ايفا شتال: أُمَمِيّة لم تغادر الجبل
بقلم: مهند طلال الاخرس

ايفا شتال مواطنة سويدية تنتمي لليسار السويدي تعمل ممرضة تعاطفت أثناء دراستها الثانوية في السويد مع الثورة الفيتنامية، والتحقت مطلع السبعينات بالحركة اليسارية السويدية، وقرأت في أدبياتها عن الثورة الفلسطينية وتأثرت بها، وكانت الحركة اليسارية السويدية قد عرضت على الثورة الفلسطينية تزويد عياداتها بالاطباء والممرضين وأستجاب أنصارها لاسناد المقاومة الفلسطينية طوعياْ ودون شروط.
وافقت إيڤا على شروط اليسار السويدي والمتمثلة بالعمل الطوعي في المخيمات دون راتب، وعلى ان تغطية تكاليف السفر إلى بيروت مسؤولية المتطوع، وعلى السكن في منازل العائلات الفلسطينية المستضيفة، بالاضافة تحمل تكلفة العيش ومخاطر الاقامة.
ْوصلت إيڤا تل الزعتر أواخر 1974 وأقامت في بيت من الزينكو مع عائلة كبيرة، وأطلق عليها اهالي تل الزعتر اسم سميرة.
في مخيم تل الزعتر وفي اتون الحرب تحدث قصة بطلتها ايفا شتال واحد ابناء المخيم وهو مناضل فلسطيني من اسرة لاجئة من قرية الخالصة، هذا المناضل والشهيد فيما بعد اسمه يوسف حمد، حيث تلتقي بيوسف حمد العامل في اللجان الطبية والصحية في المخيم ثم تتزوجه في خريف 1975 ويصبح اسمها سميرة الحمد او ايفا الحمد .
واصلتْ عملها الطبي والتمريضي في المخيم برفقة زوجها وبقيت كذلك أثناء اشتداد الحصار على مخيم تل الزعتر.
كانت ايفا وكل مخيم تل الزعتر على موعد مع جهنم؛ ففي 13 حزيران 1976 تم قصف المخيم قصفاً شديدأ أثناء نوم الزوجين بعد يوم عمل شاق، وقد سمعتْ زوجها يهمس مازحاً قبل نومه: ربما نموت الليلة يا إيفا.
وقد جاء ذلك المشهد المروع على لسان ايفا في شهادتها التي اوردتها في الكتاب عن تلك الليلة الجهنمية حيث اضافت: “استيقظتُ مذعورة على انفجارات هائلة ونار حادة تحرق ساقي اليسرى، وشعرتُ أني طرتُ مع يوسف في الفضاء. كنتُ أصرخُ وأنادي عليه دون رد… لففتُ بيدي اليسرى طرف البيجاما حول ساقي اليسرى لمنع النزيف، ورفعتُ بيدي الجزء المتدلي من ذراعي الأيمن إلى الأعلى لأتمكن من التوازن”.
تدخل القدر لنجدتها، او لربما لتشهد بنفسها وقائع تشظي حلمها برحيل زوجها اولا وببتر ذراعها وبإصابة قدمها ثانيا وبإجهاضها للجنين ثالثا وبتدمير المخيم رابعا…وكأنها كانت على موعد مع مأساة لا تنتهي…
في مشفى الهلال الاحمر كان القدر قد كتب لها اياما اخرى في حياتها لترجع من فم الموت ولتكتب بالدم تلك السطور الموجعة من تجربتها ومن فصول التغريبة الفلسطينية المليئة بالدموع والتي تفوح منها رائحة الدم حيث تورد في شهادتها: “خضعتْ لعملية جراحية سريعة، ثبّت فيها الأطباء الأجزاء المكسورة من عظام ساقي بألواح خشبية، وتم بتر نصف ذراعي الأيمن. مكثتْ في المشفى عشرة أيام قبل أن ينفجر جنون القصف الوحشي يوم 22 حزيران، اذ بدأ القصف عند السادسة صباحاً وحتى الثامنة مساء، وسقط على المخيم 12 ألف قذيفة بمعدل 28 قذيفة في الدقيقة الواحدة. شاركتْ قوات سورية في القصف إلى جانب الكتائب. لن أنسى ذلك اليوم، لقد دمر المخيم تدميراً شاملاً، وأصبحتْ المستشفيات خراباً، البيوتُ رمادا، وتناثرت مضخات مياه الشرب… كانت وحشية متناهية، أنا عاجزةٌ عن وصف تفاصيل مأساة المخيم بدقة لأنها أكبر من الوصف”!
كل تلك الشهادات واكثر عن تجربتها في تل الزعتر روتها المناضلة الاممية السويدية إيڤا شتال، ووضعت كل تلك الشهادات واليوميات في كتاب تحت عنوان “تل الزعتر قصة البطولة والمأساة” بمشاركة الصحفي السويدي اندريه هاسليوم، وستبقى أوراق الكتيب على قلتها والبالغة 42 صفحة تشكل وثيقة هامة في ادانة الانعزاليين اللبنانيين ومن خلفهم النظام السوري واعوانه واذنابه، كما تسهم هذه الشهادة في كشف ابشع الفظائع الجرمية التي استهدفت اللاجئين الفلسطينين وفقراء لبنان وسورية في مخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين الواقع شرقي بيروت، وبحيث تشكل هذه الشهادة وثيقة جرم وادانة بحق كل هؤلاء.
ومن ابرز ما جاء ايضا في شهادتها في هذا الكتاب:
“الغضب، الكراهية وخيبة الامل من القوات السورية، لقد أصبح حجم المخيم من ناحية المساحة أصغر وأصغر. فجميع الجهات قصفت وحرقت ودمرت والقوات الكتائبية تقترب أكثر فأكثر، وأصبح الزحام داخل البيوت على أشده. أحد البيوت كان يقع تحته ملجأ ازدحم فيه 500 شخص واكثر، قصف ذات
مرة بالقنابل وعندما هرعت العوائل التي كانت تسكن البيت -نساء وأطفال فقط- باجتاه الملجأ حصدوا جميعا برصاص القناصة الكتائبين…كانتّ أضواء القنابل تسهل لهم أهدافهم بوضوح”.
“خلال الاسبوع الاخير من وجودي في تل الزعتر تهدم الملجأ القريب منا بكامله نتيجة القصف العنيف المكثف، وانهارت جدران البنايات المجاورة فوق بعضها البعض، استمر القصف لعدة أيام فتحول الملجأ إلى قبر للخمسمائة إنسان…”.
سنحت الفرصة أن أتحدث مرة أخرى بالاسلكي. ولكن لم أقل سوى بضع كلمات، فجأة دخل رجل الغرفة راكضا أصيب بجروح وحروق بالغة. كانتّ الدماء تغطي جسمه بالكامل. فسقطت السماعة من يدي وأجهشت البكاء ولم أستطع تكملة المكالمة، إذ كيف يستطيع المرء وصف ما حدث بينما الذي
يحدث في كل دقيقة أفظع!”.
“وأخيرا، وصلت بعثة الصليب الاحمر إلى المخيم بعد انتظار طويل. اهتززت عندما وقفوا عند باب غرفتي وتحدثت إليهم بارتباك باللغة السويدية أولاً فالعربية وأخيرا بالانكليزية حتى تفاهمنا، وأعد كل شيء للرحيل، فتوافد علي كثير من الاصدقاء
ليودعوني، غالبيتهم كرر علي القول: الان يا سميرة عليك أن تخرجي وتخبري العالم عن كل شيء، كان الوداع مؤثرا وعاطفيا بغير حدود”.
“وبعد مسيرة كيلو متر واحد توقفنا، لا أعرف المكان الذي توقفنا فيه، ألا اني لم أكن أجرؤ على النظر خارج السيارة، فقد حذرني رجال الصليب الاحمر وطلبوا مني أن أبقى ساكنة بلا حراك. وفجأة قفز أحد الكتائبين إلى داخل احدى الشاحنات التابعة للبعثة اللتي كانتا تحملان عددا من الجرحى، واختار جريحا من بينهم وطعنه بحربة البندقية، ومع الصراخ سمعت من خلال النافذة بعض الجنود يقولون: ها هي هنا.. الاجنبية زوجة يوسف حمد. ّقال أحدهم بصوت: يا حبيبتي استمعي إلي. لن أؤذيك يا حبيبتي، وكررّ آخر وثالث نفس الشيء، وكانوا يحاولون استفزازي، ولكني بقيت جامدة ملتزمةّ بتعليمات الصليب الاحمر. ودار نقاش في الخارج وسمعت مسؤولّ الصليب الاحمر يقول بتوسل: الكل هنا جرحوا بسبب انفجار في أجهزة الغاز، ولم أعرف وقتها ماذا تعني هذه الكلمات ولكنهم سمحوا لنا مبواصلة السير. كنا 11 جريحا، وكانت جروحهم خطيرة على العموم. وعندما وصلنا إلى القطاع الذي يقع تحت سيطرة القوات الفلسطينية والوطنية اللبنانية في بيروت استقبلنا الجميع بأن أطلقوا عيارات نارية في الهواء ابتهاجا فرأيت كثيرا من الجرحى وقد جاهدوا طويلا حتى تمكنوا من رفع رؤوسهم قليلا لكي يرسموا بأيديهم للمستقبلين علامة النصر!”.
ولكي لا تقف تجربة سميرة عند حد البكاء والندب او الاستغراب من هول تلك المجزرة اوردت في نهاية شهادتها فقرة تتضمن ما هو المطلوب من كل من يقرأ هذه السطور، فقالت: “في النهاية أريد منك أنت الذي تقرأ قصتي هذه، أن لا تكتفي بالقول انها قصة رهيبة. وانما أريدك أن تحاول أن لا تنساها. حاول أن تكون واحدا من الذين يعلنون احتجاجهم على هذه المآسي التي يتعرض لها الناس الابرياء. وحاول قبل كل شيء وبعد كل شيء أن تتفهم قضية شعب بلا وطن…”.
لم تقف مسيرة ايفا شتال عند هذا الحد، ولم تنقطع صلتها بفلسطين، بل بقيت على وفية لفلسطين وقضيتها؛ وهو ما حدى بها لتلبية دعوة من جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني بمناسبة ذكرى تأسيسه الخمسين في 2018.
لم تتردد ايفا في تلبية الدعوة الى تلك البلاد التي ناضلت لاجلها هي وزوجها الشهيد يوسف حمد، بل اكثر من ذلك، فحين زارت فلسطين وتجولت في ارجائها تعلقت بفلسطين اكثر واكثر وهذا ما يلمسه القاريء عند مطالعته لتلك الرسائل التي بعثت بها لحسن وعائلته بعد عودتها الى بلادها الاخرى السويد.
وحسنا فعل الصديق حسن عبادي بأن بادر واغتنم موعد تلك الزيارة وهاتفها مستفسرا عن برنامجها، فما كان منه إلا ان كان اول سفرائنا النجباء الذين نابوا عن كل فلسطين في استقبال ايفا شتال وحملها على كفوف الراحة والقيام بواجبها وتكريمها على احسن وجه وبأفضل حال.
وليس هذا فحسب؛ بل احتفى بها هو والاهل في حيفا اجمل احتفال، حيث اقاموا لها امسية رائعة في نادي حيفا الثقافي تحدثت عن تجربتها في تل الزعتر، ولم يقف الامر عند هذا الحد وحسب، بل جمع حسن كل تلك المواد والشهادات التي القيت في تلك الامسية وحتى الصور وضمنها في كتاب اصدره لهذه الغاية تحت عنوان “اممية لم تغادر الجبل”.
عنوان جميل يا حسن ويصلح عنوانا لملحمة شعرية لم تكتمل كل فصولها بعد، فهناك آخرين كثر لم يغادروا الجبل بعد، وليس لهم ادنى نية لذلك، بل وقفوا بكل عنفوان على اعلى قمة الكرمل يحرسون نوارس العودة في بحر حيفا ويكتبون نشيد البحر؛ احد هؤلاء -وهو كبيرهم الذي علمهم السحر- ذهب بعيدا حين اوصى ان يكتب على شاهد قبره “باق في حيفا”، وهذا ما حصل.
حسنا فعلت يا حسن وهذا عهدنا بك دائما انت واسرتك الكريمة، وحسنٌ كل ما فعلت، فأنت والحُسنِ صنوان متلازمان، كيف لا ولكل انسان من اسمه نصيب.
لكن اجمل ما فعل حسن بأن اخذ ايفا شتال بزيارة الى مسقط رأس زوجها الشهيد يوسف حمد في قرية الخالصة لترى عن كثب كيف يسرق المحتل التاريخ وكيف يمحو الذكريات، لم تحتاج ايفا الى كثير من الشرح بهذا الخصوص، خاصة عندما رأت اثار وبقايا الخالصة المدمرة وحين رأت ذلك العمران والبناء القائم على انقاضها والمسمى “كريات شمونة”.ايفا السويدية الاممية ابنة الخالصة العائدة لحيفا والناصرة وطبريا والقدس ورام الله، تعي ان لهذه الارض اصحابها مهما تنكر الطارئون والعابرون والسارقون لحقائق التاريخ…
ايفا السويدية ابنة الخالصة حين زارت حيفا برفقة حسن وزوجته الاصيلة تعرفت على واقع مرير كيف يعيش صاحب الحق والارض على هامش المجتمع وكيف يواجه جبروت الطمس والتذويب والالغاء.
ايفا في زيارة لمخيم عسكر في نابلس وبعد ان سارت على درب الالام في القدس، عرفت ان ارادة هذا الشعب لا يمكن ان تنكسر.
لم تكن ايفا بغريبة عن تلك الارض وتاريخها، فهي اصبحت من اصحابها، فهي زوجة الشهيد صاحب تلك الارض، ومن اجل تلك الارض فقدت جنينها وبترت يدها واصيبت قدمها حتى انها كادت ان تموت…لكنها كانت تقول دوما: لقد بترت يد وبقيت الاخرى؛ كان القدر رحيما بي، فهو يعرف تماما بأنني سأشهد مع فلسطين صباحات ذلك اليوم الذي ينهزم فيه الطغيان وتنتصر الثورة، حينها فقط سأحتاج يدي لارفع شارة النصر…لاجل هذه الغاية لن يلزمني وانا بهذا العمر اكثر من يد واحدة، ولاجل ذلك اليوم احتفظ بيدي التي تطرز من وجع الذاكرة كل اثواب الحب لفلسطين وترسم مع اول خيوط الشمس شارة النصر لفلسطين.
ايفا وبعد ان زارت فلسطين وتجولت في ارضها وتاريخها، وبعد ان استقر كل ذلك الحب في قلبها، وقفت على صخرة مطلة على الخالصة مسقط راس زوجها وقالت لحسن: الان بت على يقين بأن فلسطين تستحق كل هذه التضحيات.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى