنزول إلى ساحة التحرير، مركز التظاهرات في العاصمة، ولقاء المتظاهرين، وإجراء حوارات معهم، وامتنع أيضاً، عن الاجتماع مع نقابات المحامين والمعلمين والأطباء والمهندسين والعمال والطلبة والفلاحين، والاستماع إلى وجهات نظرها، وهي التي سجلت موقفاً واضحاً في تبني مطاليب التظاهرات، والتحمت بهم، واعتذر من دون مسوغ، عن زيارة المحافظات، والاجتماع مع ناشطيها، والاستئناس بما يحملون من آمال وتطلعات، وقد قيل في ذلك، إن الرجل من أسرة غنية، ومن أصول ارستقراطية، لا تسمحان له، بالتعاطي مع الشارع، والتعامل مع الجمهور الشعبي، وهذا إن صح، فانه يعكس استخفافاً بالشعب، وتشبثاً في استمرار العيش في الأبراج العالية.
ومرة أخرى، نُعيد ونُكرر، أن على القيادات المتسلطة، والأحزاب المستأثرة، أن تعي أن هناك انتفاضة شعبية، في طريقها إلى ثورة عارمة، إذا واصلت تلك القيادات والأحزاب، فسادها ونفوذها، وأدارت ظهرها، لإرادة الشعب ونضاله، نحو الإصلاح والتغيير، وعليها، أيضاً، أن تدرك، أن الاستقواء بالميليشيات لن ينفعها، والاعتماد على دول أجنبية، لن يُفيدها، وأمامها طريق واحد لا غير، الرضوخ للشعب، وتلبية مطاليبه المشروعة، في عراق حر ومستقل وقوي، وإلا فإن الطوفان قابل عليها، يطيح بكياناتها وقادتها ورموزها، ويومئذ لن يُجدي الندم.
كاتب وصحافي عراقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى