انقلاب ضد الولايات المتحدة.. «تفكك قوة أمريكا»

ترقب انهيار الهيمنة الأمريكية على العالم، لم يعد محصورا داخل الدوائر السياسية «الرسمية وشبه الرسمية» خارج الولايات المتحدة، بل أصبح الترقب هاجسا داخل الولايات المتحدة الأمريكية ـ نفسها ـ ويدفع أمامه بتوقعات انهيار الهيمنة الأمريكية، ويرى خبراء ومحللون أمريكيون، أن التوقعات ليست مجرد تكهنات، لكنها هذه المرّة مختلفة جدًا وقابلة للتحقّق لأن العوامل التي ساهمت في بسط الهيمنة الأمريكية من قبل، هي ذاتها التي ستقود عملية تفكّكها اليوم.

مخاطر سياسة ترامب
وتقول صحيفة «فورين أفيرز» الأمريكية، إن الاستجابة غير المنسّقة لجائحة كورونا، والأزمة الاقتصادية الناجمة عن تفشّي الوباء، وعودة السياسات القومية، وإغلاق الحدود بين الدول، كلها مؤشرات على ظهور نظام دولي أقلّ تعاونًا وأكثر هشاشة، ما يؤكد، وفقًا لمراقبين، مخاطر السياسة التي ينتهجها رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب والقائمة على شعار أمريكا أولاً، وتخلّيه عن دور بلاده في قيادة العالم، وعن التزامها بتعزيز نظام دولي ليبرالي.

ونشرت الصحيفة تحليلا سياسيا شاملا، بعنوان «كيف تنتهي الهيمنة؟ تفكّك قوة أمريكا»..يوضح من خلاله، الباحثان ألكسندر كولي ودانييل نيكسون، أن هناك مؤشرات عديدة تُشير إلى أزمة في النظام العالمي، تُنذر بنهاية هيمنة الغرب بقيادة الولايات المتحدة وصعود قوى أخرى منافسة.

عوامل الهيمنة.. عوامل التفكك

وتشير الصحيفة الأمريكية، إلى 3 عوامل مكّنت من تشكيل نظام عالمي بقيادة الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة:

أولًا: أن واشنطن لم تُواجه أي مشروع أيديولوجي عالمي كبير يُمكن أن يُنافسها بعد هزيمة الشيوعية.
ثانيًا: أنه مع تفكّك الاتحاد السوفياتي والبنية التحتية المصاحبة له من مؤسسات وشراكات، لم يكن هناك بديل أمام الدول الضعيفة تلجأ إليه لتأمين الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي غير الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.
ثالثًا: وجود الناشطين والحركات التي تنشر القيم التي تُعزّز النظام الليبرالي.
تآكل قوة أمريكا
ويرى الباحثان « ألكسندر كولي ودانييل نيكسون»، أن هذه العوامل نفسها انقلبت اليوم ضد الولايات المتحدة، وحلّت محلها حلقة مُفرغة تؤدي إلى تآكل قوتها، فمع صعود قوى عظمى كالصين وروسيا، باتت المشاريع الاستبدادية وغير الليبرالية تُنافس النظام الدولي الليبرالي بقيادة أميركا.

تراجع أمريكا ليس مؤقتا.. ولكن وضع دائم
كما بات بإمكان الدول النامية، والعديد من الدول المتقدمة، أن تبحث عن راع بديل يغنيها عن الاعتماد على الدعم الغربي، وظهرت حركات لا تتبنّى الفكر الليبرالي وأغلبها يمينية، وأن تعمل ضد النظام الدولي الليبرالي الذي كان صلبًا يومًا ما.

وتؤكد صحيفة «فورين أفيرز»، أن هيمنة الولايات المتحدة على العالم لا تشهد تراجعًا فحسب، وإنما تعيش حالة من التفكّك، وتراجعها ليس حلقة مؤقتة وإنما هو وضع دائم.

التحليل السياسي المُطوّل، للصحيفة الأمريكية، حاول استشراف ملامح النظام العالمي الجديد بعد انحسار هيمنة  الولايات المتحدة.. وأبرز التحليل مجموعة من المعطيات تدل على تغيّر حقيقي، من أهمها نهاية النظام العالمي ذي القطب الواحد الذي يحتكر فيه الغرب المكوّن من الولايات المتحدة وحلفائها، النفوذ والهيمنة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.
صعود قوى عظمى أخرى.. أكثر جذبًا للدول الضعيفة
وأشارت الصحيفة، إلى عدة عوامل غيّرت المشهد الجيوسياسي ومهّدت لتغيير النظام العالمي، منها صعود قوى عظمى أخرى تُقدّم منظورًا مُنافسًا للنظام العالمي ذي الهيمنة الغربية، وذات طابع استبدادي أكثر جذبًا للدول الضعيفة، إضافة إلى المنظمات الإقليمية الجديدة والشبكات الوطنية غير الليبرالية التي تُنافس تأثير الولايات المتحدة، ناهيك عن التحوّلات بعيدة المدى التي شهدها الاقتصاد العالمي وأهمها صعود الصين.

حقبة النظام العالمي ذي القطب الأوحد قد ولّت إلى غير رجعة
وخلص تحليل الصحيفة الأمريكية، إلى أن على الولايات المتحدة، إذا كانت ترغب في أن تحتفظ ببعض التأثير لنموذجها الاقتصادي والسياسي، أن تعمل على ترتيب شؤونها الداخلية، وأن تُعيد تنشيط سياستها الخارجية على نحو يضمن قدرتها على ممارسة تأثير كبير على النظام الدولي حتى في غياب هيمنتها العالمية.

ولكي تنجح في ذلك، على واشنطن أن تُدرك أن العالم لم يعد يُشبه حقبة التسعينيات والعقد الأول من هذا القرن، وأن حقبة النظام العالمي ذي القطب الأوحد قد ولّت إلى غير رجعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى