انطونيو التلحمي ..رفيق تشي جيفارا
مهند طلال الاخرس

كتاب من القطع المتوسط، يقع على متن 246 صفحة، والكتاب بطبعته الاولى صدر في سنة 2020 في عمان، الاردن عن الآن ناشرون وموزعون، والكتاب ظهر للعيان بهذه الحُلة بجهد وافر ومقدر من سميح مسعود الذي تكبد عناء تفريغ التسجيلات الصوتية للبطل انطونيو التلحمي.
الكتاب سيرة ذاتية للمناضل الفلسطيني والاممي انطونيو التلحمي، وهو أنطون جميل سليم داود المولود عام 1909 في بوغوتا – كولومبيا لعائلة عربية من بيت لحم، والذي شارك بفعالية بثورات ونضالات قارة امريكا اللاتينية، فقد ساهم في ثورة غواتيمالا وكولومبيا والمكسيك وكوبا وتشيلي وبوليفيا هذا بالاضافة الى مساهمته الفعالة في الثورة الفلسطينية على ثلاث حقب ومراحل-الاولى في الاضراب الكبير 1939 بقيادة ابو كمال،والثانية ابان النكبة 1947وانضوائه تحت لواء الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر الحسيني والثالثة بعد النكسة 1967 ضمن فصائل الثورة الفلسطينية تحت لواء منظمة التحرير.
الكتاب سيرة روائية ملحمية تشكل اطلالة في غاية الاهمية على نضالات الفلسطينيين واسهاماتهم في الثورة التحررية العالمية، فبعد رواية علي قصة رجل مستقيم لحسين ياسين والتي نجحت بقرع جدار الخزان ونفض الغبار عن صفحات مهمة من نضالات وابداعات واسهامات الفلسطيني في الارث الانساني التحرري من خلال القاء الضوء على تجربة علي ذلك الثائر والمناضل الفلسطيني الذي شارك وثلة من اقرانه رفاقهم الاسبان في ثورتهم ضد الفاشية وضد حكم الجنرال فرانكو ابان الحرب الاهلية الاسبانية، تأتي هذه الملحمة الاممية لتسلط مزيدا من الضوء على هذا الاثر المتسامي والمتجذر في عطاءات ونضالات الفلسطيني في ميدان الحرية، فكان هذا الكتاب ذي السيرة الروائية الملحمية.
وفي هذا السياق يقول د.خلف المفتاح:” لكل شعب او جماعة سياسية أياً كانت تاريخ وبطولات ورموز تاريخية تشكل مادة دسمة في سرديتها التاريخية ومخيالها الجمعي، وهذا يمنح تلك الجماعة شعوراً بالفخر والاعتزاز والسمو، وتأخذ هذه المسألة أهمية خاصة عندما تتعرض تلك الجماعة لاستهداف ممنهج لجهة تجريف تاريخها وهويتها وانتمائها عبر حملة تشويه منظمة تروم النيل من رموزها التاريخية ومناسباتها الوطنية والقومية، ما يعني بالمحصلة محو متدرج للذاكرة الجماعية واعادة بنائها بما يخدم مصالح تلك القوى التي تستهدفها وبما ينسجم مع رؤيتها المشوِهة لتلك الرموز والعناوين الوطنية، ما يعني بالمحصلة نسف وحرق عامل تحشيد معنوي ترى فيه الجماعة أعمدة بنائها التاريخي وهويتها الجامعة .
هذا الكتاب، يأتي في هذا السياق وضمن مضمار انتاج الوعي الوطني العامر بصور العز والفخار، مما يسهم بتشكيل هوية وطنية راسخة متجذرة تقوم على مبدا الانتصار للوطن وتاريخه في مواجهة الاخطار والاطماع والافكار الهدامة.
هذا الكتاب، يفاجئك بكم التجارب والمحطات النضالية (الاممية) التي شارك فيها بطلنا انطونيو التلحمي على مدى سنوات عمره الستين. ليس هذا وحسب؛ بل ان للكتاب ومادته المخطوطة والمسجلة على اشرطة كاسيت حكاية تستحق ان تروى، وهي الحكاية التي ترد تفاصيلها في الفصل الاول من الكتاب وعلى يدصاحب الفضل في هذا المُنتج، الشاعر والكاتب الفاضل سميح مسعود، وهذا ما يطالعه القاريء ويكتشف تفاصيله على متن الصفحات 9-21 وبقلم سميح مسعود نفسه، وعاد بطل الرواية وصاحب الحدث انطونيو التلحمي لايراد ذكر هذه التفاصيل على لسانه ص 240-241.
وكم رجُلٍ يُعَدُّ بألفِ رجلٍ * وكمْ ألْفٍ تَمرُّ بلا عِدادِ ؛ قد يكون بيت الشعر هذا من اجمل ما ينطبق او يختصر حكاية بطلنا
والذي تبدا سطور حكايتة في الكتاب من خلال استذكار علاقته بجده، وجده هذا هاجر من فلسطين زمن الدولة العثمانية، وكانت وجهته امريكا، لكن ولسوء الاقدار وخداع ربان السفينة وصلوا الى بنما بعد ان اوهمهم انها امريكا، ثم يكتشف المخدوعون ان بنما مقاطعة فيدرالية وجزء من دولة اكبر اسمها كولومبيا. وفي كولومبيا يعمل جد انطوان ورفيق له من فلسطين اسمه جميل في نفس المجال في الفندق ثم المناجم وتتشابك الاقدار وتتعانق فيموت جميل في المنجم ويتسبب هذا الحدث بالم وحزن حاد لجد انطونيو، بعد ذلك يعود جد انوطونيو للعاصمة بوغوتا ويعمل لدى مشغل لصياغة وتقطيع الماس والزمرد والاحجار الكريمة، وتقوده الاقدار لمصاحبة ابنة صاحب العمل وزواجه منها وقدوم المولود الاول والذي سماه الجد على اسم رفيقه وصديقه جميل …
في هذه الاثناء يواصل انطونيو تعليمه انفاذا لوصية وتعليمات جده، اذ ان علاقة انوطنيو بجده كان الاثر الاكبر في شخصيته وفي تكوينه النضالي وانتمائه لجذوره واصوله العربية في فلسطين.
تندلع الثورة الفلسطينية الكبرى فيلتحق بها انطونيو بناء على رسائل جده وتربيته السابقة له، ثم ما يلبث ان يعود بعد انتهائها. ثم تندلع حرب النكبة فيلتحق انطونيو مجددا بها، ويلتحق بقوات الجهاد المقدس كعنصر استخبارات بعد نصيحة تلقاها من صديقه خالد ومن بقية رفاقه في الجهاد المقدس.
يقوده حسن الطالع والتدبير لان يعمل سائقا في القنصلية الامريكية في القدس نتيجة اتقانه عدة لغات واعتمادا على جنسيته الكولومبية، وهنا يبدا التفكير والتخطيط لاضخم واكبر عمليات قوات الجهاد المقدس ضد العصابات الصهيونية، حيث تمت اكبر عمليات التفجير لمقر العصابات الصهيونية (الوكالة اليهودية) في القدس بواسطة تفخيخ السيارة القنصلية التي يقودها صاحبنا وبطل هذه الملحمة وابن بيت لحم انطونيو التلحمي والتي ترد تفصيلاتها على امتداد الصفحات 151-161.
تنتهي الحرب بوقوع النكبة فيلاحق صاحبنا ويصبح رأسه مطلوبا، فيضطر لمغادرة البلاد عن طريق غزة فالاسكندرية وبجواز مزور وباسم مستعار عائدا الى كولومبيا مرورا بفرنسا ومقابلة صديقه هناك.
بعد خروجه من سجون كولومبيا بيوم واحد وفي عام 1952م بالتحديد يلتقي بطلنا مع تشي جيفارا وتتوطد صداقتهم وافكارهم،ومع الايام يُعرّفه تشي جيفارا على فيديل كاسترو وتتوسع العلاقات وتمتد افاقها، وهذا دفعه الى الاسهام معهما في الإعداد للثورة في كوبا، حيث رافقهما على متن القارب (غرانما) الذي شَكَل النواة الأولى للثورة الكوبية.
كان بطلنا ثوريا طليعيا وهذا قاده فيما بعد لان يصبح مدربا للجيش الكوبي ومفوضا سياسيا له بعد انتصار الثورة ص 215_216 . ثم تستمر مسيرته بالنضال حتى رافق جيفارا إلى بوليفيا في تشرين ثاني 1966 لاشعال الثورة هناك ص 226_229، وفي هذه الصفحات تحديدا يروي صاحبنا واقعة انكسار الثورة في بوليفيا وتخلي الرفاق والشعب عنهم حتى اعتقال جيفارا واعدامه بعد التحقيق مع رفاقه وتعذيبهم واعترافهم عليه وعلى راسهم المفكر الفرنسي اليساري ريجيس دوبريه صاحب كتاب ثورة في الثورة ص 228.
وبواسطة تتبع الاخبار والاحداث في فلسطين وعلمه ببطولات الفدائيين في قواعد الاغوار يقرر صاحبنا اعادة الكرة، وهذه المرة مع صفوف الثورة الفلسطينية المعاصرة. فبعد النكسة، يلتحق بقواعد الفدائيين في الاغوار، وفي هذه الاثناء يكلف بالتجوال على اماكن تواجد الفلسطينيين في دول الطوق والجوار وخصوصا المخيمات لاستقطاب الجماهير وتجنيدهم لصفوف الثورة.
وفي احد جولاته، وفي اثناء زيارته للبنان يلتقي بصديق قديم(نصري) ص 237 ويقنعه بضرورة زيارتهم الى الكويت، ويفشل هذا الصديق بمسعاه ابتداء، لكنه يعود ويخبره ان صديقه فاضل رشيد (ذلك الضابط العراقي البطل) ورفيقه في جيش الجهاد المقدس موجود في الكويت، فيقرر صاحبنا حينها التوجه للكويت للقاء فاضل رشيد ص 240، وهناك يتم استدعاء الذكريات وزمن البطولة وتنشأ حكاية هذا الكتاب
ص240 – 241.
قصص وبطولات انطونيو التلحمي ومحطاته العالمية واسهاماته المتميزة في ثورات امريكا اللاتينية صحبة تشي جيفارا وفيديل كاسترو ورفاقهم الاخرين تستحق ان توضع في متحف الذاكرة، وان يسلط الضوء عليها وابرازها للعيان، فهي مسيرة حافلة وغنية وترتقي لمنزلة الملحمة.
إن فلسفة الوعي وتشكيله التي ترد ضمن هكذا مصنفات من الجنس الادبي هي التي تحدد دوره في انشاء مدخلات سليمة بغية الحصول على مخرجات سليمة في المخطط والمسير وبغية انتاج وعي وطني يراهن عليه في قادم الايام.
ان الادب الرصين والرزين والهادف وفق ما يحتوي على عناصر ومقومات اساسية كهذه السيرة الالمعية وبما تستهدف من تمتين بناء الانسان والشعب والقضية، وهذا يحتم بالضرورة الاعلاء من شأن الرموز التاريخية وصناعة صورة البطل في المخيال الجمعي وكذلك صورة العدو والعكس صحيح.
ان الاعمال الادبية التي تناقض هذا المفهوم وتسير بالاتجاه المعاكس، انما تستهدف القيام بعملية كي للوعي واستيلابه وتقديم كل ما هو ركيك ومبتذل وضعيف في سبيل انجاز مهمة كبرى تعجز عنها اكبر القوى واكثر انواع الاسلحة فتكا.
يقول الاسباني جورج سانتيانا:”الذين لا يقرأون التاريخ محكومٌ عليهم أنْ يُعيدوه أكثر من مرة، وأنْ يُلدغوا من ذات الجُحر ألف مرة!”
إن تنشيط الذاكرة الوطنية والتاريخية وتسجيل كل ما اتيح لنا من مآثره، وكتابة وتدوين وتسجيل كل ما تحمله محطاتنا التاريخية ومسيرتنا النضالية من صور ورموز تراكمت تاريخيا وشكلت سياجا حقيقياً لتحصين تاريخ الأمة مسألة واجبة الرعاية والتحفيز عليها في كل حقل ومضمار.
يقال ان زعيم العصابات الصهيونية ديفيد بن غوريون وبعد اعلانه قيام دولة اسرائيل اجتمع مع ثلة من العلماء والادباء وكتاب التاريخ ومزوريه وخطب فيهم قائلا:” لقد صنعت لكم دولة، وعليكم ان تكتبوا لها تاريخا اطول واكبر من تاريخ اعدائنا”.
هذا الكتاب بسيرة صاحبه المروية عبر صفحاته 246 يعود بنا الى اصل الصراع وحقيقته عبر العصور والازمان، والذي يفيد بأن الطغيان منهجه دائما واحد ويفضي الى نفس النتائج، وبان الاحرار طريقهم واحد لا محالة وبأن دربهم صعب وشائك لكنه حتما سينتصر طال الزمان ام قصر .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى